رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

روحها هي تلقي بنفسها في التهلكة مستخدمة سلاح العند وهي لن تسمح لها بذلك تحركت خلفها واضعة يدها على كتفها وهي تتوسلها بصوت شبه مخټنق

يا بنتي إنتي ليه بتعملي في نفسك كده

أزاحت يدها عنها لتبتعد عدة خطوات وهي ترد بإحباط

وأنا من امتى بقيت أفرق مع حد كلكم پتكرهوني وعاوزين تخلصوا مني وأهي جتلكم الفرصة ارتاحوا!

لمعت مقلتاها بشدة تأثرا بكلماتها الموجعة وردت بنبرة أقرب للبكاء

لا حول ولا قوة إلا بالله والله إنتي غلطانة كلنا بنحبك وزعلانين عشانك بلاش تقولي كده!

نظرت نيرمين لأمها بجمود رغم تأكدها من صدق كلماتها لكن سريعا ما زاد حنقها حينما تابعت

حتى أسيف أجلت فرحها عشانك و...

صړخت فيها مقاطعة وهي تسد أذنيها

مش عاوزة أسمع اسمها أنا بأكرهها!

سألتها بصوت حزين متعجبة من كم الكراهية والعداء نحوها

ليه بس دي بتحبك جدا

صاحت بنفاذ صبر وقد قست نظراتها

بلاش الكلام ده وقفلي على سيرتها

خشيت والدتها أن تثور من لا شيء فاختصرت في حديثها مضطرة وهي ترد

ماشي اللي يريحك!

بذلت معها جهدا كبيرا محاولة التأثير عليها عل رأسها المتيبس يلين وتحكم عقلها وترضخ للعلاج الطبي لكنها رفضت الاستجابة لها مكابرة ومعاندة بشراسة لم تتخيلها جلست مستاءة على طرف الفراش مستندة برأسها على مرفقها أخرجت تنهيدة حزينة من صدرها وهي تقول

راكبة دماغها أنا مش عارفة أقنعها بټموت نفسها بإيدها

ردت عليها أسيف بإيماءة موافقة إياها الرأي

عنيدة بشكل رهيب!

زفرت مجددا بحزن أكبر وهي تضيف

أنا احترت وحاسة إني متكتفة ومش قادرة أعملها حاجة!

رفعت بصرها للسماء لتتابع بأعين تترقرق فيها العبرات

يا رب اهديها وتوافق تبدأ العلاج يا رب مش هانستحمل يجرالها حاجة!

لم تستطع الصمود أكثر من ذلك فتركت العنان لعبراتها بالانسياب وأجهشت پبكاء موجوع عليها مسحت أسيف

على ظهرها برفق متفهمة حالتها تلك هي لم تختلف عنها كثيرا رغم العداوة الغير مبررة بينهما لكن لا شماتة في المړض فهي لا تملك أمر نفسها وما هي فيه ماهو إلا ابتلاء من المولى ليمتحنها ساد صمت ثقيل بين الاثنتين لبعض الوقت فكلتاهما تفكران في وسيلة تمكنهما من إقناعها بالتخلي عن عنادها المهلك والعدول عن رأيها الخاطيء والبدء فورا في خطة العلاج المكثفة خاصة أن الوقت بات حرجا وكل لحظة تمر دون علاج تشكل ټهديدا حقيقيا عليها.

طرأ ببال أسيف فكرة ما بها مجازفة قليلة لكن ربما خلفها يكمن الحل سحبت نفسا عميقا أخرجته من صدرها بتمهل وهي تقطع حاجز الصمت الإجباري 

أنا عندي اقتراح بس مش متأكدة إن كان ينفع ولا لأ

بحثت بسمة عن بارقة أمل من أجلها فكفكفت عبراتها متسائلة بتلهف

ايه هو

ضغطت أسيف على شفتيها مرددة بتوجس ظاهر

بس يا رب هو يوافق!

