رواية فراشة أعلى الفرقاطة كاملة بقلم منال سالم

الحلقة الأولى 
في إحدى القاعات الفاخرة والملحقة بفندق شهير بالقاهرة تجمع عدد من المدعوين والمتأنقين حول طاولات بيضاء مزدانة بالمزهريات وباقات الورد ...
تعالت همهمات الجميع بالحديث الغير مفهوم وسادت أجواء موسيقى هادئة في الخلفية ..
ثم بدأت الأصوات تنخفض تدريجيا حينما صعد شخص ما وقور ويبدو على ملامحه الرزانة والهيبة في منتصف الخمسينات من عمره ولديه شارب كث وشعر رمادي خفيف ومتناثر في رأسه على مسرح تم اعداده مسبقا ليتناسب مع هذا الحفل البهيج ثم وقف أمام منصة خشبية ذات لون بني غامق وعدل من وضعية نظارته الطبية على أنفه ورمق الحاضرين بنظرات متفحصة ..
تنحنح هذا الشخص في البداية فانتبه الجميع له ثم بدأ البعض بالتصفيق عاليا و...
عبد السلام بصوت رخيم مساء الخير عليكم جميعا 
عبد السلام البدوي هو مدير تحرير أحد الجرائد الخاصة والتي تصدر بشكل يومي تولى إدارة جريدة الضحى قبل عدة سنوات وخلال تلك الفترة استطاع أن يغير من طبيعة الجريدة لتصير من أهم الجرائد المتخصصة في كل ما يهم المواطنين ..
رحب الأستاذ عبد السلام بجميع الحضور وقدم الشكر لهم جميعا لتشريفهم حفل تكريم الجريدة السنوي ..
في البداية أشاد الأستاذ عبد السلام بدور الشباب الواضح في النهوض بالجريدة بما يتواكب مع متطلبات العصر ثم بدور المخضرمين من رجال الإعلام والصحافة في تناول موضوعات حيوية وخاصة ... 
أثنى الأستاذ عبد السلام على جهود الجميع المضنية من أجل تحقيق هذا النجاح المرموق .. 
وبعد أن انتهى من كلمته الموجزة أشار إلى ..
عبد السلام بنبرة حماسية والوقتي جت لحظة التكريم اللي الكل مستنيها أنا عارف إن المنافسة كانت صعبة بس مش هاقدر أغفل عن دور البعض الحيوي منكم 
تعالت تصفيقات الحضور وبعض الصافرات في انتظار تلك اللحظة المبجلة فالتكريم في ذلك الحفل يعد وسام شرف على صدر من يناله وربما يتيح له فرصة جيدة للعمل في أماكن أكثر رقيا وبرواتب مجزية ..
بدأ الأستاذ عبد السلام في إعلان بعض أسماء من وقع عليهم الاختيار وإزدادت الأجواء إثارة وحماسة فقد كان معظم المكرمين هذا العام من الشباب وبالتالي استحقوا عن جدارة كل التشجيع والتقدير .. 
من بين الحضور جلست فتاة على طاولة خلفية في أوائل العشرينات من عمرها ذات بشړة بيضاء وملامح هادئة وشعر بني متوسط الطول ومموج رغم خصلاته الناعمة وعيني بنيتان تلمعان بشدة من الإضاءة القريبة منها ..
كانت تلك الفتاة ترتدي في الأسفل بنطالا من الجينز ذو لون أزرق داكن ومشبح ببعض الخيوط الرمادية الرفيعة أما من الأعلى فقد ارتدت كنزة من قماش الجيل وذات لون أزرق أفتح قليلا ولها فتحة صدر مثلثة مغلقة حتى عنقها العاجي الطويل وتفتح عن طريق السحاب ..
تركت تلك الفتاة شعرها المموج ينسدل خلف ظهرها ثم مدت يدها لتجمع بعض خصلاته المتناثرة والمتمردة على الجانب لتبرز قرط أزرق طويل يتدلى من أذنها .. 
إستندت الفتاة برأسها على ساعدها وظلت تتابع عن كثب ما يقوله الأستاذ عبد السلام وبدأت ملامحها نوعا ما في التوتر .. وفجأة انتبهت لصوت فتاة أخرى جالسة إلى جوارها تناديها فأزاحت رأسها عن راحة يدها والتفتت ناحيتها و...
فرح بنبرة شبه جادة أيوه يا إيلين 
إيلين بصوت هاديء ايه يا فرح انتي سرحانة في ايه كده 
فرح مبتسمة نصف ابتسامة لأ مش سرحانة أنا بس مركزة مع مستر عبد السلام 
أعادت إيلين رأسها للخلف قليلا ثم

حدقت في فرح بنظرات شبه متفحصة و...
