رواية فراشة أعلى الفرقاطة كاملة بقلم منال سالم


قضاء يومين بصحبتها هي وابنته الغالية سلمى ورغم أن يزيد قد أخذ إجازة معه إلا أنه لم يمر عليه كعادته وقضى وقته في نادي التجديف أو في الذهاب إلى المركز الرياضي لمتابعة لياقته البدنية .. ثم عاد مجددا إلى منزله ليعد هذه المرة حقيبة سفر مملوءة بملابس تكفي لمدة شهر وذلك لأنه سيغيب عن القاهرة مدة تتجاوز عدة أشهر بسبب الاعداد لاحتفالات أعياد سيناء وعقبها التدريب لحفلة تخرج الدفعة الجديدة من ضباط القوات البحرية بالإضافة إلى المهام الروتينية والتقليدية والمهام الخاصة التي تقوم بها القوات البحرية .. إذن فيزيد لديه أشهر قادمة حافلة بالكثير من المهام والتكليفات 
أبلغت فرح والدتها السيدة فوزية بمسألة رغبة الأستاذ أمجد بتكليفها بمهمة تغطية التحقيقات الخاصة بالقوات البحرية بدلا منه

وأنها تقتضي منها التفرغ لمدة اسبوعين والبقاء بصحبة أفراد القوات البحرية لإكمال التحقيقات وبالتالي غيابها عن منزلها طوال تلك الفترة ..
فكرت السيدة فوزية مليا في هذا الموضوع وظنت أنه من الأفضل لابنتها أن تبتعد عن هذا الجو المشحون بالحزن والاكتئاب وتذهب إلى تلك المهمة التي ربما تكون عطلة مفيدة أكثر منها مهمة رسمية ... 
في مقر جريدة الضحى 
طلب الأستاذ عبد السلام مقابلة فرح في مكتبه ليحصل منها على موافقة نهائية وكتابية على الاشتراك في التحقيق الصحفي حتى يتمكن من استخراج التصاريح الرسمية الخاصة بها .. 
سارت فرح بخطوات ثابتة في اتجاه مكتبه ثم استأنت من سكرتيرة المكتب لكي تدلف إليه وما إن طرقت الباب حتى سمح لها بالدخول ..
كانت فرح ترتدي بنطالا كلاسيكيا من القماش الأسود ومن الأعلى كنزة فضفاضة سوداء ذات أكمام قصيرة تصل إلى منتصف عضديها وفتحة صدر ضيقة تبرز فقط عنقها الطويل ومن أسفل الكنزة بادي أسود ذو أكمام طويلة تصل إلى معصميها .. بينما ربطت شعرها برابطة شعر مطاطة فجعلته ينسدل كذيل حصان خلف ظهرها ..
أشار الأستاذ عبد السلام لفرح بيده لكي تجلس ثم رمقها بنظرات جادة من خلف نظارته الطبية و..
عبد السلام متسائلا بحزم _ ها يا فرح قررتي هاتعملي ايه أنا عاوز ردك حالا ..! 
أطرقت فرح رأسها للأسفل ونظرت إلى أصابع يدها التي تفركها من الارتباك .. هي ترغب في الاعتذار ولكنها في نفس الوقت لا تريد أن تخذل رئيس قسمها الذي وثق فيها وأولاها تلك المهمة دون غيرها .. 
كرر الأستاذ عبد السلام سؤاله مجددا حينما لم يجد أي رد من فرح فرفعت رأسها ونظرت إليه بنظرات شبه مضطربة في حين سلط هو بصره عليها ونظر إليها بجدية تامة و...
فرح بخفوت وبنبرة متلعثمة _ أنا .. أنا موافقة 
مط الأستاذ عبد السلام شفتيه ثم تراجع للخلف وهو جالس في مقعده و...
عبد السلام بنبرة جادة _ تمام يا فرح ولو إني كنت أفضل إنك تعتذري عنها بس طالما دي رغبتك فأنا هاكمل باقي الإجراءات .. 
أخرج عبد السلام ورقة ما من درج مكتبه ثم وضعها أمام فرح وأشار لها بيده و...
عبد السلام بحزم _ عاوزك توقعي على الاقرار ده ..
فرح بنظرات حائرة و نبرة متوجسة _ ده ايه يا مستر عبد السلام 
عبد السلام بجدية وبنظرات ثابتة _ ده اقرار بالتفرغ التام خلال فترة التغطية الصحفية واللي مش هاتزيد عن 20 يوم على أقصى حد مع الالتزام بتعاليمات رؤسائك من ضباط القوات البحرية خلال الفترة دي 
عقدت فرح حاجبيها في استغراب شديد ولوت شفتيها في تعجب و...
فرح بنظرات مندهشة ونبرة متعجبة _ رؤسائي ! مش المفروض انا صحفية وآآ...
