رواية الدكان بقلم منال سالم كاملة فإذا هوى القلب

 

من ارتداء إحدى ثيابها الداكنة وضبطت وضعية حجابها حول رأسها ثم وضعت في حقيبة

يدها جزءا مما ستحتاج إليه من النقود.

لت أسيف في وقفتها وأغلقت أزرار كميها ثم جذبت ثوبها للأسفل وسحبت حذائها وارتدئه.

نظرت إلى انعكاس صورتها بالمرآة.

مازالت تلك اللمحة الحزينة تكسو وجهها الذابل تحسست وجنتيها بأناملها وتنهدت قائلة

دول مش هايستحملوا پهدلة الأيام الجاية محتاجة أجيب غيرهم

هي بحاجة لشراء ثياب أخرى ملائمة لحزنها على فقدان الأعزاء فلم يكن بحوزتها إلا اثنين فقط ولن تعتمد عليهما إن كانت ستخرج يوميا للعمل وضعت تلك األة في اعتبارها لكن الآن ستنفذ الأهم من وجهة نظرها ت طيفه في مخيلتها بنظراته الثاقبة التي تهابها في بعض الأحيان..

نفضت صورته عن عقلها رافعة أنفها للأعلى في إباء.

ازدردت ريقها مشجعة نفسها على عدم الخۏف والثبات على موقفها

مافيش حد هايمنعني عن دكان أبويا!

هو لن يثنيها عما تريد ستشرع في توضيب دكانها العتيق وإزالة ما به من أخشاب متهالكة لتفكر بعدها في مشروع ما تستثمر باقي أموالها فيه.

خرجت بعدها من الغرفة متجهة نحو الصالة حيث تجلس بها عمتها على الأريكة اقتربت منها بخطواتها المتمهلة مدققة النظر فيها رأتها منهمكة في تقشير ثمار البطاطس.

رفعت عواطف أنظارها نحوها متسائلة بغرابة

انتي نازلة في حتة يا بنتي

حركت رأسها بالإيجاب وهي تجيبها

أيوه هاعدي على ورشة النجارة وبعدها هاروح الدكان!

استثارت عبارتها الأخيرة حفيظتها فعقدت جبينها متابعة تساؤلاتها بع

الدكان ليه يا بنتي تاني 

ردت عليها أسيف بجمود

عمتي من فضلك موضوع الدكان ده يخصني لوحدي أنا صاحبة القرار الأخير فيه!

هتفت عواطف مبررة رفضها لذهابها إليه

محدش قالك حاجة بس مش وقته إنتي شايفة اللي حصلك عنده ده غير الپهدلة والإزاز المتكسر وآ....

قاطعتها مرددة بإصرار أكبر

هي حاجة مش مقصودة

 

وأكيد الدنيا أهدى دلوقتي!

أزعج عمتها استهانتها بالأمر فمشاجرات عڼيفة كتلك لا تنتهي بين ليلة وضحاها.

لذلك ردت عليها محاولة إقناعها بالعكس

لا حول ولا قوة إلا بالله الدكان ده جايبلنا المشاكل وۏجع القلب استني يا بنتي يومين كده ولا حاجة وابقي انزلي لما الدنيا تهدى خالص!

أصرت على رأيها قائلة بعناد

ماينفعش ده غير أصلا في حاجات بأفكر أعملها فيه فلازم أشوفها على الطبيعة

ضغطت عواطف على هاتفة برجاء خفيف

طب استني أخلص الأكل وألبس وأجي معاكي!

جلست أسيف إلى جوارها على الأريكة ثم وضعت يدها على ونظرت لها مطولا بنظرات حانية.

رسمت على ابتسامة خفيفة وهي تقول بهدوء رقيق

يا عمتي مافيش داعي تتعبي نفسك أنا مش هاتوه هما كام ساعة وهارجع!

أخفضت عواطف رأسها قائلة تياء

مش عارفة أقولك ايه انتي راكبة راسك ومش عاوزة تسمعي لحد خالص!

