رواية (شمس) ..


إلى

أريكته من جديد حيث ترك هاتفه والذى ألتقطه مره اخرى كى يراسل رفيقته فى السفر والتى لم تكن سوى بطلة فيلمه الماضى والقادم !
تمر عليك ليال تتلذذ فيها بالسكون والصمت المطبق عن كل شيء غير مباليا بما يدور حولك يسيطر عليك حزنك الذى أنحسر بداخل روحك فلا تستطيع البوح به حتى إلى أقرب الأشخاص إليك كى لاتترك ندبة أو حزنا فى قلب أحدهم فتتثاقل الكلمات على أطراف لسانك وتنعدم رغبتك فى الحديث أو حتى العتاب 
ذلك هو ملخص ليال شمس القادمه 
بدئا من هذه الليله التى قضتها فى غرفه إبنتها لأول مره منذ زواجها مرورا بتلك الأيام فى منزل والدها حتى وصول زوجها من إحتفاله نهاية بأيام أكثر قهرا لازالت فى إنتظارها عقب تلاشى تلك الغشاوة من أمام عينيها 
قضت شمس يومها الأول فى بيت أبيها صامتة حزينة مختبأه بفراشها متلحفه بغطائها كى لا يستمع أحدا إلى نحيبها أو يرى مقلتيها التى تحول بياضها إلى اللون الوردى بفعل شعيراتها الحمراء والتى ألتهبت وأزداد أحمرارها من كثرة البكاء 
فسر الأبوان حالة أبنتها تلك وأعتزالها مجلسهم وأهمالها أبنتها بسبب تعلقها الشديد بزوجها والذى لم تفترق عنه مدة زواجهما والتى تعدت التسعة أشهر 
فتولى العجوزان أمر الصغيرة حتى أستطاعت الأم فى النهاية الخروج من شرنقتها بعد أن أكتفت من البكاء وجلد الذات متذكره وجود أبويها وأبنتها يحيطون بها جميعا حتى لو بائت حياتها الزوجيه بالفشل للمرة الثانيه 
أما فى اليوم التالى مساءا
أجتمعت العائلة الصغيرة كما أعتادوا دوما أمام التلفاز حيث الجدة تتربع أعلى الأريكه الشبه متهالكة وأمامها تلك المنضده الحديدية قديمة الطراز يعلوها طبق كبير من فاكهة الخريف على مختلف ألوانها
أنشغلت مجيدة بتقطيع التفاح بينما الصغيره بجوارها تتناول حبات الموز بنهم شديد ومن بعدها يجلس الجد مداعبا حفيدته التى لم تنقطع ضحكاتها السعيدة منذ وصولها إلى بيت جديها
أما شمس فقد جلست بجسدها الصغير على إحدى المقاعد ضامه ركبتيها إلى صدرها حيث ألتفت ذراعها حولها كمن تحتمى من أذى محتم على وشك الأصطدام بها 
تناول محمود قطعة التفاح من زوجته قائلا قبل البدىء فى إلتهامها 
ماتجيبيلنا قناة دبى كده ياشمس يمكن أبن عمتك يظهر على التلفزيون ولا حاجه
شمس بإستغراب 
أسامه ! فى دبى !
ابتلع محمود مابفمه قبل أن يجيبها 
آه يابنتى عنده تكريم تبع الشركه بتاعته فى مهرجان من بتوع السينما دول 
شمس وقد أستطاع عقلها القيام بوظيفته أخيرا 
آه آه يابابا ماهو ده تقريبا نفس المهرجان اللى مصطفى سافرله بس هو مقاليش انه هيتذاع على التلفزيون أنتوا عرفتوا أزاى 
أعدت مجيدة طبقا متنوع من حبات الفاكهه اللذيذة ومدت ذراعها به إلى إبنتها مجيبة على تساؤلها
أزاى بقى ده أسامه جه يسلم علينا قبل ماتيجى بيوم وأكد علينا اليوم والساعه
ثم أضافت متهكمة بنبرة ذات معنى 
فيه الخير والله أنه أفتكرنا وزارنا قبل مايسافر 
ألتقطت شمس مابيد والدتها لتتركه جانبا بجوارها قبل أن تطأطأ رأسها خجلا من تلميحات والداتها الواضحة عن زوجها الذى لم يتكلف عناء إحضارها إلى منزل أبيها وإلقاء التحية قبل مغادرته بل أنه وبعكس ماتوقعت لم يهاتفها قبل سفره أو عقب وصوله إلى وجهته 
أنتبه الجالسون إلى بدأ الحفل فى نفس التوقيت الذى حدده أسامه فأستدارت شمس بجسدها كى يمكنها الرؤية بشكل أوضح 
حيث أفتتح المهرجان بتتابع وصول فنانو الوسط الذين سلطت عليهم الكاميرات أثناء مثولهم أعلى السجادة الحمراء الطويله ليتهافت عليهم المصورون من جميع النواحى رغبة فى إلتقاط الصور
