رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

الأعمى ولولا مشيئة الرحمن وتدخله في الوقت المناسب لربما تحول الأمر إلى مذبحة جديدة.

لكزه طه في كتفه صائحا

ممكن

تفهمني ايه الجنان ده

ضغط دياب على شفتيه كاتما حنقه في صدره وهو يرد

خلاص يا حاج

لوح والده بيده أمامه متابعا بحدة

بأنقولك الحتة في حكومة ولبش وقلق وإنت زي التور الهايج رايح تهجم على الجزار!

برر له موقفه بتجهم شرس

ليه تار معايا وكان لازم أخلصه!

عنفه طه بحدة

أخوك مش منبه عليك 

لوى ثغره للجانب مبديا عدم اقتناعه فاستأنف والده قائلا

الله أعلم كان ممكن يحصل ايه لو ماجتش في الوقت المناسب!

وضع دياب يده على رأسه ليمررها في خصلاته هاتفا بامتعاض

يا أبا ده....

قاطعه مشيرا بنظراته الصارمة

ولا كلمة قدامي على البيت.

لم يستطع إضافة المزيد فصرامة أبيه غير قابلة للنقاش أو المجادلة ولكن على أقل تقدير أفرغ به جزءا من ثورته المشحونة.

تمدد على فراشه محدقا في سقفية الغرفة شاردا في طيف وجهها المشكل عليه شبك كفيه خلف مؤخرة رأسه والتوى فمه مبرزا ابتسامة عذبة عليه وهو يستعيد في ذاكرته خجلها ورقتها المحببة إليه أخرج من صدره تنهيدة عميقة حينما تردد في أذنيه صدى كلمات والدته بأنها من قد أقدمت بلا تفكير على مساعدته.

أرخى ساعديه ليلتف بجسده على الجانب ثم رفع ڼصب عينيه خاتم خطبته ليشرد فيه مطولا زادت ابتسامته اتساعا وهو يهمس لنفسه بثقة

استحالة أنهي الخطوبة دي إلا بجواز إن شاء الله!

هدأت الأوضاع إلى حد ما بعد مشاجرة الأمس والتي ظل الجميع يتناقل أخبارها حتى الساعات الأولى من الصباح بالطبع وصل إلى مسامع قاطني المنطقة إصابة مهدي بأزمة قلبية ونقله للمشفى متأثرا بما حدث حزنوا على مصابه لكن لم يشفق أي أحد على ابنيه فالاثنان يستحقان ذلك الجزاء القاسې.

جمعت الثياب الجافة من على المنشر متأملة الطريق بالأسفل بنظرات فاترة لكن سريعا ما ارتفع حاجباها للأعلى حينما رأته يلوح لها تلفتت حولها بخجل بائن وابتلعت ريقها بتوتر رهيب أحقا يشير لها علنا 

عبس وجه أسيف بشدة لتصرف منذر الجريء هكذا فتراجعت مختبئة للخلف متحاشية النظر إليه لكنه على عكسها ظل في مكانه يبتسم لها بإشراق جمعت ما استطاعت من ثياب معا دون طيها واستدارت عائدة للداخل متمتمة بكلمات مبهمة.

فرك منذر مؤخرة عنقه باستمتاع ثم أكمل سيره نحو مدخل بنايتها فيومه يبدأ بها ويستمر معها.

توقعت أن يطرق الباب فأسرعت بالاختباء في الغرفة متجنبة الالتقاء به وحدث ما توقعته سمعت قرع الجرس فانتفضت في مكانها بتوتر ملحوظ لا تعرف ما الذي أصابها لتصاب بتلك الحالة من الاضطراب هي عادة لا تهتم به لكن نبضات قلبها المتسارعة تحذرها من شيء ما تخشى الإقدام عليه شعرت بأنفاسها تتلاحق فتنفست بعمق لتضبطهم أتاها صوت عمتها المرحب به عاليا وما هي إلا لحظات حتى ولجت إليها قائلة

خطيبك برا يا أسيف اجهزي يا حبيبتي عشان تشوفيه

زفرت قائلة بانزعاج

أولا مش خطيبي انتي عارفة يا عمتي إنها تمثيلية

أي كلام وثانيا بقى أنا مش طالعة!

ضړبت عواطف صدرها بيدها مستنكرة رفضها الصارم وهي تقول

يعني الراجل يجي لحد عندنا ونطرده!

هزت كتفيها بعناد

ماليش دعوة اتصرفي معاه!

مايصحش يا بنتي يقول علينا بس ايه دي عيبة كبيرة أوي

ردت أسيف مبررة بعصبية طفيفة

هو فاهم كويس إني مش بتاعة الحركات دي بس قاصد يحرجني!

دافعت عمتها عنه هاتفة

هو لحق عمل حاجة ده احنا لسه بنقول يا هادي وبعدين....

قاطعتها بإصرار

بلاش يا عمتي تضغطي عليا

لا حول ولا قوة إلا بالله! اطلعي المرادي وفهميه ده بنفسك! أنا مش هادخل بينكم

بقى كده!

