شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد


احترام إرادة غادة وموافقتها وإشراك أهلها في القرار خرج مالك من جملته بارتياح ودون فرح مبالغ فيه يعرف أن الطريق مازال طويلا وأن خطوة الأب ماهي إلا بداية جديدة تنبض بآمال ومسؤوليات.
باليوم التالي..
صعدت ميرال برفقة فريدة إلى غرفة غادة بعد ابتعاد إلياس المتعمد وڠضب إسلام الذي مازال يثقل الأجواء..طرقت فريدة الباب بخفة ثم دلفتا إلى الداخل بابتسامة هادئة.
الحلو صحي من النوم
قالتها ميرال وهي تقترب بخفة من السرير.
ضيقت غادة عينيها تنظر إليهما باستفهام صامت وكأنها تحاول قراءة ماوراء تلك الابتسامة..جلست ميرال بجوارها من ناحية وفريدة من الناحية الأخرى تحاوطانها بدفء الأمان.
اسمعيني ياحبيبة قلبي..ومش عايزة ردك دلوقتي خدي وقتك وفكري كويس وبعد كده ردي.
ثم بدأت تسرد عليها ماطلبه مالك بكل تفاصيله وأمانيه..ساد صمت طويل ارتعشت أنفاس غادة قليلا ثم نهضت بتثاقل وقالت بصوت خاڤت
تمام ياماما..سبيني أفكر وبعدها أرد عليكم.
مرت الأيام سريعا كأنها تطير حتى جاء اليوم الموعود..يوم عقد قرانها ازدانت فيلا السيوفي بأضواء لامعة كأنها نجوم هبطت من السماء والبهجة أخيرا عمت الوجوه بزواج مدللة والدها.
وبعد دقائق من إتمام العقد جذبتها ميرال بحماس نحو الاحتفال الخاص فقد أعدت فريدة حفل حنة يليق بها.. اجتمعت فيه الصديقات والأحباب تتعالى الضحكات وزينت الأيدي بالحنة ورسوماتها البديعة فيما تصاعدت زغاريد النسوة واختلط الرقص بالغناء كأن السعادة قررت أن تسكن ليلتهم تلك.. 
جانبا آخر من الفيلا تجمع الشباب بحلقة من المداعبة اللطيفة بالاحتفال بعريس الليلة قبل مغادرته فيلا السيوفي..بينما جلس يوسف وبلال وآسر بالحديقة يمارسون ألعابهم الرياضية المعتادة توقف يوسف عن اللعب
_ ماتيجوا نعمل أي جو أنا بحثت وعرفت الحنة دي البنات بترسم فيها ماتيجوا نغلس أنا زهقت وكمان بابا عيونه علينا. 
رفع بلال زجاجة عصيره يرتشف منها وهز رأسه 
_ أه قالي إياكوا تغلطوا علشان كدا قولت لك بلاش نقعد معاهم مش ناقصين خنقة.
قاطعه آسر
_ روحت فرح عند بيت بابا القديم.. شوفت ولاد كانوا في الفرح ماسكين طبلة والبنات بترقص ماتيجوا نجيب الطبلة دي.
رفع يوسف حاجبه يقلب كلماته ثم غمز إلى بلال
ماتيجي نتشاقى ياببلاوي.
جلس بلال على العشب وهو يرتشف من عصيره
_ لا كفاية شقاوة الفرح دا أبوك وأبويا لو عرفوا هينفخونا لمح يزن يتحدث بهاتفه ثم اشار إليهم
_ يابني إحنا كل يوم عندنا فرح دا مش هنشوف أفراح تاني غير لما أنا أتجوز.. ألقاه بلال بزجاجة العصير
مين دا اللي هيتجوز ناوي تسبني يامتخلف بعد عشرة السنين دي كلها.
_ ليه ياحبيبي متجوزك في السر.
ضحك آسر عليهما ثم أشار إلى نفسه
ضړب يوسف على صدره بحركة مزاحية
_ ضحك الاثنان ثم اقترب
من آسر
_ يابني إنت غلبان ابعد عن بلال دا لحمه مر.