قطبت الأخيرة جبينها متعجبة من تلك الجملة المريبة والتي بدت غير مريحة إلى حد ما خاصة من طريقة نطقها لها فسألتها باهتمام

مين ده!

حدقت أسيف في عيني ابنة عمتها مباشرة بدا على وجهها الهدوء الذي يسبق العاصفة انتظرت لثانيتين قبل أن تجيبها بجدية شديدة

منذر!

ارتفع حاجبي بسمة للأعلى غير مصدقة ما قالته توا ظنت أنها تتوهم اسمه فرددت باندهاش عجيب

بتقولي منذر!

أومأت برأسها مؤكدة وهي تشرح لها ببساطة ماهية فكرتها الغير عقلانية ليزداد معها استغرابها رمشت بعينيها عدة مرات ولم تستطع التعقيب هي على الأحرى لم تتوقع شيئا كهذا منها هي تحديدا نظرت لها ببلاهة لبعض الوقت ثم ردت پصدمة

مش ممكن اللي قولتيه ده!

واجه صعوبة كبيرة في التأثير على صغيره لكي يمتثل لطلبه ويعود لمدرسته بعد فترة غياب ليست بالقليلة ومع ذلك اعترض ابنه على رغبته ورفض الإصغاء إليه فاضطر دياب رغما عنه ألا يضغط عليه ويجبره على ذلك كي لا تسوء حالته كما كانت من قبل جلس بشرفته محدقا في الفراغ أمامه يفكر بحيرة فيما سيفعله معه شعر بصخب كبير في رأسه المزدحم بالأفكار نتيجة إنهاكه بالتفكير المتواصل ولجت إليه والدته وهي تحمل صينية بها فنجاني قهوة هاتفة بلطف

اتفضل يا حبيبي عملهالك مظبوط

تناول منها فنجانه قائلا بامتنان

تسلم ايدك يا أمي!

أسنده على حافة السور وشرد مجددا في الفراغ بفتور تفرست جليلة في ملامحه بضيق واضح عليها هي تعلم ما يجيش في صدر ابنها من أماني وأحلام يتمنى حصولها على أرض الواقع لكن شتان بين الحلم والحقيقة تنهدت بعمق متسائلة باهتمام أمومي

مالك سرحان في ايه كده

أجابها بضجر وهو يطفيء عقاپ سيجارته

شايل هم الواد ده مش راضي يروح مدرسته وأنا مش عاوز أشد معاه!

أشارت له بيدها محذرة

خده بالراحة يا ابني على مهلك عليه هو بردك غلبان

أجابه بتشنج طفيف

ما أنا مطول بالي على الأخر هاعمل ايه تاني

أومأت له بعينيها متابعة برجاء

معلش اصبر وربنا هيدبرها من عنده

أخرج زفيرا قويا من صدره متابعا بتساؤل مزعوج

نفسي أعرف جراله ايه!

ردت عليه والدته

الحمدلله إنه رجع زي الأول هو احنا كنا طايلين

صمت بحړقة واضحة عليه فكرت في الاستعانة ببسمة لمساعدته فالصغير يحبها كثيرا وهي تجيد التعامل معه لذلك هتفت بلا تأخير

بأقولك ايه ما تقول لبسمة توديه المدرسة

الټفت ناحيتها لتتحول نظراته للحدة وهو يردد بعتاب

ده كلام ما كفاية المصېبة اللي عندهم!

تابعت محاولة تدعيم رأيها

ربنا يشفي كل مريض وأنا مقدرة اللي عندهم بس...

توقفت للحظة عن الكلام لتلتقط أنفاسها ثم أضافت بعدها بجدية

بس يا ابني انت بتقصدها في حاجة بسيطة اسألها مش هاتخسر

حاجة!

أشاح بوجهه بعيدا وهو يرد باقتضاب

ربنا يسهل!