ابتسمت لها قائلة بمكر

ايوه انتو أحرار مع بعض!

على الجانب الأخر أسرعت نيرمين بارتداء عباءتها الجديدة لتظهر أمامه في أحلى صورها فإن خسړت جولة معه لا يعني هذا خسارتها للمعركة برمتها مازال لديها من الفرص ما يمكنها من استعادته دلفت إلى غرفة الضيوف وعلى ثغرها ابتسامة عريضة ثم انحنت واضعة صينية المشروب البارد والحلوى على الطاولة لتعتدل بعدها في وقفتها رامقة إياه بنظرات مشرقة نظر لها منذر بتأفف واضح وتعمد إظهار امتعاضه منها أقبلت عليه لتجلس على الأريكة المجاورة له ثم أمسكت بطرف كم عباءتها تعبث به وهي تستطرد حديثها

ازيك يا سي منذر عامل ايه دلوقتي

عبست بوجهها لتظهر حزنها بسبب أثار الكدمات الواضحة على قسماته ثم تمايعت بجسدها مضيفة

والله قطع في قلبي اللي حصلك ده أنا كنت خاېفة عليك مۏت من الجبان مجد بس طول عمرك راجل يا سي منذر مخدش في ايدك غلوة!

أرجع ظهره للخلف ليرمقها بنظرات جامدة لم يحرك شفتيه لينطق بكلمة فقط نفور واضح على تعابيره تنهدت بصوت مسموع وهي تقول

مش تمد ايدك يا سي منذر ده عصير طازة عملاه بايدي!

نظر لها باحتقار قائلا بتمهل

مش جايز تكوني حاطة فيه عمل من بتوعك

اتسعت حدقتيها سريعا وشهقت مصډومة من رده المباغت الذي كان متعمدا ليكشفها أمامه شحب وجهها إلى حد ما وحاولت لملمة نفسها فخرج صوتها مترددا

أعمال ايه بس يا سي منذر ده.. ده.....

انتصب في جلسته محدجا إياها بنظرات أشد قسۏة وهو يقاطعها محذرا بسبابته

أحسنلك تبعدي عن سكتي وبلاش تلعبي في دماغ أمي بهبلك لأني فاهمه كويس وبأحذرك تاني زعلي وحش!

ارتعد جسدها من نبرته المھددة واستشعرت قوة انتقامه إن استخفت به انكمشت على نفسها في جلستها لكنه صاح بها بصرامة

امشي اطلعي برا أنا جاي أقعد مع خطيبتي مش معاكي!

حطم أمالها تماما ليغلق الطريق نهائيا أمام محاولاتها البائسة للتودد إليه هبت واقفة من مكانها ناظرة إليه بغيظ بائن واكتسى وجهها بحمرة غاضبة من اساءته لها ضغطت على أصابعها بقوة مكورة إياهم بحنق حتى كادت تخترق أظافرها راحتها ثم استدارت مهرولة من الغرفة كاتمة عبراتها بصعوبة.

شعر بالارتياح لتخلصه منها ونفخ بعمق مخرجا من صدره زفيرا مزعوجا منها تراجع في جلسته منتظرا

بتلهف ولوجها إليه وسريعا ما تبدلت نظراته للإشراق وتشكلت ابتسامة هادئة على ثغره حينما رأها مقبلة عليه بحرج بائن عليها دخلت الغرفة منتقية أبعد أريكة لتجلس عليها.

نظر لها مدهوشا من تصرفها العجيب ثم وضع إصبعيه على طرف ذقنه مداعبا بمرح

على فكرة في كنبة برا أوسع وأريح!

سيطرت بصعوبة واضحة على ابتسامة تتقاتل معها للظهور على شفتيها زمت شفتيها قائلة بعبوس

أستاذ منذر احنا اتفقنا إن الخطوبة دي صوري يعني مافيش داعي للي بتعمله أظن كلامي واضح

رد عليها بنبرة غير مبالية وهو يشير بيده

أنا مش سامعك على فكرة الصوت مش واصل!

قطبت جبينها محدقة فيها بنظرات جادة وهي تقول

لأ انت سامعني كويس بس بتستع......

عجزت عن إتمام جملتها حينما رأت نظراته المحذرة من التطاول عليه بأي لفظ لا يليق فعضت على شفتها السفلى بارتباك.

أخذ منذر نفسا طويلا لفظه على مهل ليرد بهدوء

شوفي يا ست البنات طبيعي تلاقيني عندك كل شوية لأن الاتفاق بينا لسه مخلصش.!!!

يتبع التالي

الفصل السادس والستون

حافظت على تلك المسافة الكبيرة بينهما متعمدة الظهور بمظهر جدي أمامه ورغم ما تفعله من مكابرة وعند إلا أنه كان هادئ الطباع متأملا إياها بتمعن شددت من كتفيها لتعتدل في جلستها ثم أدارت رأسها بخفة ناحيته متابعة بتشنج قليل

حضرتك الاتفاق هينتهي بمجرد ما نروح بيتي!

