رواية (شمس) ..


الثالث والثلاثون
لاتؤذ

الناس فتبتلى
تسمرت عدستاه على تلك الحكمة الموقعة أسفل تاريخ اليوم فى النتيجة الورقية المعلقة على الحائط بجواره داخل غرفة وكيل النيابة وكأنها تخاطبه موجهة كلماتها إليه لتذكره بكل أولئك اللاتى آذاهن دون مبرر متسترا متحججا پألم خذلانه من زوجته الأولى ..
بعد عدة ثوان من حملقته بتلك الكلمات صاح بصړاخ هيستيرى دون مقدمات كمن أصابه مس وكأنه قد أفاق فجأة من غيبوبة غروره اللامتناهى ليجد نفسه وقد دمر مستقبله وحاضره وأزال الستر عن ماضيه محدثا اللوح الكرتونى أمامه بړعب 
لا لا لا لا .. أنا لازم أطلع من هنا مش هتاخد بذنب معملتوش ..
أرتجف جسده يقوة وألتف إلى الوراء پذعر عندما احس بيد باردة توضع على كتفه من الخلف ثبت نظراته على تلك التى جفل عن تواجدها لبرهة بينما قالت هى مطمأنة 
أهدا يامصطفى
نظر إليها بأعين جاحظة يحاوطها السواد من كل جانب والتى على الرغم من الشعيرات الحمراء التى تكسوها إلا أنها أمتلئت بالإنكسار والضعف خاصة وهو يقول بعد أن أمسك يدى زوجته بوهن 
اهدا ازاى قوليلى دول جريمتين قتل متورط فيهم يعنى لو طلعت من واحدة مش هطلع من التانية ..
لاحت علامات الأسف على وجه شمس والتى سرعان ماأختلطت بالعتاب متسائلة بحزن
ليه مقولتليش قبل كده عن نوال يامصطفى ..
حاول عدم النظر فى عينيها قائلا بعد أن اطلق سراح كفيها 
ماأنتى عارفة إنى كنت متجوز قبل كده
شمس بتصميم متجاوزة عن عدم رغبته فى التطرق اإلى الحديث عن هذا الموضوع
بس عمرك ماحكتلى عن سبب الطلاق أو عن اللى عملته فيك . 
ظهرت علامات الضيق على وجهه قائلا بتأفف متجاهلا سؤالها وهو يتجه إلى أقرب مقعد 
وأنتى عرفتى منين اللى عملته فيا ! المحامى بردو صح أنا بدأت أحس أنه جاسوس عليا ضدى مش معايا هو اللى هيجيبلى حبل المشنقه لحد عندى مش اللى هيطلعنى منه ..
لحقته شمس لتجلس أمامه قائلة بعناد أنثوى 
لسه بتهرب زى عادتك
مصطفى بإستغراب
شايفة أن ده وقت أسألة وعتاب وكلام ممنوش فايدة لما أطلع من هنا أبقى اسألى عن اللى انتى عاوزاه..
أرجعت شمس جسدها إلى الوراء مستندة على ظهر المقعد وهى تقول بحزن 
مايمكن ميبقاش فى وقت تانى نقدر نتكلم فيه ..
مصطفى پذعر 
تقصدى إيه خلاص مش هطلع من هنا ..
ثبتت شمس نظراتها على وجهه قائلة بثقة 
أنا وعدتك إنى هطلعك من هنا بأى طريقه
ظهرت علامات الحيرة على وجهه قائلا بتهكم 
امال لحد دلوقتى مفيش حاجه حصلت ليه!
تحركت شمس من مقعدها قائلة بتوتر 
بصراحة هو فى فكره كده المحامى أقترحها بس مش عارفه إذا كنت هتوافق عليها ولا إيه ..
مصطفى ساخرا 
وهو المحامى اللى إنتى جايباه ده بيعرف يتكلم عشان يعرف يفكر من الأساس .. 