لم تمض دقائق حتى ظهر أسامه معتليا تلك السجادة برفقه لينا وباقى طاقم الإنتاج فعلقت مجيده قائلة 
أسامه أهو يامحمود بص الشياكة اللى فيها تقولش نجم فى السيما
محمود متباهيا 
أمال إيه ده هو اللى بيقبض بتوع السيما مش عاوزاه يبقى اشيك منهم كمان 
مجيدة ضاحكة
على رأيك يأابو شمس بس مين البنت أم شعر أحمر اللى جمبه دى اللى لابسة فستان ملوش لازمة
أجابتها شمس معلقه وعيناها لازالت مثبتة على الشاشة حيث أنصرف أسامة من المشهد 
دى شريكته فى شركه الانتاج وبطلة الفيلم 
لم تكد شمس تنهى جملتها حتى ظهر مصطفى عقب إختفاء أسامة وقد أعتلى السجاده برفقة لينا وباقى طاقم الإنتاج لتجمعهم بعضا من الصور قبل إنصرافهم بالتدريج وتتبق لينا فقط بجواره يكاد
جسدها يلتصق به متحججه بتلك الوضعيات الخاصه بالتصوير بينما هو لم يمانع حيث ظهرت إبتسامته بكل غرور وشموخ بينما ذراعه تلتف حول خصر تلك الملاصقة له 
أتسعت عدستى شمس محدقة بذلك المشهد الذى لم يستوعبه عقلها فى البداية حيث كادت عيناها أن تقفزا من محجريهما غير مصدقتين ماتخبرها بها إشارات عقلها عقب ترجمتها لتلك الصورة التى نقلتها لها عدستيها المذهولتين 
أفاقت شمس على كلمات والدتها الموجهة إليها
يوه هى البنت دى ملهاش أهل إيه اللى بتعمله ده ومال جوزك سايبها تميل عليه كده ليه صحيح اللى أختشوا ماتوا 
لكزها محمود بمرفقها قائلا
عادى ياأم شمس ده لزوم التصوير انتى عارفة بتوع السيما ده شغل مصوراتية 
تشدقت مجيده بتهكم مجيبة 
وأشمعنى أبن أختك معملش زيهم كدة ويادوب اتصور صورتين ومشى والبت دى مالها لازقه فى جوز بنتك كده ناقص تبوسه من بقه 
لكزها محمود بقوة تلك المرة كى تكف عن حديثها بينما شمس ألتزمت الصمت المطبق وهى تحيط جسدها بذراعها فى حين تحدثت مقلتاها التى امتلأت بالدمعات الثائرة المتجمعة عند زاويتى عينيها راغبين فى التحرر والإفلات إلى مجراهما 
أطلقت شمس سراحهم كى تنتهى سريعا من إحتجاجاتهم التى بدأت فى إستقطاب المزيد منهم ومسحت وجنتيها بخفه كى لاتلفت إنتباه والديها من خلفها 
بعد نصف الساعه بدأت مراسم توزيع الجوائز وذكر أسم الفيلم الذى لم يعلم أحد من الجالسين ورائها بأنها هى صاحبته
سرعان ماذكر أسم مصطفى من مذيع الحفل فتوجهت الأضواء المصاحبه للكاميرات إلى مقعده والذى كان بالطبع مجاورا للينا
كادت مجيدة أن تعلق لولا أن أشار إليها محمود بالسكوت فأطبقت شفتيها رغما عنها 
تحفزت عضلات شمس وأنقبضت بقوه آلمتها فماإن نطق أسم زوجها وتعالى التصفيق من حوله حتى ثبتت الكاميرا عليه أثناء إحتضان الجالسة بجواره له بشكل صريح مهنئة قبل أن يتوجه إلى الأعلى لإستلام جائزته فما كان منها إلا أن أغلقت قبضتى يديها بقوة حتى أنغرست أظافرها بباطن إبهامها آمره نفسها بداخلها تماسكى أستجمعى شتات نفسك أمام أبويكى وأبكى بإنهيار لاحقا فى وحدتك كعادتك دوما 
فى الأخير تسلم مصطفى أبو حجر جائزته كأحسن مؤلف وسينارست لهذا العام عن فيلمه الأول والذى لاقى نجاحا مبهرا لم يتوقعه أحد 
وقبل مغادرته للمنصه أراد هو توجيه كلمة شكر فصدح صوته من خلال مكبر الصوت قائلا
الحقيقة أنا بشكركوا من كل قلبى على التكريم ده واللى بيوضح دعكم للفن النظيف اللى بيوجه رساله معينه واللى أتمنى إنى أكون نجحت فى توجيها من خلال فيلمى الأول 
بس من مكانى ده أنا حابب أنوه أن النجاح اللى وصلتله ده مستحقهوش لوحدى 
ثم أردف وهو يشير بجائزته 
الجايزة دى مكنتش هستلمها النهارده لولا الإنسانه اللى فضلت ورايا وشجعتنى وصممت إنى أخوض التجربه وألحت عليا عشان أوافق أن الروايه تتحول لفيلم 
