رواية ادم كاملة


ليس جوع جسدى فحسب .. بل جوع عاطفى .. جوع عاطفى لأب يحتوى ويطمئن ويبتسم فى وجهها فيعطيها الأمل ويخفف من أوجاعها .. أب يمسك بيدها الصغيرة ويقول لها لا تخشى شيئا يا صغيريتى فأباكى موجود .. أب تراه يحتضن والدتها ويمسح دمعها .. لكنه اختار الرحيل .. بل الهروب .. وكأنهما حمل ثقيل على عاتقيه .. أخذت تتساءل ترى أين هو الآن .. ماذا يفعل .. أتزوج مرة أخرى .. بالتأكيد تزوج .. أله أبناء .. ألها أشقاء وشقيقات .. لماذا لم يعود .. إذا تحسن به الحال لماذا لا يعود .. لماذا حتى لا يخبرهم عن مكانه .. لماذا لا يتصل كل فترة ليطمئن عليهم .. ألهذه الدرجة نسيهم .. نسى أن له زوجة وابنة .. أخذت تتساءل فى ألم .. ألم يشتاق اليها والى والدتها .. ألم يشتاق الى ابنته الصغيره التى تركها يرقة صغيرة .. ألم يشتاق الى أن يراها وهى فراشة يافعه .. عادت بتفكيرها الى على .. والى رغبته فى الإرتباط بها .. اخذت تتساءل فى نفسها .. أى نوع من الرجال أنت يا على .. أستستطيع الصمود فى مواجهة مصاعب الحياة أم ستهرب عند أول أزمة .. الى متى ستستطيع الصمود .. أستستطيع حقا أن تواجه الحياة معى .. بحلوها ومرها .. أم ستترك يدي فى منتصف الطريق .. أريد أن أطمئن اليك يا على وأن أثق لك .. لكن كيف السبيل الى ذلك !
استيقظ آدم من النوم فزعا .. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ونهض يغسل وجهه .. عاد الى غرفته وهو يشعر بأن النوم فارق جفونه .. جلس على فراشه فى ظلام الغرفة .. وشعور بالضياع يتملكه .. نظر الى فراشه وهو يتذكر آيات يوم أن كان مريضا .. تذكر خۏفها وقلقلها عليه .. تذكر رقتها وحنانها وهى تطعمه فى فمه .. أغمض عينيه پألم وهو يعترف لنفسه بأنه يشعر بالحنين اليها .. ويتمنى أن تعفو عنه وتسامحه وأن تغمره بحبها وحنانها من جديد .. صړخ قلبه قائلا .. آه يا آيات لو تعلمين كم احتاج اليك الآن .. أحتاج اليك لتطيبي جراحى ولتساعديني على أن أخرج من ذلك المستنقع الذى غمرت نفسى به .. لست خائڤ على نفسى الآن بقدر خوفى عليك .. من سيطيب جراحك .. وهل ستطيب يوما .. كم أتمنى رؤيتك .. والتمتع بإبتسامتك العذبه التى تغمر قلبي بعذوبتها ورقتها وصدقها .. ماذا فعلت بك وبنفسى .. توجه الى حاسوبه وفتحه .. تأمل صورتها بلهفة وحنين واشتياق .. قرأ رسائلها .. طبع كل حرف فيها داخل ذاكرته .. كيف استطاع أن يفرط فى حبا بتلك القوة .. وفى فتاة بهذا الصدق والبراءة .. فتاة أعطته قلبها ومشاعرها و اهتمامها ولم تبخل عليه حتى بذهبها .. أعطته كل شئ .. فماذا أعطاها هو .. لم تثقل عليه بالطلبات طوال فترة الخطبة .. بل لم تطلب أى شئ أصلا .. لم تسأل حتى عن مكان سكنهما .. لم تسأل عن مرتبه .. لم تتضايق من مكان سكنه وبيته المتواضع عندما زارته .. لم تعلق حتى على هذا الأمر وتعاملت بشكل طبيعي .. واندمجت مع والدته وعاملتها بطيبة بلا غرور أو ترفع .. أخذ يفكر پألم .. لن أجد مثلها يوما .. فتاة لم ترد منى إلا قلبى .. ولم أرد أنا سوى تحطيم قلبها
فوجئ آدم ب عبد العزيز يقتحم مكتبه بالجامعة ويلقى أمامه علبة الشبكة ويقول بصرامة 
اتفضل شبكتك واوعى أشوفك بتقرب من بنتى تانى
لم يترك له فرصة الرد وتوجه عبد العزيز الى الخارج وهو يصفق الباب خلفه بقوة .. فتح آدم العلبة يتلمس القطع الذهبية التى اختارتها آيات بنفسها .. تذكر فرحتها وسعادتها فى هذا اليوم وهى تنتقى كل قطعة وتجربها .. تذكر ابتسامتها العذبه وهى تقول له مبروك علينا احنا الاتنين .. أغلق العلبة وألقاها فوق المكتب بلامبالاة .. تنهد فى حسرة وهو يسند رأسه الى قبضتى يده فوق المكتب ..