شمس دون ان تنظر إليه
مش عارفة يامصطفى بس كده كده أنا مش موافقه على الحل اللى قاله 
غادر مصطفى مقعده وأقترب منها بترقب متسائلا 
اللى هو !
فركت شمس كفيها بقوة قبل أن تقول بكلمات متقطعة 
عاوز .. عاوز يقدم مايثبت أنك عندك .... زهايمر 
مصطفى بإستغراب
زهايمر !
هزت شمس كتفيها بلا إقتناع مكملة 
بيقول أن ده مفتاح البراءة بجانب أنك هتقول أن المسډس اللى لقيوه فى عربيتك بتاعك وأنك أشتريته من فتره وهيجيب مايثبت ده ..
أرتفعت ضحكات مصطفى ساخرة 
مش قولتلك هو اللى هيجيبلى حبل المشنقة لحد عندى ...
لكنها تجاهلته مكملة 
وكمان هتقول أن الډم اللى على منديلك هو دمك ..
مصطفى بتهكم
إنتى متأكدة من أن المحامى ده بكامل قواه العقلية ماهم بأبسط تحليل هيقدروا يثبتوا أن ده مش دمى .
شمس مطمأنة 
متقلقش هو قالى أنه يعرف ناس فى الطب الشرعى هيظبطوله الموضوع والحمد لله انهم مأخدوش عينة من دمك قبل كده وطابقوها ..
مصطفى بعدم إقتناع 
والمسډس اللى هيخليه بأسمى ماهم أكيد طابقوه بالطلق اللى فى الچثه وعرفوا أنه طالع منه ..
ظهرت لمعة خفيفة بداخل عدستيها وهى تقول 
نسيت أقولك أن الچثة مطلعتش چثة آلاء..
زوى مصطفى مابين حاجبيه متسائلا 
يعنى إيه امال چثه مين! 
هزت شمس كتفيها بلامبالاه قائلة 
مش عارفة بس معنى كده إن لحد دلوقتى مفيش چثة
ومفيش قدامهم غير الأدله اللى لقيوها عندك وأعترافك أنها أنتحرت قدامك فى المقطم غير كده مفيش حاجة تثبت أنها ماټت أصلا ..
مصطفى مفكرا 
يعنى تفتكرى لو عملنا كده هطلع منها طب واللى أنا قولته قبل كده هغيره ازاى ..
شمس بحماس 
ماهو ده سبب أننا نثبت أن عندك زهايمر واللى بسببه بتاخد أدويه سببتلك هلاوس بسيطه وأنت كنت مشوش وقتها وبتحسب أن ده اللى حصل ..
مصطفى 
ولما يسألونى عن السبب اللى عشانه غيرت أقوالى أو اللى خلانى أدرك دلوقتى ..
شمس موضحة 
تأثير الأدوية راح وأنت بدأت تفتكر اللى حصل .. واللى حصل بقى أنك نزلتها فى أى مكان فى الشارع بعد ما أتخانقت معاها وطلعت المقطم لوحدك تهدى اعصابك ورجعت تانى .. بس كده ..
لاحت علامات عدم الإقتناع على وجهه من جديد وهو يقول 
وهم ساذجين عشان يصدقوا الكلام ده
شمس مطمأنة 
كله هيبقى بإثباتات وشهادة دكاترة كمان ولو حبوا يعملولك فحص أو تحليل ډم متقلقش إحنا هنتصرف
تأمل مصطفى ملامحها متسائلا بشك
أنتوا .. انتوا مين !!
شمس بتوتر 
أنا والمحامى اكيد ياحبيبى 
مصطفى بتفكير ولا زالت علامات الشك تعلوه
أنتى متأكدة ان المحامى هو اللى فكر فى كل ده ميبانش عليه أنه ليه فى السكك الشمال ..