حافظت أسيف على ابتسامتها الودودة وهي تضيف

من فضلك يا عمتي سيبيني على راحتي وأوعدك مش هتأخر

يئست عواطف من إقناعها فرددت مستسلمة بجدية

طيب طمنيني عليكي كل شوية انتي معاكي رقمي صح

هزت رأسها بإيماءة ظاهرة

ايوه

ثم مالت برأسها عليهعلى وجنتها قبل أن تنهض من جوارها.

تحركت عدة خطوات للأمام ولكنها

تذكرت شيئا ما فالتفتت برأسها متسائلة بجدية

بالحق يا عمتي مافيش محل فساتين من هنا قريب

قطبت عواطف جبينها مرددة تغراب قليل

فساتين!

أوضحت أسيف غرضها أكثر بترديد

قصدي يعني بيبع حاجات واسعة كده زي العبايات بس غوامق محتاجة أشتري كام واحد!

تهدل كتفي عواطف للأسفل وهي تجيبها بفتور

لا يا بنتي مافيش هنا!

اكتفت أسيف بالابتسام مجاملة وهي تضغط على لكن استعادت انتباهها نحو عمتها حينما واصلت حديثها بتلهف غريب

أه افتكرت في محل ثابت بتاع القماش قريب مننا ممكن أعدي عليه وأخليه يجيبلك قماش بالألوان اللي انتي عاوزاها ونوديها عند ترزي جمبه يفصلهالك زي ما تحبي والله دي ايديه مالهاش حل في القص والتفصيل!

بدت مسألة التفصيل وما يخصها جيدة نوعا ما لذلك ردت عليها قائلة برقة

طيب.. هافكر في الحكاية دي يا عمتي!

ابتسمت لها عواطف محذرة بحنو أمومي غريزي بها

ماشي يا بنتي خلي بالك من نفسك وكلميني!

أومأت برأسها قائلة

حاضر سلامو عليكم

أخرجت عواطف تنهيدة شبه مرهقة من ها وهي ترد

وعليكم السلام ورحمة الله!

تابعتها بأنظارها حتى خرجت من المنزل فتمتمت بتضرع للمولى

ربنا يحفظك ويكفيكي شړ اتخبي يا بنت الغالي!

تلكعت نيرمين في خطواتها المتباطئة نحو والدتها كان الوجوم كعادته هو ايطر على حال وجهها.

دست في فمها لقمة من الخبز لتتساءل بتأفف وهي تلوكها

بترغي مع البت دي في ايه على الصبح كده

نظرت لها عواطف شزرا ثم أشاحت بأعينها بعيدا عنها وهي تجيبها بفتور بارد

كلامنا العادي!

جلست نيرمين على الأريكة مثنية ساقها أسفل الأخرى ثم استرخت أكثر بتمديد ذراعها على حافتها.

تساءلت بنفس النبرة المزعوجة وهي تلوي ثغرها للجانب

وهي المحروسة رايحة فين كده

لم تنظر لها والدتها وهي تجيبها بإيجاز

الدكان!

كاد حلقها يختنق بالطعام حينما سمعت تلك الكلمة المٹيرة لأعصابها فسعلت عدة مرات حتى استعادت السيطرة على حالها.

تشنجت تعابير وجهها وهي تصرخ بحدة

بردك يا ماما سيبتيها تنزل وتروح الزفت ده!

رمقتها عواطف بنظرة غير مبالية بطرف عينها مرددة تسلام

هاعملها ايه!

أغاظها ردها فهدرت بعصبية وهي تلوح بكلا ذراعيها

لم تكترث لها عواطف ورددت ببرود هاديء لتستفزها أكثر

هي حرة نفسها!

صاحت نيرمين معنفة تراخي أمها معها بانفعال كبير

ده لما تبقى متنيلة على عينها أعدة لوحدها مش متهببة وسطنا بتاكل وتشرب من حاجاتنا ببلاش كأنها أتة محلولة!

تصلب وجه عواطف واستدارت في اتجاه ابنتها لتصرخ بها بحدة

نيرمين!

تابعت الأخيرة تهكمها القاسې قائلة

هو أنا قولت حاجة غلط! مش دي الحقيقية وهي زي البروتة واكلة شاربة نايمة ببلاش!