ضاقت نظراته حتى بدت مزعوجة من عزمها على إنهاء الخطبة نهائيا وما زاد من ضيقه هو تعاملها الرسمي معه وكأنه شخص غريب تمتم باستنكار قليل

مممم.. حضرتي!!!

تابعت قائلة بعصبية واضحة وهي ترمقه بنظرات حادة

بيتي اللي في البلد أظنك فاكره ده سبب الاتفاق من الأول ولحد دلوقتي أنا معرفش حاجة عنه ولا روحنا ولا.....

أزعجه تلميحها الصريح لكونه متقاعسا عن تأدية مهمته مع

 

أنه يبذل ما في وسعه لراحتها وإسعادها لذلك هتف مقاطعا بنبرة جادة رغم ضيقه الواضح على تعابيره

وأنا متأخرتش بس أكيد إنتي شايفة الظروف عندكم كانت عاملة ازاي وإلا كان هيتقال عننا كلام بايخ! ده غير اللي حصل امبارح!

ردت بتجهم

ايوه والظروف دي انتهت والحمدلله!

نظر لها بجمود بوجه غير مقروء التعبيرات متعجبا من طريقتها كيف يعقل أن تكون هي من عاونته في شدته بالأمس وفي نفس الوقت ترغب في إنهاء ما بينهما في أقرب وقت عبست نظراته واكتسى وجهه بالحزن لمجرد التفكير في الأمر.

سلطت أسيف أنظارها عليه متسائلة بقلق

ممكن بقى نحدد ميعاد نروح هناك

صمت ولم يعقب عليها هي تتعمد التعجيل بإنهاء كل شيء قبل أن يشرع في إشعارها بما يحسه نحوها تريد أن تخمد جذوة حبه قبل أن يصرح بها واصلت حديثها المنفعل حينما طال سكوته المريب

لو سمحت رد عليا أنا أعصابي متوترة وبيتي معرفش إن كان اتحرق ولا دي كدبة من خالي ومحدش حاسس بالحيرة اللي جوايا ولا بالقلق و...

هب واقفا فجأة من مكانه ليرد بصلابة تليق به

حاضر جهزي نفسك وهنتوكل على الله بكرة بس الأول لازم أسلمك حقك!

ارتجفت لوهلة من تصلبه ورفعت أنظارها عاليا لتحدق فيه مرددة بذهول

حقي

دنا منها قائلا بضيق

ايوه بقية اتفاقنا!

نظرت له بتفرس متأملة تلك الخدوش وأثار الكدمات الواضحة عليه لم تكن رأتها عن قرب فشعرت بنغصة في صدرها لمجرد تخيل ذلك الألم القوي الناتج عن الضربات العڼيفة التي تلقاها لم ينتبه لنظراتها المتطلعة إليه حيث دس يده في جيب بنطاله الخلفي ليخرج منه ورقة ما مطوية نظرت له باستغراب أكبر اقترب أكثر منها حتى بات قبالتها ثم ناولها إياه تساءلت أسيف بحيرة

ايه ده

أجابها باقتضاب

عقد الدكان

فغرت شفتيها مدهوشة وبحذر مترقب أخذته منه وسريعا ما فتحت الورقة لتتأكد من صحة ما يقول هو بالفعل أعطاها صك ملكية الدكان ليغدو بالكامل لها.

أخرجها من صمتها المتعجب قائلا بتريث

أنا اتنازلت ليكي عن حصتي بيع وشړا

لوهلة بدت في حيرة واضحة غير قادرة على إيجاد الكلمات المناسبة للرد

عليه شعرت بالإحراج منه وأطرقت رأسها قليلا ثم ضغطت على شفتيها هامسة

بس احنا....

أشاح بوجهه بعيدا بعد دسه ليديه في جيبي بنطاله ثم هتف بجمود

الاتفاق اتفاق.. يا بنت رياض!

انزعجت في نفسها من تبدل حاله من الارتخاء والابتسام للتجهم والعبوس كانت متأكدة أنها وراء ذلك التحول السريع هي خشيت أن تحيد عن هدفها الأساسي وتنشغل بأمور أخرى فرعية لن تستمر طويلا لذلك الأسلم أن تلمح دوما إلى قرب انتهاء ما بينهما.

أولاها منذر ظهره قائلا بضيق وهو يتجه نحو الخارج

سلامو عليكم!

أحست بتأنيب الضمير لتعاملها معه بتلك الطريقة الجافة هي كانت حذرة في كلماتها لكنها لأول مرة تشعر بالضيق من تصرفها على الرغم من اقتناعها به حدقت مجددا في صك الملكية بنظرات شاردة هي حصلت على مبتغاها لكنها لم تكن سعيدة بالمرة هناك شيء ناقص في فرحتها تلك.

أخفضت رأسها لتحركها بإيماءات مستنكرة مازال يتكبد الكثير من أجلها وهي تتعامل بجفاء قاس تنهدت بضجر واضح عليها ثم أغمضت عينيها محاولة إجبار نفسها على