عبد السلام مقاطعا بنبرة صلبة _ هناك في قوانين والتزام وأي حد كان مكانك برضوه هيمشي عليه الوضع 
هزت فرح رأسها في اقتناع ثم أمسكت بالقلم الحبر وقامت بالتوقيع على الإقرار بعد أن قرأته جيدا ثم أسندت القلم على سطح المكتب ومدت يدها بالورقة إلى الأستاذ عبد السلام الذي أخذها منها ونظر إليها مجددا قبل أن يطويها ويضعها في الدرج .. 
استأذنت فرح بالانصراف ثم عادت إلى مكتبها مجددا لتجد رفيقتها إيلين بانتظارها على أحر من الجمر وهي متشوقة لمعرفة قرارها ...
جلست فرح على مقعدها في حين استندت إيلين بساعديها

على سطح مكتب فرح ونظرت إليها بنظرات متسائلة و...
إيلين متسائلة بلهفة _ ها يا فرووحة عملتي ايه 
تنهدت فرح في ارتياح ثم نظرت إلى إيلين بنظرات دافئة و..
فرح بنبرة رقيقة _ خلاص يا إيلي أنا وافقت 
اتسعت عيني إيلين في سعادة وانفرجت أسارير وجهها و...
إيلين بنبرة متحمسة للغاية _ أيوه بقى أخيرا .. هي دي الأخبار التمام .. بجد أنا مش مصدقة إنك وافقتي كنت حاطة إيدي على قلبي لأحسن ترفضي 
ابتسمت فرح ابتسامة هادئة ثم أشاحت بوجهها بعيدا عن إيلين لتخفي لمحة حزن في عينيها وهي تتذكر أن سبب موافقتها على تلك المهمة هو للابتعاد عن أحزان قلبها ونسيان ماضيها المؤسف مع ذلك المخادع ...
في اليوم التالي 
كانت فرح قد أعدت حقيبة سفر صغيرة مليئة ببعض ملابسها العملية والتي ستحتاج إليها خلال فترة غيابها وقررت فرح بعد إلحاح من والدتها ألا ترتدي الملابس السوداء وترتدي فقط الملابس ذات الألوان الداكنة .. 
لذا ارتدت فرح بنطالا من الجينز ذو اللون الأزرق الداكن ومن فوقه كنزة رمادية فضفاضة و داكنة ذات أكتاف طويلة تصل إلى ساعديها وفتحة صدر شبه واسعة وأحد طرفي الكنزة أطول من الأخر ومن أسفل الكنزة ارتدت بادي أسود اللون والذي برز كتفيه من أسفل الكنزة .. 
أسدلت فرح شعرها خلف ظهرها ووضعت فوق رأسها نظارة شمس داكنة وارتدت حول عنقها قلادة ذهبية بتدلى منها مفتاح الحياة الفرعوني .. 
كان الجو حارا نوعا ما رغم أن شهر إبريل قد بدأ لتوه وفي مثل هذا التوقيت من العام يكن الطقس معتدلا وليس مائلا للحرارة المرتفعة ولكن تلك هي تقلبات فصل الربيع ..
ودعت فرح والدتها وطلبت منها المكوث في المنزل وأن تنتبه لحالتها الصحية وألا تنسى تناول أدويتها اليومية .. 
أدمعت عيني السيدة فوزية لفراق ابنتها ولكنها متيقنة أنها ستعود .. مدت السيدة فوزية يدها على شعر ابنتها لتمسده ثم قبلتها من وجنتيها و...
فوزية بصوت باكي _ خدي بالك من نفسك يا حبيبتي وكلميني كل يوم عشان تطمنيني عليكي 
فرح مبتسمة بهدوء _ حاضر يا مامي بس بليز متعيطيش أنا مش هاغيب كتير 
مدت فوزية أطراف أناملها لتمسح عبراتها المنسدلة على وجنتها و...
فوزية بنبرة دافئة ونظرات حانية _ تروحي وترجعي بالسلامة 
فرح بنبرة متعشمة _ إن شاء الله 
في نفس التوقيت وصلت إيلين بصحبة زوجها الذي صف سيارته أمام مدخل البناية ثم اتصلت هاتفيا بفرح لتبلغها بأنها تنتظرها في الأسفل .. 
أصرت إيلين وزوجها أمير على إيصال فرح إلى محطة ال حافلات بمنطقة ألماظة حتى تستقل الحافلة إلى الإسكندرية وهناك ستنتظرها سيارة تابعة للجيش لتقلها إلى القاعدة البحرية حيث الوحدة التي ستمكث بها ..
في القاعدة البحرية بالإسكندرية 
صدرت الأوامر إلى المقدم يزيد بأن يضم فردا جديدا إلى طاقمه البحري الذي سيصعد على متن الفرقاطة الجديدة . ورغم امتعاض يزيد من هذا الطلب وعدم موافقته عليه إلا أنه اضطر أسفا أن يقبل به .. فيزيد أكثر الناس حرصا على إنتقاء من يعمل معه ...