إيلين وهي تمط شفتيها مممم... شكلك متوقعة إنك هتكرمي النهاردة 
فرح بصوت خاڤت يا ريت لأني بجد تعبت أوي السنتين اللي فاتوا دول وربنا اللي عالم 
مدت إيلين يدها وأمسكت بكف يد فرح ثم ربتت عليه بحنية و...
إيلين بنبرة متعشمة أنا عارفة يا قلبي ربنا يوفقك 
ابتسمت فرح ابتسامة هادئة ثم شردت لوهلة تستعيد ذكرياتها ...
فرح عبد الحميد فرغلي هي شابة صغيرة في مقتبل العمر مرحة ومحبوبة ونشيطة للغاية .. ولدت في الإسكندرية ثم انتقلت للعيش لاحقا مع والدتها في القاهرة قبل سنوات .. وهي خريجة كلية الإعلام وإلتحقت بالعمل في جريدة الضحى عقب تخرجها بفترة قصيرة ولكن كصحفية تحت التمرين وقبل هذا بسنوات أجادت فرح هواية التصوير الفوتغرافي مما دعم موهبتها في تناول المقالات الصحفية بطريقة مختلفة نوعا ما فحققت نجاحا ملحوظا خلال فترة قصيرة وبرزت بين المتدربين فإستطاعت أن تسطر إسمها في عالم الصحفيين الشباب بأحرف من نور في فترة وجيزة 
استغلت فرح موهبتها في التصوير الفوتغرافي في أن تشترك في بعض المعارض الخاصة بالتصوير ونالت بعضا من الجوائز العينية والمادية .. كما تفننت أيضا في إلتقاط بعض الصور المميزة لرفيقاتها في حفلات خطبتهن أو حتى زفافهن ورغم إصرار بعضهن على أن تجعل التصوير حرفتها الأساسية التي تكتسب منها رزقها إلا أنها رفضت هذا .. فهي تعشق التصوير ذاته وليس كمهنة تتربح من ورائها ..
أدركت فرح شغفها بفن التصوير من خلال متابعتها لأحد أصدقاء والدها الراحل وهو يصور المناظر الطبيعية بزوايا مختلفة في نادي اليخت بالإسكندرية فأسرت انتباهها بطريقة ملموسة فساعدها في تعلم تلك الهواية حتى أصقلت موهبتها بنفسها ... 
تعيش فرح مع والدتها في منزل متوسط الحال بالطابق التاسع في حي مصر الجديدة في بناية عتيقة ولكنها ذات طابق خمسيني مميز ...
والدتها السيدة فوزية هي ربة منزل في أوائل الخمسينات من عمرها تعيش على معاش زوجها الراحل عبد الحميد فرغلي والذي كان يعمل قبطانا لأحد السفن التجارية .. 
ټوفي عبد الحميد بعد ولادة ابنته فرح بشهور معدودة على إثر حاډث غرق السفينة التي كان هو ربانها ..
عانت زوجته فوزية كثيرا من الناحية النفسية بعد ۏفاته فقد أحبته حبا جما وعشقته حتى بعد مماته ورفضت أن تتزوج من بعده فلا يوجد من يستطيع أن يعوضها حبه الخالد وأثرت أن تفني حياتها في تربية ابنتها الوحيدة فقد كانت تردد أن حبه قد كفاها حتى نهاية حياتها ...
في البداية كانت فوزية تعمل في مجال المحاسبة ولكنها تركت العمل بعد ۏفاة زوجها ثم انتقلت للعيش في القاهرة لتهرب من ضغوط عائلتها بالزواج مجددا ...
اكتفت فوزية بالمكافأة التي صرفت كتعويض عن ۏفاة زوجها وبالمعاش الخاص به لتنفق به على نفسها وعلى ابنتها فرح وتفرغت تماما لتربيتها ورعايتها وتعويضها عن فقدان الأب الحاني ..
في العام الدراسي الأخير لفرح في كلية الإعلام تقدم أحد الشباب لخطبتها ويدعى كريم بركات والذي أحب بساطتها وروحها النقية ومرحها الممزوج بخفة ډمها ..
وافقت فرح على الخطبة بعد أن تعرفت على كريم وأدركت أنه يكملها بالفعل وبعدها بعدة أشهر عقدت قرانها عليه .. ثم سافر بعدها كريم للعمل في دولة السعودية من أجل توفير المتطلبات المادية التي تمكنه من إتمام زيجته منها ...
ظل الاثنين على تواصل طوال الأشهر المنصرمة من أجل إتمام الاتفاق على الترتيبات الخاصة بإعداد

مسكن الزوجية 
كما تواصلت فرح مع عائلة كريم الطيبة وتبادلت معهم الزيارات شبه الاسبوعية ...
