رواية فراشة أعلى الفرقاطة كاملة بقلم منال سالم


خارج الغرفة محاولة تهدئة روعها وتضميد چراحها ... 
نامت فرح تلك الليلة في غرفة والدتها وهي متشبثة بأحضانها ولم تتركها فوزية للحظة .. 
لقد عانت فرح الأمرين فهي عانت من مرارة الخداع ومرارة الفراق .. وفوق كل هذا الإهانة
في إحدى الوحدات التدريبية التابعة للقوات المسلحة 
حضر المقدم يزيد الدورة التدريبية الخاصة بتعليم أسس وقواعد التعامل مع القطع البحرية الجديدة وتحديدا الفرقاطة الجديدة والتي ستنضم للأسطول البحري المصري خلال أيام قلائل ودون بعض الملحوظات الهامة في مفكرة صغيرة خاصة به ...
في تلك الأثناء وصلت إشارة ما مكتوبة للقاعدة البحرية تفيد برغبة إحدى الجرائد الشهيرة في تغطية أخر أخبار القوات البحرية وعمل تحقيق صحفي شامل يتضم إنجازاتها وتطورها على مدار الأعوام بالإضافة إلى المستجدات العامة الطارئة على ذلك القطاع وذلك من أجل الاعداد لإحتفالات أعياد تحرير سيناء .. وتم الرد بالموافقة ولكن وفق شروط محددة .. 
كما طلب مسئولي القاعدة البحرية أن يتم تحديد
هوية الأشخاص الذي سيتولون تغطية تلك التحقيقات الصحفية حتى يتم التحري عنهم بدقة قبل استخراج تصاريح صعودهم على متن السفن التابعة للقوات البحرية بالإضافة إلى أن مدة تلك التحقيقات الصحفية لن تتجاوز بأي حال من الأحوال عشرون يوما كحد أقصى ...
في منزل فرح عبد الحميد 
واظبت إيلين على زيارة رفيقتها على مدار الأيام التالية وحاولت جاهدة أن تخرجها من تلك الحالة الكئيبة التي حبست نفسها فيها قهرا ..
جفت الدموع من عيني فرح ولكن لم يكف قلبها عن الآنين من مرارة الظلم والخداع .. 
أبلغت إيلين السيدة فوزية أنها تقدمت بطلب إجازة مرضية لفرح كي لا تتعرض لخسارة وظيفتها بسبب تجاوزها

لفترة الغياب المسموح لها بها بدون أن تقدم أي أوراق مرضية .. وأوضحت لها أن كلا من الأستاذ أمجد والأستاذ عبد السلام قد تقبلا بصدر رحب طلب الإجازة ظنا منهما انه في صالح فرح ... 
دلفت إيلين إلى غرفة رفيقتها لتجدها جالسة على الفراش وهي ضامة ساقيها إلى صدرها وتستند برأسها على ركبتيها وتنظر إلى نقطة ما بالفراغ أمامها .. 
جلست إيلين إلى جوار فرح وحاولت أن تتجاذب معها أطراف الحديث و...
إيلين بنبرة حماسية زائفة عارفة شريف عمل ايه في الأستاذ أمجد يا فرح راح آآ...
نظرت فرح إلى إيلين بأعين فارغة ولم تستمع إلى كلمة مما تقول بل أدمعت عينيها فجأة بالدموع و...
فرح بنبرة متحشرجة معنتش قادرة يا إيلي .. أنا بمۏت كل يوم وأنا بفتكر أد ايه كنت عبيطة وصدقته ..
تلاحقت أنفاس فرح وبدأ صدرها يعلو ويهبط في توتر شديد و..
فرح بنبرة مخټنقة أيوه أنا صدقته وح.. وحبيته حبيته وهو مكنش يستاهل حبي ..!!!!!
أمسكت إيلين بيدي فرح وجذبتها برفق ناحيتها ثم احتضنها وهي حزينة على حالتها ..
ظلت فرح تجيش بما في صدرها من حزن مكتوم ېخنقها كل لحظة عن الأخرى ..
لم تقاطع إيلين فرح وهي تبوح بما يطبق على صدرها .. فقط تركتها تخرج ولو قدر قليل مما يؤلمها حتى ترتاح .. 
وقفت فوزية على باب غرفة ابنتها وراقبت من على بعد ما يحدث ولم تقاطع حديث الرفيقتين بل أدمعت عينيها حزنا على ابنتها وتراجعت بخطوات بطيئة للخلف تاركة كلتاهما تحظيان بقدر من الخصوصية ... 
في منزل يزيد 
عاد يزيد إلى منزله بعد أن انتهى من حضور الدورة التدريبية وظل ماكثا لفترة في شرفة منزله وهو مستندا على مرفقيه يتابع حركة سير السيارات في الأسفل ولفت نظره طفل صغير لا يتجاوز عمره الخمس سنوات يلعب بالكرة ويتجه صوب الطريق فانتفض فزعا في مكانه ثم صاح بقوة كي ينتبه الطفل ويبتعد عن الطريق ولكن دون فائدة ..