توقف بلال وتحرك إليه بينما هو ركض إلى يزن بعدما وجده استقل سيارته للمغادرة
_ خالو رايح فين. 
ضيق عيناه بتساؤل
_ عايز حاجة هطلع أول الطريق. 
_عايز طبلة.
_ طبلة إيه انحنى إلى باب السيارة 
_ الطبلة ياخالو اللي بيطبلوا عليها دي.
_تمام هجبلك واحدة ورقص أبوك عليها..قالها يزن ساخرا وتحرك بينما 
استدار يوسف للمغادرة 
_ والله لارقصك انت ياخالو لمح ضي تتحرك للداخل وتحمل شيئا ما اتجه إليها 
_ ضي..توقفت مستديرة إليه
_ نعم فيه حاجة. 
_مالك يابت انا جاي اشحت منك مين اللي فوق لسة فيه حد من صحبات تيتا.
_لا كلهم مشيوا..قالتها وتحركت فهمس
_بت باردة مغرورة.
_ زيك بالظبط يابن عمي مفيش واحد أبرد منك.
وصل إليها سريعا
_ مين دا يابت.. 
_ إنت هو فيه حد غيرك وياريت تسيب إيدي روح اتكلم مع صحباتك يابتاع القيم والأخلاق اقتربت خطوة منه 
_ هعرفك يابن عمي ضي الهبلة العبيطة هتعمل إيه أول مرة سامحتك على طولة لسانك ووقاحتك ودا مش علشانك علشان خالتو ميرال وعمو.. 
قالتها واستدارت متحركة..بينما ظل بمكانه يعيد كلماتها
_ سمعتني أه كلامها بيقول كدا..
بعد فترة دلف الى المطبخ وجدها تضع بعض الأكواب بمكانها 
_ضي..التفتت إليه ثم أكملت عملها وأشارت إلى الخادمة
_ طنط لو سمحتي اعملي قهوة لعمو إلياس وبابا وجدو ووديهم الحديقة تيتا قالت اقولك
أومأت الخادمة بطاعة فاقترب يوسف منها
_ زعلانة..أنا مش قصدي الكلام اللي وصلك هي بس كانت بتقول..قاطعته وهي تضع الطبق بقوة مصدرا صوتا
_ ميهمنيش اللي قولته أنا واثقة في نفسي اقتربت منه وابتسمت 
_ متنساش يابن عمي أنا ضي أرسلان الشافعي يعني كلامك مايهمنيش. 
رفع حاجبه ساخرا من حديثها
_ اممم وإيه كمان ياأستاذة ضي ياأم أرسلان الشافعي.
أفلتت ضحكة رغما عنها عما أصدره من حركات وهو يقلدها.. وتحرك إلى غرفة شمس..
تعالي لازم نتصالح ياضي ياأرسلان الشافعي...وصل إلى غرفة شمس أدخل رأسه
شموس أدخل. 
تأففت الصغيرة وأشارت إليه 
على أساس إنك بتستأذن.
البت دي زعلانة ياصغننة وعايز أصالحها. 
يعني إيه..قالتها وهي تهز كتفها بجهل. 
ضحكت ضي ولكزته
ودي هتفهم كلامك.
أغمض عينا وفتح الأخرى 
إنتي بتغلطي في أخت يوسف الشافعي يابت جلس على فراش أخته وفتح كفيه
فين الحنة اللي سرقتيها من خالتو رحيل.
جحظت الصغيرة عينيها
ياغشاش كنت بتراقبني!. 
هاتي الحنة بدل ماأسوح لك في الفرح.
تخصرت الصغير
لا سوحلي ياابن إلياس.
دلفت ميرال على كلمات ابنتها ټضرب على صدرها
يالهوي إيه اللي بتقوليه دا الحمد لله أبوكي مسمعكيش كنا أخدنا درس في أخلاق الحارة.
قلدها يوسف وهو يضرب على صدره
يالهوي..ياماما بقيتي پتخافي من إلياس..نهض ينظر إليها 
يعني كلماتها عايزة درس من إلياس ويالهوي مش عايزة دي لازم تتشطب من نقابة الكلمات الأبجدية. 
رفعت عيناها إليه تضغط على أسنانها
بقيت أطول مني هقول إيه ربنا يسهلك.