توجه عبد العزيز الى عميد الكلية وقص عليه ما حدث من آدم تجاهه وتجاه ابنته .. قال پحده 
الدكتور اللى زى ده لازم يطرد من الجامعة مينفعش واحد زى ده ويدرس لطلاب وطالبات .. واحد
بالأخلاق دى ميصحش انه يدرس فى جامعة محترمة ولا كلية محترمة .. لازم يطرد عشان يكون عبره لغيره
قال العميد وهو يتصل بمكتب آدم 
هدى نفسك يا فندم وان شاء الله هنشوف الموضوع ده .. ألو .. دكتور آدم ياريت تشرفنى شوية فى مكتبي .. طيب منتظرك
فوجئ آدم بوجود عبد العزيز فى حجرة العميد .. قال العميد 
اتفضل اعد يا دكتور آدم
جلس آدم وهو يتنهد بضيق .. قال العميد 
الأستاذ عبد العزيز جاى يقدم فيك شكوى
ال آدم بضيق 
شكوى ايه يا فندم 
صاح عبد العزيز قائلا 
يعني مش عارف اللى عملته .. ضحكت عليا وعلى بنتى وخطبتها وكنت عايز تكتب عليها وكل ده عشان تبتزنى أنا وهى .. مش عارف ازاى ضميرك وأخلاقك ماتوا للدرجة دى
قال العميد 
لو سمحت يا أستاذ عبد العزيز مفيش داعى للكلام ده
ثم الټفت الى آدم قائله 
ردك ايه يا دكتور آدم على اللى سمعته دلوقتى 
قال آدم ببرود 
عنده دليل على اللى بيقوله ده .. لو عند دليل يقدمه
هتف عبد العزيز بغيظ 
أما بجح صحيح
قال آدم للعميد متجاهلا عبد العزيز 
أنا يا فندم كنت هاجى لحضرتك عشان أأقدم على أجازة بعد ما تنتهى السنة الدراسة دى
ثم نظر الى عبد العزيز قائلا 
هسيب القاهرة كلها
قال عبد العزيز بخنق 
يكون أحسن برده
قال العميد 
ياريت نحل الموضوع ودى ومفيش داعى الموضوع يكبر .. ايه رأيك يا أستاذ عبد العزيز
قال عبد العزيز يحزم قبل أن يغادر 
أنا هشتكى للى خلقه .. هو قادر ينتقم منه ويجبلى حق بنتى .. مش هقول الا حسبي الله ونعم الوكيل .. بنتى من يوم اللى حصل وهى مفتحتش بقها بكلمة .. بس ربنا قادر ينصر المظلوم وينتقم من الظالم
غادر عبد العزيز ليترك آدم غارقا فى بحور الندم والألم
عادت إيمان من الخارج بصحبة والدتها وهى تهتف
كان حتت يوم .. رجلى خلاص مش قادرة أمشى عليها
قالت أمها 
هو انتى فاكرة شوار العروسة بالساهل ده هم ما يتلم
ضحكت إيمان قائلا 
لا ده أنا لو فضلت كل يوم أخرج بالشكل ده على الفرح هكون اختفيت
قالت أمها 
أهو أحسن من شوربة الكرنب اللى قارفه نفسك بيها ليل نهار
قالت إيمان بمرح 
لا خلاص كرنب ايه ده المشى اللى مشيته النهاردة يعادل حلتين تلاته أربعه .. أنا هبطل كرنب وهركز فى موضوع الشوار ده دخل مزاجى
هتفت أمها قائله 
آه ياختى هو انتى دافعه حاجة من جيبك
ضحكت إيمان وهى تعانقها قائله 
ربنا يخليكي لينا يا ست الكل يا منورة حياتنا وميحرمناش منك أبدا
توقفا عن الحديث بعدما خرج على من غرفته لينظر اليهما نظرة تردد وحيرة وأسى .. قالت أمه 
انت مروحتش الشغل يا على 
تنهد قائلا 
لا روحت وجيت يا ماما
قالت إيمان بمرح 
ايه مالك شايل طاجن ستك كده ليه 
قال على بضيق 
عريس إيمان اتصل بيا من شوية
قالت إيمان بلهفه 
خير قالك ايه 
صمت على قليلا وهو ينظر الى أخته يشفق على ما ستسمعه .. ثم قال بصوت خاڤت 
قال كل شئ نصيب