فركض بسرعة رهيبة لداخل الغرفة ومن ثم توجه إلى باب منزله وفتحه وركض صوب الدرج وقفز عليه قفزا لكي يتمكن من الوصول إلى الطفل قبل أن يحدث له أي مكروه .. 
وصل يزيد إلى مدخل البناية وجاب ببصره المكان بحثا عن الطفل الصغير فوجده بالفعل يقف على حافة الرصيف ويركل الكرة بقدمه فركض في اتجاهه بخطوات سريعة 
كان الطفل على وشك النزول عن الرصيف في الوقت الذي كانت تقترب سيارة نقل صغيرة منه .. 
أمسك يزيد بالطفل الصغير قبل أن تدهسه تلك السيارة أسفل عجلاتها وأحتضنه بشدة ورفعه عن الأرض بذراعه وضمھ إلى صدره الذي كان يلهث من تلاحق
أنفاسه ... 
نظر يزيد إلى الطفل ذو الملامح البريئة وقبله من وجنته في حنية ابوية يفتقدها و...
يزيد بنبرة متلهفة انت كويس يا حبيبي 
الطفل ببراءة اه يا أنكل أنا كويس 
يزيد بنبرة معاتبة طب انت مش عارف انه غلط تلعب بالكورة في الشارع
أنزل يزيد الطفل ليقف على قدميه في حين انحنى هو بجذعه الضخم للأسفل وجثى على أحد ركبتيه وظل محاوطا للطفل باحد ذراعيه و...
الطفل وهو يشير بيده بصوت طفولي بريء أنا كنت بسوط الكولة بشوط الكورة كده على اللصيف الرصيف وعاوز أمسكها قبل ما توقع في السالع الشارع 
وصل أحد الأشخاص وعلى وجهه ڠضب واضح إلى حيث يقف يزيد والطفل ثم أمسك بالطفل وظل ينهره بشدة لأنه خرج بدون إذنه وكان على وشك صفع الطفل
فأمسك يزيد بمعصم الرجل ونظر إليه شزرا وكان على وشك لكمه في وجهه و..
يزيد بحدة وبنظرات ڼارية قاټلة ده بدل ما تطمن على ابنك تقوم تضربه انت اييييييه !!!!
ابتلع الرجل ريقه في خوف وارتعدت فرائصه حينما وجد نظرات يزيد المتوعدة له وحاول أن يحرر ذراعه من قبضة يزيد المحكمة عليه في حين تابع يزيد حديثه ب ...
يزيد بقسۏة ونظرات غاضبة الضنا غالي وابنك كان ممكن يروح منك في لحظة وانت مش دريان ...!!!!
الرجل بنبرة خائڤة أنا .. آآ.. انا بس كنت عاوز أفهمه إنه غلطان 
يزيد بحدة قبل ما تفهمه غلطه اعرف غلطك الأول يا بني آدم ولا انت عاوز تشيل غيرك ذنبك
الرجل بتوجس خلاص يا كابتن 
يزيد محذرا احسنلك تاخد بالك من ابنك كويس وإلا لو جراله حاجة ساعتها هتندم وآآ...
صمت يزيد للحظة محاولا السيطرة على انفعاله و..
يزيد متابعا بضيق ماهو اللي بيروح مستحيل يرجع وخصوصا لو كان من لحمك ودمك ..!!!!
يتبع التالي
الحلقة الخامسة 
ظلت فرح على حالتها البائسة لعدة أيام لاحقة وحاولت معها والدتها السيدة فوزية إقناعها تارة بالذهاب إلى العمل وتارة أخرى بتبديل ملابسها السوداء فلا داعي للحداد على شخص مخادع ككريم ..
ولكن لم تصغ فرح إلى والدتها فالصدمة كانت أكبر من مجرد إدعاء مرورها بسلام وكأنها لم تترك في روحها أثرا قبل حياتها .. 
لم يكن أمام السيدة فوزية سوى اللجوء إلى إيلين رفيقة فرح المقربة لمعاونتها في إخراج إبنتها من تلك الحالة الكئيبة ...
وبالفعل لم تكل أو تمل إيلين من محاولات إقناع فرح بالعودة مرة اخرى للعمل من أجل تناسي الماضي والبدء من جديد واستعادة ثقتها المهزوزة ونسيان تلك الذكريات البغيضة ..
لم يكن لدى فرح أمام تلك الإلحاحات المتلاحقة أي خيار سوى أن توافق مضطرة على رجاء رفيقتها وتوسلات والدتها .. 
وقفت فرح أمام دلفة دولابها تحاول إنتقاء ما سترتديه في العمل وظلت مترددة لفترة هل تعود لارتداء الملابس الملونة وكأن شيئا لم يحدث أم تظل على حالها وتتشح بالسواد ..
