رواية (شمس) ..


قدامنا

العمر كله مع بعض ..
جلست شمس بجوار زوجها بداخل إحدى المطاعم الكلاسيكيه الهادئه المطله على النيل .. والتى خيم عليها الصمت المطبق فى ذلك الوقت المتأخر من الليل .. إلا من بعض الموسيقى الهادئه التى أضافت شعورا رومانسيا حالما مع ذلك الظلام المضجع المزين بالإناره الخافته والتى ظهرت كنجمات متلألأه أنعكس ضوئها على صفحات النيل الهادئه فزادتها لمعانا ..
تناولت شمس طعامها بهدوء قبل ان تقول ناظره الى زوجها صحيح ياحبيبى كان فى حاجه كده عاوزه آخد رأيك فيها ..
أنشغل مصطفى بغرز شوكته فى قطعه من اللحم مكتمل النضج بطبقه قبل ان يقول قولى ياقلب مصطفى ..
أبتسمت شمس برقه قائله بحماس عاوزه اعمل جروب او صفحه ليا
مصطفى بأقتضاب دون ان ينظر إليها ليه 
هزت شمس كتفيها بلا مبالاه قائله أبدا .. بفكر اكتب روايه جديده وعاوزه انزلها على السوشيال 
قضم مصطفى قطعه اللحم بتلذذ شديد قائلا بأستغراب طب ماتنزليها عندى زى اللى فاتت 
تركت شمس مابيدها ووجهت انظارها إليه قائله بحزن مش عاوزاهم يقولوا بينزل لمراته او أنك بتجاملنى..
امسك مصطفى بيد زوجته الحزينه مشجعا طب انا عندى اقتراح أحسن ..
شمس بلا حماس سامعاك ..
مصطفى ايه رأيك تكتبيها الأول وتخلصيها وبعد كده نشوف 
شمس بعدم فهم هتفرق فى ايه ..
مصطفى موضحا يعنى أكون كونت علاقات فى الوسط اللى انا داخله ده وساعتها ممكن أخد روايتك أعرضها على شركات الانتاج ..
شمس بعدم إقتناع طب انت مش شايف انى لازم اكون اسم الاول
مصطفى بثقه وهو انا وانتى ايه مش واحد ..
شمس بتصميم لا بس انا عاوزاهم يقبلوها عشانى انا مش مجامله ليك 
نظر مصطفى الى عينى زوجته قائلا بخفوت بعد ان ألتفت إليها بجسده وأنا ياقلبى مش عاوزك تبدأى المشوار من أوله ..
لانت قسمات شمس متسائله يعنى إيه
مصطفى بهمس وكأنه يقوم بإعداد جلسه تنويم مغناطيسى .. ناظرا إلى عينيها بثبات قائلا بنبره حالمه يعنى تخيلى كده لما أول روايه ليكى تتعمل فيلم 
شمس مقاطعه بضعف بس دى تعتبر تانى روايه ..
مصطفى متجاهلا تعليقها وإن اسمك يظهر على الشاشه الأول وبعد كده تعملى الجروب ويبقى فانزك جاهزين وموجدين وتنزلى روايه ورقى وانتى إسمك مسمع جاهز ..والناس حواليكى كله عاوز يتصور معاكى وتمضيله على نسخته ..
ظهر شبح أبتسامه على وجه شمس سرعان مااتسعت وملأت وجهها قائله بهمس ياريت .. 
مصطفى وهو لازال محدقا فى عدستيها بثبات ده هيبقى اسرع بكتير من أنك تبدأى بجروب فيه ألف ولا اتنين بس وتقعدى سنين بتعافرى عشان رواياتك تسمع وتتعرفى فى الوسط .. انا مش عاوزك تمرى بكل اللى مريت بيه قبل كده ..
أفاقت شمس من غيبوبتها ليستعيد عقلها نشاطه من جديد قائله بس انا كتابتى حلوه بشهاده منك والروايه اللى نزلت فعلا سمعت ونجحت جدا ..
مصطفى بهدوء وهو يعاود تناول وجبته دون ان ينظر إليها اه بس ده عشان نزلت فى جروب معدى ال مليون ومنهم مليون شخص مستنين أى حاجه تنزل بأسمى عشان يقروها .. انما لو الروايه كانت نزلت فى أى جروب صغير مكنش حد هيسمع بيها للاسف ..
ظهرت علامات الحزن على وجه شمس قائله مصطفى أنت
كلامك ده بيحبطنى على فكره وبيحسسنى إنى ولا حاجه ..
اسمعى كلامى ومش هتندمى ..مش انتى واثقه فيا .. 
هزت شمس رأسها قائله بخفوت اكتر من نفسى 
لمعت عينى مصطفى بغرور قائلا طيب قوليلى ياحبيبتى .. فكرتى فى حاجه ولا لسه ..