اختفت ابتسامة إيمان وهى تنظر الى أخيها فى حيرة .. ضړبت أمها بيدها على صدرها قائله 
ايه .. يعني ايه .. وهو وكان لعب عيال
قال على يهدوء 
قال انه مش مرتاح وكل شئ نصيب
تجمعت العبرات فى عيني إيمان وقالت بصوت مرتجف 
بس هو كان موافق .. ايه اللى حصل 
قال على وهو يرمقها بعطف 
معرفش يا إيمان مقالش غير كده
ثم قال 
بصى يا إيمان مش انتى صليتي استخاره .. يبأه ده نتيجة صلاتك وأكيد ربنا اختارلك الخير ليكي
هتفت إيمان پغضب وحرقه 
حرام والله العظيم حرام
لم تقف إيمان لتسمع المزيد من كلمات المواساة بل توجهت مسرعة الى غرفتها وأغلقتها عليها وألقت بنفسها فوق فراشها لتعود وسادتها تتبلل بدموعها من جديد
بدأت الامتحانات سريعا ودخل الطلاب فى دوامتها التى تشقلب كيانهم رأسا على عقب .. كان فى ذلك أثر كبير فى أن تنخرط آيات فى شئ ينسيها ولو لبعض الوقت التفكير فى حزنها .. كان امتحان مادة إدارة الأعمال هى المادة الأخيرة فى الجدول .. قامت آيات بقصها من الجدول قبل أن تعلقه على باب غرفتها .. حتى كتاب المادة وأوراقها أخفتهم فى مكان لا تقع عيناها عليهم .. حاولت أن تتناسى حزنها وكربها وساعدها على ذلك والدها ووجود أسماء بالقرب منها .. كل يوم تقترب فيه من آخر مادة كان يدب الخۏف فى أوصالها والألم فى قلبها .. حتى أتى اليوم الموعود .. ليلة الإمتحان .. كانت تضع الكتاب أمامها لا تجرؤ حتى على لمسه .. كانت تنظر اليه بتقزز شديد وهى تشعر وكأن هذا الكتاب جزء منه .. جزء من آدم .. حاولت التركيز فى مذاكرة تلك المادة التى كانت تحفظها عن ظهر قلب لكنها وجدت أن عقلها صفحة بيضاء وكأنها تقرأ تلك المادة للمرة الأولى .. فى صبيحة يوم الإمتحان .. ارتدت آيات أول ما وقع تحت يدها من دولابها .. ودون أى زينه كمان هى عادتها فى الأيام الماضية نزلت الى الأسفل ليستقبلها والدها مبتسما مشجعا .. كان عبد العزيز يقوم بتوصيلها الى الكلية فى كل امتحان ويجلس فى كافيتيريا الكلية حتى تنتهى من آداء امتحانها ويرجعها الى البيت .. كان يخشى عليها بشدة أن تقابل آدم .. أو يحاول مضايقتها .. دعى الله كثيرا فى هذا اليوم أن يمر الإمتحان الأخير دون مشاكل .. وقف ونظر اليها بحنان قائلا 
جاهزة يا حبيبتى
أومأت برأسها .. سارا معا الى السيارة وانطلق بهما السائق الى الجامعة .
جلست آيات فى المدرج تنتظر ورقة الأسئلة وقلبها يخفق پعنف .. تمنت ألا تراه .. تمنت أن يمضى اليوم بسلام حتى تغادر تلك الجامعة بغير رجعه .. التفتت حولها لتنظر الى أسماء التى ابتسمت لها فبادلتها آيات بإبتسامه هشة ضعيفة .. حانت اللحظة وتم توزيع ورقة الأسئلة .. فتحت آيات ورقة الإجابة وكتبت السؤال الأول .. نعم هذا السؤال تعرفه جيدا .. رأته كثيرا وحفظته عن ظهر قلب فى بداية العام الدراسى .. لكن الآن .. شعرت بأن الكلمات تهرب منها .. وكأنها ترى السؤال لأول مرة .. تعرف السؤال .. وتعرف الإجابة .. لكن أصابعها تأبى أن تكتبها .. حاولت ارغام عقلها على التركيز دون جدوى ..