ضحك بصوت مرتفع
حلوة أوي وإنتي طيبة ياميرو المهم خلي بنتك الفتانة تديني الحنة..عايز أحط لضي منها وأصالحها.
جحظت عيناها بذهول تشير إلى ابتسامة ضي..ثم ضړبت كفوفها ببعض 
إنتي عبيطة يابنتي يحط لك حنة هو فيه ولد بيعمل كدا..اقترب يوسف من والدته بعدما علمت بما سيفعله ثم قبل جبينها
إلياس باشا كان بيدور عليكي معرفش زرار قميصه شكله اتقطع. 
دلف بلال وهو يمسك طبلة بيديه 
بدور عليك يابغل من ساعتين والنانا قالت إنك هنا.
خطا إليه وأخذ الطبلة 
الله الله دي شكلها هتحلو ياض يابابلو.
صړخت ميرال تضع يدها فوق رأسها
هطلق بسببكم خلاص عرفت آخرتي. 
مبروك ياماما هدورلك على شقة..
قالها وهو يقرع على الطبلة.. 
مع صوت يزن باسم ميرال ثم دلف بعدما وجد باب غرفة شمس مفتوح
سمعت صوت هنا..دا صحيح ولا أنا عندي تهيؤات.
ألقى يوسف الطبلة على بلال
خالو حبيبي اللي بيضحك على ماما أومال مين اللي اشتراها.
لكزه بقوة
يابن ال...
خرجت ميرال ټضرب كفوفها ببعضهما..ثم اصطدمت بإلياس 
ميرال ماما تحت بتسأل عليكي..بتر حديثه صوت الطبلة وضحك يوسف وبلال يرددون
أغنية سطلانة.
ضيق عيناه يشير إلى غرفة شمس
إيه الصوت دا.
أمسكت ذراعيه محاولة صرف انتباهه لكن ضحكات يزن وبلال اخترقت الأجواء كسهام فاستدار بخطوات ثابتة نحو الغرفة.
دفع الباب بهدوء ليتجمد مكانه وعيناه تلتقطهم في ذهول.
بلال يجلس يدق على الطبلة بحماس بينما يزن ويوسف يتمايلان على الإيقاع بخفة صبيانية والفتيات يضحكن بلا توقف. ارتسمت ابتسامة طائشة على وجوههم لكن عيني الياس ظلت باردة تراقب بلا أي انفعال ظاهر.
قفز يوسف فجأة مقلدا حركات بهلوانية بينما يقهقه بلال يلقي بالطبلة إلى يزن
طبل يا خالو 
قاطعه يوسف بانفعال
وأنا كمان! بتتهز كده مش عارف تجبلنا واحدة يا خالو هو الواحد هينحرف كل يوم ولا إيه
الټفت بلال إليه مازحا
بص عند أختك الباردة دي يمكن نلاقي عندها حاجة تنفع نرقص بيها.
اڼفجر يزن ضاحكا بينما يوسف تخصر قائلا بجدية مصطنعة
يعني حضرتك جايب طبلة من غير بدلة رقص طب دلوقتي هحزمه إزاي
هنا قاطعهما إلياس
وماله يا حبيبي تعالى أنا أحزمكم انتوا الاتنين.
تجمدت ضحكة بلال وهو يلمح عمه ليقول.
هو حضرتك رجعت! تيتا قالت هتبات في بيتكم.
لكزه يوسف من الخلف متمتما پخوف
الحمد لله إنك جيت يا بابا علشان تعرف خالو المحترم جاب لنا إيه.
اقترب الياس بخطوات هادئة وتمتم بصوت عميق
أيوة يا حبيبي وعايز أعرف خالو المحترم جابلكوا إيه بالظبط.
ألقى بلال الطبلة إليه بارتباك
البتاعة دي.. منعرفش اسمها إيه.
ارتفع ضحك يزن أكثر بينما يوسف اختبأ خلفه محتميا من نظرات والده الثقيلة ثم همس مضطربا وهو يتجه نحو الباب
حضرتك مش محتاج احلف إني بريء.. أنا متربي على القيم والأخلاق.