شمس بحماس اه جاتلى فكره حلوة اوى ... بص ياسيدى ............
بعد مرور عده ايام فى منزل والدى شمس مساءا ..
ماإن التقطت أذنى الصغيره قلقله مفاتيح والدتها الخاصه والتى تحفظها عن ظهر قلب تدار من الخارج حتى أنطلقت من غرفتها بسعاده قائله بفرح طفولى ماما 
استقبلتها شمس التى ما إن قامت بفتح الباب حتى رأت أبنتها تتقدم إليها بفرحه بين أحضانها قائله بقلب مشتاق يكاد ان ينفطر من فرط سعادته يارا وحشتينى ياقلب ماما ..
بعد عده ثوان تتابع الوالدان فى الخروج إلى ابنتهما عقب سماعهما لصوت إنغلاق باب المنزل ..
قبلتهما شمس بإشتياق قائله وحشتونى كلكوا حمد الله على سلامتكوا ..
احتضنتها مجيده بعتاب قائله كده بردو ..استنيناكوا تقضوا معانا يومين ومجتوش ..
شمس وهى تزيد من إحتضان والدتها معلش ياماما مصطفى أنشغل بكام حاجه كده معرفناش نسافر .. المهم انتوا تكونوا أتبسطتوا وغيرتوا جو ..
أستراح محمود على أقرب مقعد عقب ترحيبه بإبنته قائلا وهو يبدو عليه الإرهاق الحمد لله يابنتى الفندق كان فعلا نضيف وكويس ويارا عجبها الجو هناك ..
ثم اضاف موجها كلماته إلى ابنته مش كده ياحبيبه جدو ..
يارا بسعاده عاوزين نروح تانى ياماما 
قبلتها شمس قائله بس كده .. حاضر ياقلب ماما .. عمو مصطفى بس يفضى ونروح كلنا تانى ..
توجهت العائله الى غرفه الجلوس وأصوات ضحكاتهم تتصاعد لتملأ المنزل الخاوى من جديد بعد صمت دام لأكثر من اسبوع .. خاصه ضحكات تلك الصغيره التى أنتابها نشاط زائد من السعاده فور رؤيتها لوالدتها .. 
جلست مجيده بجوار أبنتها قائله بلهجه اشبه بالعتاب امال فين جوزك مجاش معاكى ليه ..
شمس مبرره وهى تتخلص من حجابها وربطه شعيراتها تاركه خصلاتها الناعمه تتناثر على وجهها وكتفيها بلا ترتيب معلش ياماما عنده شغل مستعجل هيخلصه ويجيلنا على طول ..
لكزت مجيده ابنتها بمرفقها قائله بصوت خفيض نوعا ما لكنه وصل الى مسامع زوجها وانتى عامله ايه معاه 
شمس بخجل الحمد لله ..
احس الأب بخجل ابنته
التى يرغب فى الإطمئنان عليها هو الآخر لكنه تحرك من مقعده بصعوبه قائلا موجه كلماته الى الصغيره التى تجلس بداخل أحضان والدتها .. ككائن الكانجرو المختفى بداخل جيب والدته طب انا هقوم اصلى العشا هتصلى معايا يايارا 
يارا بسعاده ايوه ياجدو 
محمود مشجعا طب يلا ياحبيبه جدو تعالى نتوضى مع بعض
أستند العجوز بمرفقه على كتفى الصغيره متجهان الى الخارج ..
ما إن خطوا آخر خطواتهما خارج الغرفه حتى قالت مجيده بحماس فرح ادى ابوكى وبنتك قاموا قوليلى بقى عامله ايه مع جوزك .. وشك مورد ماشاء الله 
نظرت
شمس إلى الاسفل بخجل قائله الحمد لله ياماما مبسوطه 
مجيده بنبره ذات معنى طب تحبى نخلى يارا معانا اسبوع كمان 
هزت شمس رأسها رافضه لا كفايه كده مش عاوزه اتقل عليكوا .. بابا شكله راجع تعبان ..
مجيده مشجعه لا تتقلى ولا حاجه انتى عارفه ابوكى روحه فيها وهى اللى عملالنا حس فى البيت .. 
شمس موضحه معلش ياماما هى لازم تتعود على البيت ومصطفى .. 
مجيده بعدم إقتناع يابنتى انا عامله على جوزك .. عشان ياخد راحته معاكى .. انتوا لسه عرسان جداد ..
تخضب وجه العروس بحمره الخجل من جديد قبل ان تبتسم مطمأنه والدتها متقلقيش ياماما مصطفى بيحبها اوى .. وكمان هو بدأ ينزل كتير لشغله وببقى لوحدى فى البيت .. 
مجيده بإستنكار كده من اول اسبوع ..
ظللت غمامه من الحزن عينى شمس التى ابتسمت جاهده انتى عارفه شغله بقى ملوش مواعيد ..