ربتت شمس على صدره قائلة بنظرة واثقة لامعة ونبرة ثابتة ذات معنى وهى تلوح بيدها الأخرى 
الفلوس ياحبيبى بتعمل كل حاجه
تأمل لمعة عينيها عدة لحظات وكأنه يراها لأول مرة قبل أن يجيبها معبرا عما بداخله
بتتكلمى كأنك انتى اللى مخططه لكل حاجه مش هو 
لم تجبه فأردف هو
حماسك وأنتى بتقوليلى على اللى هيحصل عكس كلامك أنك رافضة إن ده يحصل .. 
أقتربت منه قائلة بهدوء
رافضة عشان كنت عاوزه برائتك تظهر من غير تزييف بس فى نفس الوقت أنا مش هسيبك تتحبس أكتر من كده فى المكان ده من غير حتى مايبقى فى چثة عشان يتهموك فيها ..
بدا وكأنه قد تذكر فجأة فتسائل بحيرة 
بس إزاى وكيل النيابة مقاليش قبل كده أن دى مش جثتها والمحامى ده عرف منين .. 
أرتسمت إبتسامة غير مريحة على شفتيها لم يلاحظها هو موضحة 
وكيل النيابه كان عاوز يوقعك فى الفخ وكل اللى هامه انه ياخد إعتراف منك بس المحامى لما لقى أن لحد دلوقتى مجاش تقرير الطب الشرعى عن سبب الۏفاة فبعت حد من مكتبه يحاول يعرف النتيجة واللى كانت أنها ..
صمتت قليلا قبل أن تضيف بخفوت 
چثة ذكر مش أنثى ...
قبل ذلك بعدة ساعات ..
رغما عن برودة الطقس فى صباح ذلك اليوم الشتوى والذى حجبت فيه أشعة الشمس التى خبأتها السحب المتشبعة ببخار الماء فتحولت من لونها الأبيض القطنى إلى آخر معتم ينذر بسقوط الأمطار ..
وبرغم تلفح البشر داخل هذا المبنى الشبه مظلم بالكوفيات الصوفية والكمامات الطبية مختلفة الألوان إلا أن تلك الرائحة المميزة للمشفى لم تفشل فى الوصول إلى أنوفهم وكأنها تؤكد على سير العمل كالمعتاد رغما عن سوء حالة الطقس بالخارج ..
توقف الجميع عن التحرك لوهلة عندما أسترعى إنتباههم دخول ثلاث رجال بخطى سريعة مهيبة من باب المشفى بصورة مفاجئة

يغلب على مظهرهم الحزم والجدية خاصة ذلك الذى يتقدمهم مرتديا حلة سوداء أنيقة يعلوها معطف صوفى أسود يتبعه رجل شرطة برتبة رائد مرتديا الزى الرسمى وبجانبه آخر بملابس مدنية يعلوها جاكت قصير من الجلد الأسود وبيده عدة اوراق وجهاز مكالمات لاسلكى خاص بالشرطة صدرت عنه عده إشارات أثناء توجهم إلى الأعلى ..
أسترقت الأنظار إلى ثلاثتهم بإستحياء شديد ليتسائل الجميع فى همهمات غير مسموعة عن سر تواجد أفراد الشرطه داخل هذا المشفى الحكومى المتهالك فى مثل ذلك الوقت الباكر والذى لم يتجاوز التاسعة صباحا من يوم الأحد ووسط ذلك الطقس قارص البرودة فى منتصف يناير ..
فى إحدى الادوار العلوية ظهر شاب شديد البنية ممتلىء الجسم يقف فى إنتظارهم والذى ماإن لمحهم من بعيد حتى هرول إليهم بأدب شديد قائلا وهو يحذو حذوهم فى خطاهم السريعة الواثقة
أهلا يافندم من هنا آخر أوضة على اليمين ..
تأمل وكيل النيابة الغرفات على يمينه ويساره قبل أن يتسائل بحزم اثناء سيره 
عرفت مكانها ازاى
أجابه جلال 
حد كلمنى على تليفون البيت إمبارح بليل وبلغنى بوجودها هنا من اكتر من أسبوعين .. 