حضرتك اللي مربيني هتشك في تربيتك
اقترب بلال من الياس يضع ذراعه على كتفه مصطنعا المرح
بتكدب ليه دا حتى عمو عسل ومش قصده حاجة. كدبت ليه يا غبي دا هو هيطبلنا دلوقتي ويرقص معانا.. مش كده يا عمو يا حباب
صمت الياس و عينيه تتقلبان ببطء بين شمس وضي الجالستين في صمت متوتر. أخيرا نطق بصوت خاڤت حاسم
حبيباتي.. انزلوا لماما تحت.
هنا ركض يوسف وبلال هاربين من الغرفة تاركين خلفهم نظرات ڠضب إلى يزن
بعد يومين وهو اليوم المقرر للزفاف 
دلف مصطفى عيناه تتفقدان صغيرته التي كبرت وتألقت كالأميرات. توقفت الكلمات على طرف لسانه
بابا قالتها بصوت مرتجف 
ربنا يسعدك يا حبيبة بابا.
التفتت غادة خلفه لتجد اسلام يقف مستندا إلى الجدار عينيه تلمعان بالحب والۏجع معا. اقتربت منه ببطء توقفت أمامه بصمت فابتسم واقترب هو الآخر
بس بقى.. بطلي عياط مفيش عروسة بټعيط.
تمتمت بخفوت
لسة زعلان مني
ربنا يسعدك يا حبيبتي.. يلا اجهزي عريسك تحت مستعجل.
رفعت عينيها حول الغرفة تبحث عنه
فين إلياس مش المفروض ييجي
ابتسم إسلام وأشار إلى نفسه مازحا
وأنا ما ينفعش
هزت رأسها بالرفض وشعرت بقبضة قوية تعتصر

فؤادها ثم استدارت إلى ميرال بصوت متهدج
فين إلياس
قالتها غادة وهي تنظر إلى ميرال بقلق خفي ابتسمت ميرال ابتسامة مطمئنة وهي تشير إلى ساعتها
_ زمانه جاي يمكن تحت كمان يلا يا حبيبتي انزلي مع أخوكي ماينفعش نتاخر.
رفعت عيناها إلى إسلام بعد انسحاب مصطفى إلى الأسفل ابتسم بدفء واقترب منها يمد كأنه يزرع الطمأنينة
بعد لحظات بدأت تنزل درجات السلم على وقع الموسيقى التي صدحت بالمكان مع أغنية فستانك الأبيض فزاد المشهد رهبة وبهجة.
وارتفعت الأنظار جميعها صوب السلم الكبير. لتظهر العروس كأنها لوحة من نور تتهادى بخطوات بطيئة واثقة
بفستانها الأبيض الذي يتلألأ تحت الأضواء كقطعة من القمر ينساب من حولها في انسياب رقيق
تعلقت العيون بها همسات الإعجاب اختنقت في الحناجر
مع صدح الموسيقى في الأرجاء تنسجم مع خطواتها في إيقاع مهيب وكأنها تعزف لحن ميلادها جديد.
ارتجف قلبها وهي تمسح بعينيها اللامعتين على الوجوه تبحث بينهم عن عينيه عن الأمان الذي يكتمل بوجوده.
كل ثانية من نزولها كانت كأنها عمر كامل يختلط فيه الفرح بالرهبة والأنوثة بالبراءة وكأنها أميرة تتوج أمام عرش الحياة.
كانت عيناها تبحثان بلهفة بين الحضور تبحث عن إلياس وكأن وجوده يكمل لها معنى الفرح. همست إلى إسلام بصوت مرتجف
_ أخوك لسه زعلان مني
ابتسم وهو ينظر للجميع متجنبا أن يحزنها عليها
_ حبيبتي اضحكي وافرحي بعريسك هو يمكن دلوقتي بيجهز حاجة.
لم يكمل جملته حتى ظهر إلياس بجوار إسحاق وهما يدخلان القاعة في هذه اللحظة فتلألأت عيناها بالسعادة وكأنها رأت الأمان أمامها.
_ جه وعمو إسحاق كمان معاه!
_ بنتي وقطعة من قلبي وأغلى ما أملك بقيت