حسمت فرح قرارها في النهاية بالاستمرار في ارتداء الملابس السوداء وذلك حفظا لماء وجهها فلم يعرف أحد بحقيقة زوجها الراحل بعد وهي ليس لديها الرغبة أو القدرة على توضيح أسباب عدم حزنها على زوجها الراحل للغير ولن تتحمل رؤية نظرات الاشفاق عليها في أعين زملائها لذا قررت أن تحتفظ لنفسها بما يخصها من أمور شخصية ....
كانت فرح تعاني من بعض الآلام في أنحاء متفرقة من جسدها وكذلك أسفل معدتها فدلفت إلى المرحاض الموجود بالمنزل لكي تغتسل بالماء الدافيء لعل جسدها يرتخي وتخف حدة آلامه فامتعض وجهها وزمت شفتيها في ضيق جلي فهي ليست في حالة مزاجية تجعلها تتحمل آلامها الشهرية .. 
بدلت فرح ملابسها في داخل المرحاض وارتدت بنطالا أسودا مصنوعا من خامة الجينز وقميصا حريريا أسودا ووضعت حول عنقها وشاحا قطنيا من نفس اللون .. 
دلفت فرح لاحقا خارج المرحاض ثم توجهت ناحية غرفتها لتكمل تعديل هيئتها ومشطت شعرها ووضعت رباطة شعر مطاطية بعد أن عقصته ليصبح كذيل الحصان ومن ثم دلفت للخارج لتجد والدتها هي الأخرى مرتدية ملابسها وفي انتظارها ..
حدقت فرح في والدتها بإستغراب و..
فرح بخفوت ونظرات متعجبة مامي انتي رايحة في حتة 
فوزية بهدوء وابتسامة مشرقة أنا جاية أوصلك يا حبيبتي لشغلك 
فرح بنظرات مندهشة ونبرة قلقة ليه 
فوزية مبتسمة في حنان عاوزة أطمن عليكي يا فرح 
هزت فرح رأسها في اعتراض ثم تابعت ب ...
فرح بنبرة شبه منزعجة مامي اطمني أنا الحمدلله أحسن
فوزية بصوت دافيء معلش يا قلبي ريحيني يا حبيبتي 
مطت فرح شفتيها ثم نظرت إلى والدتها بنظرات متفحصة فلمحت إصرارها جليا في عينيها وهي ليست راغبة في الجدال معها ومن ثم أومأت برأسها موافقة و..
فرح بهدوء مصطنع حاضر يا مامي 
ارتسمت ابتسامة عذبة على وجه السيدة فوزية وتأبطت في ذراع ابنتها ودلفت كلتاهما خارج المنزل ثم نزلتا عبر المصعد للطابق الأرضي وتوجهت الاثنتين إلى خارج البناية ...
أشارت فرح بيدها لأحد سائقي سيارات الأجرة لكي يتوقف ثم فتحت باب السيارة الخلفي وركبت هي أولا ولحقت بها والدتها ثم طلبت من السائق أن يوصل كلتاهما إلى مقر جريدة الضحى ..
في مقر جريدة الضحى 
اجتمع الأستاذ أمجد بالفريق الصحفي الذي سيتولى التحقيقات الصحفية الخاصة بإنجازات القوات المسلحة وتم توزيع الأدوار على الجميع والتنسيق بين فريق التحقيق الميداني وفريق الإعداد والتحرير ثم تم أخذ الموافقات

النهائية على من سيتفرغ لمتابعة العمل الميداني ..
وخلال هذا الاجتماع اعتذر ثلاثة من الزملاء عن عدم استطاعتهم المشاركة في فريق التحقيق الميداني وذلك بسبب سفر اثنين منهما لأداء مناسك العمرة في نفس توقيت فترة التحقيق الميداني والأخير بسبب ظروف ولادة زوجته والتي ستوافق تلك الفترة ..
اضطر الأستاذ أمجد أسفا أن يعيد توزيع الأدوار من جديد ويقلص عدد المشاركين في عدد معين من أفرع القوات المسلحة كي يتمكن من تغطية جميع الأفرع وتلك المرة قرر أن يخوض هو بنفسه التحقيق الميداني وخاصة في التحقيق الصحفي المتعلق بالقوات البحرية حتى يتجنب العجز الموجود في فريق التحقيقات الميدانية .. 
كما تم وضع خطوط العمل العريضة وأيضا الاتفاق على خطوات العمل والتنسيق بين الفريقين من أجل انجاز تلك التحقيقات بصورة شاملة ومتكاملة وبالتالي يضمن الأستاذ أمجد تغطية جميع أوجه التحقيق الصحفي .. كما لم يغفل الأستاذ أمجد عن تكليف كلا من إيلين وفرح بتولي تحرير الجزء الخاص بشهداء الحړب وبطولاتهم المنسية كي يضمن موافقة