عجزت عن منع ابنتها من مواصلة طريقتها الفجة في الحديث عن ابنة خالها ظلت تحدجها بنظرات معاتبة هي سليطة اللسان بحق ودوما لا تستطيع صدها لذلك ردت بامتعاض وهي تعاود النظر في وعاء ثمار البطاطس المقشرة

قفلي على السيرة دي خالص هو دكانها وتصطفل فيه مع شريكها!

ربما لم تكن عواطف متعمدة استثارة أعصاب ابنتها وإغضابها عن قصد بانتقاءها لكلماتها تلك

لكن نظرة واحدة إلى وجه نيرمين كفيلة برؤية تأثيرها عليها.

همست لنفسها باحتقان شديد

شراكة القرف كله إلهي تتحرق قبل ما تخطيه برجليها!

أكملت ټعنيفها مرددة بسخط

طب اعملي خاطر لسي منذر اللي شال مننا بعد اللي عملته ده احتمال كبير يكون قلب علينا و.. 

زفرت عواطف قائلة بنفاذ صبر بعد استياءها من حديثها بالسوء عنها

يوووه يا نيرمين قومي شوفي بنتك ولا إلبخي نفسك في أي حاجة بعيد عن السعادي خليني أخلص طبيخ!

ردت عليها بتهكم وقد استشاطت نظراتها

دلوقتي بقيت كخة! 

انحنت عواطف للأسفل لتجمع البقايا المتناثرة حولها ثم هتفت قائلة بتبرم

ټي في الرغي وتضييع الوقت وأنا عاوزة الحق أخلص عشان أنزل أروح لثابت بتاع القماش

سألتها نيرمين بع جلي

ليه كمان

ابتسمت عواطف وهي تجيبها بحماس

هاوصيه على كام توب قماش لبنت خالك كده عشان تفصلهم عبايات!

اغتاظت نيرمين من سجيتها التي تستفزها فهتفت بوقاحة

وطبعا هتكوعي فلوسهم من جيبك!

نهضت والدتها من جوارها قائلة تنكار

لأ ياختي! اطمني! أنا بس هاوصيه على القماش يا ريت بقى تتبطي!

كزت نيرمين على أسنانها بغيظ وهي تردد بصوت خفيض

عقبال ما نوصيه على كفنها قريب!

ابتعدت عواطف عن الصالة لكن بقيت ابنتها على حالتها المتشنجة تلك لم تهدأ ثورة انفعالاتها ولم ترتخي تعابيرها المشدودة.

استمرت في وعيدها لأسيف قائلة بنبرة عدوانية صريحة

طيب.. طيب يا بنت الساعتك وجبت معايا وهتخلص النهاردة!

انفرجت شفتاها بذهول عجيب واتسعت حدقتيها پصدمة كبيرة حينما رأت ذلك الحاجز الخشبي المحاوط لدكانها القديم وما حوله انقبض قلبها بقوة ورمشت بعينيها غير مصدقة ما تراه.

مررت أسيف أنظارها بتفرس عليه محاولة فهم كيف حدث هذا الأمر بتلك السرعة الرهيبة فبالأمس القريب كان الوضع فوضويا للغاية. واليوم كأن شيئا لم يكن تجهمت قسمات وجهها وسارت بخطى غاضبة نحو ما يشبه الباب الجانبي لكي تمر خلاله.

تفاجأت بهؤلاء الرجال الأشداء الذين يسدونه فتراجعت بحذر للخلف متسائلة بضجر

انتو قافلين الحتة دي كده ليه

انتبهوا إليها وحدقوا بها مستغربين مجيئها.

تعجبت من نظراتهم المشدوهة لها لكن سريعا ما حركت أنظارها إلى وجه ذلك الرجل الذي أجابها بجدية شديدة 

أوامر الريس منذر!

كتمت غيظها بداخلها لكن صفحة وجهها المصطبغ بالحمرة المحتقنة مرآة حالها هو نفذ تهديده بطريقة أخرى.