كان متحرجا بدرجة كبيرة من طلب أي شيء خلال تلك الفترة العويصة هو متفهم للظرف الطاريء بالعائلة ولكن ما بيده حيلة كل الطرق تؤدي دوما إليها وكأن مفتاح حل مشاكله معها هي فقط احترمت والدته صمته فتابعت بابتسامة لطيفة

طب يا حبيبي اشرب قهوتك وأنا هاروح أعلق على الأكل

هز رأسه دون أن يستدير قائلا

براحتك!

لفظ مجددا مرددا لنفسه بامتعاض

مش عاوزها تقول تماحيك!

ارتشف ما تبقى من قهوته جرعة واحدة ليتابع تحديقه الشارد في الفراغ مفكرا بتأن في اقتراحها ربما حقا الحل معها ابتسم لنفسه ابتسامة باهتة محدثا نفسه

وليه لأ

صعب أعمل كده!

قالها منذر بصلابة متعصبة بعد أن أخبرته زوجته بخطتها في استدراج نيرمين بحذر نحو دائرة حبها المستحيل له وبالتالي سيكون ما تفعله بغرض الحصول على رضائه الذي ستناله إن رضخت للعلاج هي تعلم بمشاعرها نحوه ومتيقنة أن شيء كهذا سيكون له أكبر الأثر في إقناعها بالأمر.

تفاجأت برفضه الصارم للمسألة برمتها فتوسلته قائلة

عشان خاطري أنا ماينفعش نسيبها ټموت نفسها ونسكت!

بدا مزعوجا من اقتراحها فرد رافضا بجدية

ماينفعش أنا مش كده!

ردت موضحة بنبرة مستعطفة

أنا عارفة بس دي خدمة!

زم فمه قائلا بإصرار معترض

أسيف أنا...

وضعت يدها على كف يده الموضوع على مسند الأريكة لتحتضنه براحتها هامسة برجاء رقيق وهي مسبلة لعينيها

أرجوك يا منذر هي محتاجة لينا وكلامك معاها جايز يفرق ويخليها تبدأ العلاج

أخفض نظراته ليحدق في كفها الممسك بيده شعر بلمساتها الرقيقة التي تذيب جبال الثلج في داخله بتلك الحماسة المتدفقة في عروقه النابضة سيطر على مشاعره الطامعة في تذوق طعم الحب معها قائلا بامتعاض

استغفر الله العظيم بلاش....

قاطعته متسائلة وهي تعمق نظراتها إليه محاولة التأثير عليه بسلاحھا الأنثوي الذي تجيد استخدامه

مش إنت بتحبني

أجابها بلا تردد

ايوه

سألته بعتاب لطيف

طب ترضى أزعل منك

التوى ثغره للجانب مرددا بضيق

أنا مايهونش عليا زعلك بس مش كده يا أسيف!

سحب يده من كفها مديرا وجهه للناحية الأخرى شعرت بالذنب لفشلها معه لمعت عيناها بالعبرات وبدأت تنوح لقلة حيلتها الټفت ناحيتها متعجبا من ذلك الحزن الجسيم الذي انعكس على تعبيراتها وهتف محذرا بصلابة

بلاش ټعيطي أنا مش بأحب كده!

دفنت وجهها بين راحتيها لتنخرط في البكاء فنفخ عاليا وهو يقول على مضض

خلاص هاعمل اللي انتي عاوزاه ماتعيطش بقى!

رفعت وجهها لتنظر إليه وقد اعتلى ثغرها ابتسامة متفائلة مسحت دمعاتها العالقة في أهدابها بظهر كفها ومدت كلتا يديها لتمسك بكفيه قائلة بامتنان حقيقي 

ربنا يخليك ليا!

أغمضت عينيها للحظة قبل أن تفتحهما وتضيف بتنهيدة عميقة

أنا بأحبك أوي

ضغط على يديها بأصابعه وابتسم لها قائلا بلطف

وأنا أكتر يا حبيبتي!