لم تلاحظ مجيده حزن ابنتها الخفى فقالت مسترسله طب تعالى اقعدى معانا يومين انا وابوكى

.. انتى وحشانا اوى ..
هزت شمس رأسها قائله إن شاء الله ياماما فى اقرب فرصه وبعدين المفروض تيجوا انتوا بقى تقعدوا مع بنتكوا العروسه شويه .. مش كده ولا إيه .. 
مجيده بإذن الله يابنتى وهو احنا هنروح من بعض فين .. ده احنا ملناش إلا بعض ..
فى تلك اللحظه ارتفع الرنين المميز لباب المنزل .. فتحركت شمس من مقعدها بسرعه قائله وهى تضع حجابها أعلى رأسها بدون إحكام ده اكيد مصطفى .. خليكى ياماما مرتاحه هفتح أنا ..
زينت الأبتسامه وجهها وهى تقوم بفتح الباب قائله بلهفه حبيبى متأخرتش يعنى ..
أنزلق غطاء رأسها بفعل تيار الهواء المنبعث من تحرك الباب ليتأملها ذلك الواقف من خلفه بأعين مشتاقه سلطت عليها للحظات قبل ان يغض بصره عنها قائلا ازيك ياشمس ..
الفصل الثالث والعشرون
يقال أن المرء يهزم بأشيائه التى يحبها ..
لكن .. ماذا لوكان يعشقها لو كان متيم بها
ماذا لو تعلق بها حد الإدمان ! 
هنا تصبح أكثر من هزيمه لتتحول إلى حسره وألم وضياع ..
فكيف له أن يشفى منها بعد تغلغلها بداخل أوردته وإختلاطها بكرات دمه لتصبح مصدر من مصادر غذاء شريان قلبه الرئيسى والذى لايقوى على ضخ مايحتاجه جسده للعيش.. إلا بها .. وبها هى فقط !
هل يستطيع وبلا أى مقدمات أنتزاع صفائحه الدمويه من داخله لإخراج كرات حبها من مجرى دمه لتعود من جديد مجرد كرات ډم حمراء وبيضاء فقط يؤديان وظيفتهما للبقاء على قيد الحياة ! 
حياة !! عن أى حياة تتحدث !
مازال ذلك السؤال يلح عليه آلاف المرات يوميا ..
ماقيمه حياته دونها
هو حقا لا يستطيع إستيعاب تدابير القدر حاول كثيرا تخطى خيباته ملتفتا الى مصادر السعاده فى حياته عاملا بمقوله جلال الدين الرومى 
عندما تدرك مقاصد القدر ..حينها لن تتوقف عن الإبتسام
لكن فى كل مره يبتسم بيها .. سرعان ما تنكمش تلك الإبتسامه المصطنعه المزيفه ليتسائل من جديد .. لماذا جاء بها القدر إليه من البدايه ! لماذا احبها وأحبته على حسب قولها !
لماذا زرع عشقها بداخله واستقرت بداخل تلابيب فؤاده منذ ولادتها الى تلك اللحظه .. 
ولماذا يمنحه الأمل فى كل مره ثم سرعان مايسلبه إياه بعد ان تتهدج اوداجه وتنتفخ معتقدا انه قد ظفر بها ..
ليفيق فى النهايه من أوهامه بعد أن وضحت امامه الصوره كامله .. وهى أن القدر لم يمنحه يوما فرصه للحياه معها من الأساس !
لازال يحتفظ داخله بجميع تفاصيلها المخبأه عن أنظاره ولم يتناسى يوما كل جزء عشقه بها ..
لذلك أنهارت قواه فور رؤيه وجهها المزين بخصلات شعرها
الحريرى والذى طالما داعبه عندما كانت مجرد طفله تنمو بين أحضانه ..
لكنه سرعان ماعاد إلى رشده متذكرا واقعه الأليم .. 
فأشاح بنظره عنها قائلا بعد ان أخفض عينيه أزيك ياشمس ..
تداركت شمس سريعا ماحدث وعدلت من وضع حجابها بعد أن أختبأت لعده ثوان خلف باب المنزل قائله بتوتر أزيك انت ياأسامه اتفضل ..
أسامه بتردد وهو لازال جاذبا نظراته الى الأسفل رغما عن إعتراض قلبه الذى يرفض إضاعه فرصة رؤيتها على هذا النحو قائلا بتشتت خالى رجع من السفر ..
شمس دون أن تنظر إليه اه بابا وماما هنا أتفضل ..
فى تلك اللحظه وبعد تقدمه عده خطوات ترامى إلى مسامعه اصوات الجد والحفيده يغادران الغرفه عقب انتهائهما من الصلاه .. ليتفاجىء محمود بأسامه واقفا عند عتبه الباب .. 
فأقبل عليه مرحبا رغم إجهاده الواضح قائلا أهلا ياأسامه يابنى ..مكنش له لزوم تيجى..
أسرع أسامه