دلف يزيد خارج مكتب قائده وهو يحمل مظروفا مغلقا في يده يضم التصاريح الخاصة بالموافقة على انضمام الصحفي الخاص بتغطية أخبار القوات البحرية بناءا على اتفاق مسبق .. ثم سار بخطوات ثابتة نحو مكتبه الملحق بوحدته .. 
وبينما كان يسير في طريقه إلى المكتب أمسك يزيد بالمظروف ثم رفعه قليلا لينظر إلى
البيانات المدونة على ظهره والخاصة بالعضو الجديد في طاقمه فتفاجيء من قراءة الاسم بأنها امرأة فإزدادت ملامحه قسۏة وضاقت عينيه أكثر .. وظل يزفر في انزعاج جلي ... 
يزيد بنبرة غاضبة ونظرات محتقنة _ جايبنلي واحدة ست ضاقت بيهم الدنيا عشان يجبولي واحدة فاشلة تبقى ضمن الطاقم بتاعي واحدة هتبقى زي هايدي مش فالحة غير في القرف وبس ..!!
يتبع التالي
الحلقة السابعة 
في منطقة الحافلات بالإسكندرية 
وصلت الحافلة التي تقل فرح من القاهرة إلى الإسكندرية إلى المنطقة المخصصة بها وبدأ جميع الركاب في الترجل منها وأخذ حقائبهم ..
ترجلت فرح هي الأخرى من الحافلة وشعرت ببرودة ما تسري في أوصالها فجأة فعقدت ساعديها أمام صدرها محاولة بث الدفء إلى داخل روحها ..
مدت فرح يدها لتمسك بحقيبة سفرها ثم جرتها خلفها وسارت بضعة خطوات للأمام وهي تتلفت حولها بعد أن أسدلت نظارتها القاتمة على عينيها ..
جابت فرح ببصرها المكان بحثا عن أي أحد ينتظرها وظلت ماكثة في مكانها لبضعة دقائق إلى أن لمحت سيارة جيش صفراء تشبه سيارات الدفع الرباعي ولكنها أصغر حجما تصطف بجوار الرصيف ويترجل منها شخص ما يرتدي زيا عسكريا ثم رفع لافتة صغيرة مدون عليها اسمها الثلاثي ..
سارت فرح بخطوات متوترة ناحية هذا الضابط ذو الزي العسكري ثم ..
فرح بنبرة خاڤتة وهي تشير إلى نفسها أنا فرح عبد الحميد 
أومىء الضابط برأسه ثم أشار لزميله الجالس خلف مقود السيارة وعاود النظر مجددا إلى فرح و...
الضابط بلهجة جادة وهو يشير بيده اتفضلي يا فندم احنا هنوصلك لوحدتك 
تناول الضابط حقيبة فرح ثم فتح لها باب السيارة الخلفي لتجلس على المقعد الخلفي ثم أسند حقيبتها بجوارها ..
أغلق الضابط الباب ثم ركب بجوار زميله وبدأت السيارة بالتحرك ..
تابعت فرح الطريق من خلال النافذة المجاورة لها بعد أن نزعت نظارتها الشمسية وظلت تفرك أصابع يدها في توتر شديد .. لم يتحدث معها أي أحد .. وشعرت بغرابة الموقف بل إنها ندمت لوهلة أنها وافقت على تلك المهمة الصحفية فهي لم تعتاد الابتعاد عن والدتها والآن هي مضطرة لأن تخضع لقوانين لا تعرف عنها أي شيء ... 
مر الوقت بطيئا على فرح إلى أن وصلت بالسيارة إلى وحدة عسكرية تابعة للقاعدة البحرية .. 
أوقف المجند السيارة ثم ترجل الضابط أولا منها ومد يده ليمسك بالمقبض الخاص بالباب الخلفي و...
الضابط بلهجة رسمية اتفضلي يا فندم احنا وصلنا ..
نظرت فرح حولها وتأملت المكان قبل أن تترجل من السيارة .. ثم أخذت نفسا عميقا محاولة السيطرة على اضطرابها الخفي و..
فرح بنبرة متحشرجة هو أنا .. آآ.. المفروض ..آآ.. أروح فين و..
الضابط مقاطعا بجدية وهو يشير بيده مكتب المقدم يزيد هناك على ايدك الشمال هو المسئول عن حضرتك .. 
فرح بنظرات متفحصة ونبرة مرتبكة اوكي ميرسي 
أمسكت فرح بحقيبة سفرها من مقبضها وقامت بجرها خلفها وسارت إلى حيث أشار الضابط 
كانت الأجواء بداخل الوحدة التدريبية في تلك الأثناء هادئة فالجميع منشغل بالتدريبات المكثفة في الساحة الخلفية والتي تبعد بمسافة كبيرة نوعا