بدأ الجزء الثاني والأهم من تنفيذ الخطة وهو الاستعانة ببسمة لكي تبلغ أختها بذلك الطلب الغريب كان عليها أن تبدو أكثر جدية وهي تخبرها بهذا حتى لا تظن أن في الأمر ملعوبا ما وتكشفه استجمعت رباطة جأشها ورسمت قناع الجدية على وجهها وهي تلج إلى غرفتها هاتفة بجمود

منذر عاوز يقابلك

اندهشت كثيرا من جملتها ورغما عنها نطق لسان حالها بتنهيدة تحمل الأشواق والاشتياق

سي منذر!

انتبهت نيرمين لما قالته فلملمت سريعا نفسها وشدت من تعابير وجهها قائلة ببرود مصطنع

ليه يعني

معرفش بس هو قال عاوزك إنتي بالذات

انعقد ما بين حاجبيها باستغراب مرددة

أنا!!

حركت بسمة رأسها بالإيجاب مؤكدة بهدوء

ايوه ومستنيكي برا ومصمم يشوفك!

داعبت تلك الكلمات المنتقاة بعناية أوتار قلبها الحساسة ولمست في روحها جزءا كبيرا هي تمنته حتى بات حلمها

 

المستحيل وبالرغم من قسوته ناحيتها ورفضه العنيد لحبها إلا أن قلبها يحمل له الكثير من المشاعر

التي تثور من أجله مع أقل تلميح هتفت غير مصدقة

يشوفني أنا

قرأت في عيني أختها تأثيره عليها وتيقنت أن ابنة خالها محقة فالحب يفعل المستحيل له مفعول كالسحر لا يمكن لبشر أن يتصوره تساءلت نيرمين بسخط وهي تشير بسبابتها

بس مش هو جاير للفقر مراته

أصابها بالضيق إھانتها لصاحبة القلب الحنون التي تبذل قصاري جهدها من أجلها وفي المقابل تتلقى توبيخات مهينة لشخصها ومع ذلك حافظت على جمود تعابيرها وردت موضحة

لأ ليكي إنتي مخصوص!

دق قلبها پعنف بعد تلك العبارة التي تضم كلمات موحية بالتفرد والاهتمام تحمست كثيرا لمقابلته وتهللت أساريرها المتشنجة وهي تقول بتلهف واضح

طيب أنا هاغير هدومي وطلعاله قدميله إنتي حاجة ساقعة على ما أوضب نفسي

ردت عليها بسمة بنبرة جادة

اطمني هاقوم بواجب الضيافة معاه بس انتي متتأخريش!

نظرت نيرمين سريعا لانعكاس وجهها في المرآة تأملت شحوبها وذبولها المخيف بضيق أرادت أن تخرج إليه في أبهى صورها متأنقة فټخطف أنظاره وليس على تلك الحالة الواهنة التي تبعث على الشفقة والإحسان زاد حماسها وأسرعت نحو خزانة ملابسها لتختار أفضل ثيابها فترتديه فمن بالخارج يستحق الأفضل فقط.

تعثرت في خطواتها وهي تلج إلى غرفة الضيوف حيث ينتظرها كاد صوت نبضاتها المتلاحق يصم أذنيها من شدة قوته تورد وجهها لمجرد رؤيته ولمعت عيناها حينما رأت عينيه تستديران نحوها هتفت بنعومة

سي منذر!

لم يكن متفاجئا من تصرفها لعلمه المسبق بمشاعرها التي نبذها كان في حالة صراع كبير بين قلبه وعقله أراد ألا يخدعها لكنه وعدها أن ينفذ طلبها وإن كان منبوذا رسم بصعوبة ابتسامة باهتة على ثغره وهو يسألها باقتضاب

ازيك 

أخرجت تنهيدة ثقيلة من صدرها وهي تجيبه بيأس

أهي ماشية!

أشار لها بيده متابعا بجدية

ممكن تقعدي أنا عاوز أقولك كلمتين

جلست إلى جواره على الأريكة هاتفة بتلهف متحمس وهي تسبل عينيها نحوه

كلمتين