لم تصدق شمس ماترامى إلى أذنيها فى البداية لكن مع أسترساله فى

الحديث بدأت عضلاتها المنقبضة فى الإنبساط وأطلقت سراح قبضتى يدها ليتحرر إبهاميها قبل أن تلوح شبح إبتسامة أعلى شفتيها وهى تتمتم بداخلها
أنت بجد يامصطفى أفتكرتنى فى وسط نجاحك أفتكرتنى وأنا بعيد عنك 
أرهفت السمع إليه من جديد بعد أن أشرق وجهها كتلك الإشراقة التى شملتها عند تلفظه بإسمها لأول مره 
بينما هو تابع 
الإنسانه دى يمكن علاقتى بيها مكملتش سنه بس السنة دى أثبتتلى فيها قد إيه هى صادقه فى إيمانها بيا وبموهبتى كانت أول حد دعمنى ولا زالت لحد دلوقتى مصدر دعم كبير فى حياتى كلها 
حقيقى بعتبرها تميمه الحظ بالنسبالى واللى هتفضل شريكة ليا فى كل أعمالى الجاية أسمها مع أسمى فى كل عمل عشان من غيرها مكنش إسم مصطفى أبو حجر هيدخل عالم الفن والسينما 
أعتدلت شمس بجسدها بعد أن حررته من أسر ذراعيها المحاوطين له لتجلس بإرتياح وقلبها يرفرف بقوة إستعدادا للإستماع إلى أسمها والفخر بزوجها المدرك لقيمتها أمام ابويها كادت أن تقف مصفقة عند تتابع قوله 
فخر ليا انى أقول أن الإنسانه دى هى
لينا الوهدانى بطلة الفيلم وشريكه الإنتاج 
الفصل السابع والعشرون 
أكذوبة !! 
تلك الحياة المتكامله المرفهة المتأنقة فى ثوب من الحرير الخالص المتوجة بإكليل أبيض من الحب المزهر والذى سقته هى مرارا بأوجاع قلبها ورفض عقلها وضعف روحها كى يستمر فى النمو والإزدهار كانت مجرد أكذوبه !! 
لم تكن أكثر من وهم كبير عابث عاشت به هى لأشهر حيث أرتفعت عاليا محلقة راقصة كحورية أعتقدت أنها فازت بجنتها التى لاتفنى تحصد فيها النعيم بمختلف ألوانه من غير متحكم ولا رادع فما من ملكة متربعة على عرش قلبه سواها تعيش بداخل حلم جميل لذيذ توغلت به وصدقته قبل أن تصحو يوما على حقيقة أنها لاتعدو عن كونها وصيفة لا أكثر بل مجرد محظية ككل أولئك اللوات مررن عليه من قبلها 
أخبرته مرارا بإنكسارها وضعفها وتعرت أمامه من ذلك الوجه الصلب القوى العابس رامية بثقالها عليه متخففة من أحمال الحياة على عاتقيها فلطالما كانت هى فى السابق السند والعائل والولى 
اما الآن سلمته نفسها وروحها قبل جسدها ظنا منها أنه يستطيع حمايتها مما تخافه من متقلبات الزمن وغدر الليال لكن للأسف عجز هو فى النهاية أن يحميها من أكبر موجع لها من نفسه
فقد أحبت هذا الجزء المثالى الظاهر منه دون أن تدرك حقيقة أن ذلك هو أفضل مالديه وحين كشفت الأجزاء المستتره أمامها وأستطاعت رؤيتها على حقيقتها بعد كثير من مراوغات قلبها الذى أستسلم فى النهاية عقب خذلانه فوجئت أن المستتر أكثر قبحا مما تصورت
وكانت تلك الطامه الكبرى كان ذلك هو الۏجع الأكبر عندما تتابعت الأجزاء المخبأة فى الظهور وحانت لحظة الإكتشاف !
إكتشاف ذلك
التلاعب بقلبها بضعفها وإستسلامها وجدت نفسها فى نهاية المطاف شخص لم تعرفه هى من قبل فقدت الثقة بنفسها والإيمان بقدراتها بعد أن قامت فقط بتصديقه بل بعد أن باركت كذباته ولعنت ظنونها 
وطل عليها هذا الجزء المكسور بداخلها مادا رأسه للخارج بتثاقل بعد ان أدمى فؤادها وأسال دمه ليواجهها بضعفها مؤنبا كيف لها أن تخدع إلى هذا الحد و تبتلع سوئه كاملا كالمغيبة بل وتمدد يدها للمزيد مرحبه بسنابكه تدهسها بقوة بعد أن أدرك مدى هشاشتها وضعفها !!
دار ذلك السؤال بخلدها عده مرات 
الآن وبعد إنكشاف حقيقته كيف تواجهين حقيقتك ! بل كيف تفضلين أن ترين نفسك !
هل انتى مجرد غبية أستطاع هو إستغلالها لصالحه أم بطلة مضحية ضحت لأجل زوجها !! 
أيهما تتخيرين !!
لم يفارق