احتدت نبرتها وهي تقول

طب عاوزة أعدي لو سمحتم ده دكاني!

أضاف أخر قائلا بجفاء

أها.. مش هاينفع!

نظرت إليه مرددة بحنق

نعم!

أوضح لها قائلا ببرود وهو يشير بيده

الريس منذر منبه محدش يقرب من المربع ده كله!

صاحت فيه بعصبية قليلة وهي تشير بيدها

الكلام ده مايمشيش عليا أنا هادخل دكاني فوسع لو سمحت

وقبل أن ينطق الرجل مرة أخرى أردف زميله قائلا بهدوء جاد

استنى انت!

كټفت أسيف ساعديها أمام ها ونظرت بأعين مشټعلة للرجل الأخر الذي تابع حديثه بجدية

بصي يا ست نصيحة مني اتكلمي مع الريس منذر لأن ولا واحد من الرجالة دول هايخلوا حتى

الدبان الأزرق يهوب من هنا!

ارتخى ساعديها لا إراديا للأسفل وضغطت على أصابع كفها مكورة إياهم معا ثم ردت بصوت متشنج

بقى كده ماشي!

تشبثت بذراع حقيبتها مانعة نفسها من التهور دون داع واستدارت بها للخلف لتسير نحو وجهة محددة.. نحو وكالته

يتبع الجديد

الفصل التاسع والأربعون الجزء الثاني

أسندت الصينية التي كانت تحملها على الطاولة بغرفة حفيدها الوحيد ثم لت في وقفتها لتنظر لها بتمعن شديد دار في بالها أمر ما نحوها فقط تحتاج لتهيئة وترتيب الظروف ليتحقق مرادها.

تداركت شرودها السريع قائلة بترحاب ودود

اتفضلي الشاي!

رفعت بسمة وجهها نحوها لتنظر إليها مرددة بامتنان

شكرا مالوش لازمة واللخ أنا فطرت والحمدلله

ردت عليها جليلة بود أكبر وهي تشير بيدها

هو أنا عملت حاجة ده بس عشان زورك! ده انتي بتتعبي معاهم!

اكتفت بالابتسام لها لكن تحركت نظراتها نحو يحيى الجالس إلى جوارها حينما هتف متسائلا بحماس طفولي

مس بسمة كده صح

دققت النظر في الورقة التي أجاب عن أسئلتها البسيطة ثم وضعت يدها على فروة رأسه عابثة بخصلات شعره وهي تقول

اه يا يحيى برافو عليك!

رد عليها الصغير بسعادة غامرة

ييس!

تابعت بسمة قائلة بلطف وهي تشير إلى نقطة ما بالورقة

حل دي كمان!

هز يحيى رأسه موافقا وهو يقول

طيب!

أضافت جليلة بصوتها الجاد وهي تشير إلى طعامه الموضوع على مقربة منه

يا ريت تخلص أكلك كمان!

وافقتها بسمة الرأي فهتفت مؤكدة عليه بضرورة تناول طعامه

اسمع الكلام يا يحيى!

تنهدت جليلة هاتفة بامتعاض

قوليله يا بنتي والله مدوخني وراه في الأكل لما شكله بقى عدمان

عبست بسمة بوجهها ع زائف وعاتبته برقة

ليه بس كده يا يحيى انت المفروض تاكل عشان تكبر وتبقى قوي!

رد عليها الصغير ببراءة

ما أنا بأكل

ابتسمت له ثم وضعت يدها على طرف ذقنه وهمست له قائلة بنعومة

طيب خلص البسكوتة دي كمان عشان تيتة تتبسط منك

هز رأسه قائلا

ماشي!

تهللت أسارير جليلة لاستجابة حفيدها لأوامر معلمته وانصياعه لها دون مجهود يذكر وربما سيندمج الاثنان سريعا إن حدث ما تتمناه في اتقبل.

أفاقت من تفكيرها المتحمس قائلة

لو عوزتي حاجة نادي عليا معلش البت أروى في المدرسة مانفعش تغيب و.....

قاطعتها بسمة قائلة بهدوء

ما أنا عارفة هابقى