كان كريم مقتنعا بعمل فرح وفخورا بنجاحاتها المتتالية وعشق تفوقها فيه بل إنه كان يهديها كلما حققت إنجازا ما في عملها لوحة زجاجية صغيرة من الكريستال محفور عليها إسمها وسبب التكريم كنوع من التشجيع والدعم المعنوي لها .. 
حمدت فوزية الله دوما على تعويض ابنتها عن فقدان حنان الوالد بالزوج الطيب والصالح ... فقد كان كريم نعم الابن البار بأهله وبزوجته ..
أفاقت فرح من شرودها على صوت الأستاذ عبد السلام وهو يصدح ب إسمها عبر الميكروفون المثبت أمامه و..
عبد السلام بنبرة حماسية هادرة فرح عبد الحميد فرغلي 
إيلين بنبرة سعيدة انتي يا فرح اسمك أهوو مبروك يا حبيبتي على التكريم 
نهضت فرح عن مقعدها الجلدي وهي شبه مصډومة غير مصدقة أنها بالفعل من المكرمين احتضنتها رفيقتها في العمل إيلين وضمتها إلى صدرها بقوة وقبلتها من وجنتيها بابتهاج ثم دفعتها برفق من ظهرها لكي تتقدم إلى الأمام وتتجه نحو المنصة ....
توالت التهنئات على فرح أثناء سيرها بين الطاولات وهي تتجه نحو المسرح لتصعد درجاته وهي ترتجف نوعا ما ... 
مدت فرح يدها لكي تصافح الاستاذ عبد السلام الذي قدم لها درع التفوق والإبداع وهو يبتسم لها ابتسامة عريضة من بين أسنانه شبه السوداء من دخان السچائر و...
عبد السلام بنبرة مألوفة مبروك يا بنتي 
فرح بنبرة مبتهجة الله يبارك فيك يا مستر عبد السلام بجد أنا مش عارفة أقول لحضرتك ايه
عبد السلام بنظرات إعجاب انتي تستاهلي أكتر من كده يا بنتي وبالتوفيق دايما 
فرح بنظرات خجلة ميرسي لحضرتك 
رفعت فرح الدرع الذي حملته في يدها عاليا حيث صفق لها الحضور عاليا وتم إلتقاط صورة تذكارية لها ثم تابع الأستاذ عبد السلام باقي الحفل .. في حين نزلت هي عن الدرج وقلبها يخفق عاليا من السعادة .. 
عادت فرح إلى طاولتها وهي تكاد لا تصدق أنها حازت على التكريم أخيرا بعد سنتين من العمل الجاد والمضني ..
تنهدت فرح في ارتياح ثم مدت يدها لتمسك بحقيبتها المصنوعة من قماش الجينز وبحثت عن هاتفها المحمول بداخلها ومن ثم أخرجته لتبعث برسالة واتس آب إلى حبيبها كريم تبلغه فيها بحصولها على التكريم ..
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها وتوردت وجنتيها قليلا وهي تقرأ رد كريم عليها وتهنئته الممزوجة بالغزل الصريح لها .. 
في أحد نوادي التجديف بالقاهرة 
تسابق عدد من الشباب ببعض القوارب المخصصة للتجديف أمام مرساة تابعة للنادي و...
آدم بنبرة هادرة ونظرات متوترة بسرعة الله يكرمك يا زيزو هنخسر يحيى مش سهل 
أمسك يزيد بالمجدافين الخاصين به وظل يجدف بمهارة فائقة جعلت القارب ينطلق بخفة على صفحة المياه و...
يزيد وهو يعض على شفتيه بحنق ما انت لو تبطل كلام وتجدف عدل هنسبقه 
آدم بمزاح ما هو أنا يا اتكلم يا أدف 
يزيد بحدة ونظرات ضيقة يبقى تأدف أحسن !!!!
آدم بنبرة صادحة ونظرات مصډومة لألألألألأ .. مش ممكن أدينا خسرنا ولبسنا الليلة كلها يا معلم !! 
زفر يزيد في ضيق ثم أرخى قبضتي يده عن المجدافين ورمق آدم بنظرات محتقنة و...
يزيد على مضض دي أخر مرة هابقى معاك على نفسك المركب 
آدم بتهكم كل مرة بتقول كده ومش بتلاقي حد إلا انا يرضى يركب معاك .. ده أنا سترك

وغطاك 
أشاح يزيد بوجهه وظل يتمتم بكلمات غير مفهومة ووجهه عابس نوعا ما و...
يزيد وهو يزفر في ضيق أووووف .. ! 
لوح آدم بيده إلى أحد الأشخاص ثم هنئه على فوزه ووعده بمنافسة أخرى لاحقة لرد إعتبارهما ...
تأمل يزيد انعكاس أشعة الشمس اللامعة في المياه وشرد للحظات في ذكريات ماضيه الآليمة 
يزيد سليمان جودة هو شاب قارب على منتصف الثلاثينات من عمره يعمل