وكيل النيابة بعبوس
وطول الفترة اللى فاتت دى محدش كلمك ليه ..
جلال
مكنش معاها أى حاجة تثبت هويتها ولا حتى الموبايل بتاعها وجالها شبه فقدان ذاكره من الحاډثة فمكنتش فاكرة أى حاجه لحد امبارح قدرت تفتكر رقم التليفون ..
وكيل النيابة مقاطعا
أفتكرتك لما شافتك ..
جلال بتوتر بعد أن توقف أمام الغرفة المنشودة 
آه أفتكرتنى أنا وأمى وحكتلى عن الحاډثه بالتفصيل ..
فى تلك اللحظة تدخل الرائد قائلا 
هشوف الدكتور المتابع لحالتها على ماحضرتك تستجوبها يافندم ..
أومأ وكيل النيابة برأسه موافقا وأشار إلى صاحب السترة الجلدية لإتباعه قبل أن يدلف إلى الغرفة ويتأمل تلك الراقدة أعلى الفراش بوجه شاحب وجسد هزيل وبجوارها سيدة فى أواخر الاربعين من عمرها تحاول إطعامها .. 
توجه جلال إلى والدته آخذا بيدها إلى الخارج وهو يقول
تعالى ياماما نطلع بره لحد ماوكيل النيابة يسأل آلاء على شوية حاجات .. 
توجهت الأم إلى الخارج بإستسلام لكنها توقفت بجوار وكيل النيابة لبرهة مغمغمة بخفوت قبل مغادرتها 
براحة عليها والنبى دى لسه عيانة ...
أزاح وكيل النيابة ذلك المقعد الحديدى فى إحدى أركان الغرفة ليقربه
من فراشها ويجلس عليه بتؤدة قائلا بلهجة ودية 
حمد الله على السلامة ..
آلاء بخجل
الله يسلمك
أشار وكيل النيابة إلى الشخص الواقف بجواره لفتح المحضر قائلا إلى تلك الراقدة 
تسمحيلى أدردش معاكى شوية
آلاء بإبتسامة عذبة
أتفضل
وكيل النيابة 
أسمك بالكامل
آلاء 
آلاء حسن .....
وكيل النيابة 
أنتى هنا من امتى ياآلاء
أجابته بثبات 
قالولى من حوالى أسبوعين تقريبا بس كنت فاقدة الذاكرة ومش فاكرة أى حاجة ..
وكيل النيابة مداعبا 
وياترى أخبار الذاكرة إيه دلوقتى 
آلاء بخفوت 
الحمدلله
وكيل النيابة بجدية 
حيث كده بقى أسمحيلى أخش فى الجد على طول عشان متعبكيش ..
هزت رأسها موافقة فتسائل هو 
تعرفى حد أسمه مصطفى أبو حجر 
أجابته بتردد
اه ..
وكيل النيابة
إيه علاقتك بيه 
شعر هو بخۏفها من الحديث من جراء نظراتها المسترقة إلى أخيها فحاول طمانتها قائلا
أتكلمى مفيش حد هيقدر ېأذيكى ..
أبتلعت ريقها بتمهل قبل ان تجيبه بحذر 
أبدا هو كاتب مشهور بقراله على طول وبعتله قبل كده كام روايه ليا يقيمنى ويقولى رأيه .
وكيل النيابه بنظرة ذات معنى 
أعتقد أنك تعرفيه معرفة شخصية وقابلتيه قبل كده صح ..
نكست الراقدة رأسها دون أن تجيبه فأضاف هو متسائلا 
امتى اخر مره شوفتيه 
لاحت علامات الحزن على وجهها وهى تقول 
يوم الحاډثه 
وكيل النيابة 
تقدرى تقوليلنا عن اللى حصل بالظبط وايه طبيعة علاقتك بيه
حاولت آلاء رفع جسدها إلى الأعلى كى تجلس بإستقامة وإرتياح قبل ان تجيب بأسى كمن