شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد


بعض
_ ماما أنا مش هتجوز تاني ريحي نفسك.
_علشان خاطري انسى الماضي 
ياحبيبي..وعيش الحاضر..ربنا المنتقم وهيجيب لك حقك..صدقني أنا مسامحة..اتجوز وعيش حياتك بقى..
لو بتحب أمك فرحني بيك شوف البيت دا عامل زي القپر مفيش غيري أنا وإنت املاه عليا بعوضك يابني. 
عاد إلى الفراش دون رد..سحب الغطاء وقال 
_ سبيني أرتاح ياماما لو سمحتي. 
ظلت تراقبه بصمت ثم خرجت تجر آلامها على فلذة كبدها وأغلقت الباب خلفها. 
مضت أسابيع قليلة حتى تعافى وعاد إلى عمله بالشركة من جديد.
في مساء هادئ أقام إلياس حفلة خاصة للعائلة داخل مقر الشركة احتفالا بفتح فرع جديد وبتزايد شهرته ومكانته حتى صار اسمه مطلوبا في كل مدينة.
خرجت غادة إلى حديقة الشركة تستنشق هواء باردا وتراقب القمر المعلق في السماء..كان لمعانه يتوارى خلف الغيوم بين حين وآخر فتبتسم رغم كل شيء لجمال الخالق في خلقه.
خطت رحيل خطوات هادئة وتوقفت بجوارها
_سرحانة في إيه
هزت غادة كتفيها وأشارت إلى السماء
_بشوف جمال الخالق في خلقه.. شوفي القمر عامل إزاي.
رفعت رحيل عينيها إلى القمر ثم أعادتهما إليها..تنهدت قليلا ثم قالت
_غادة..ليكي رسالة معايا.
استدارت غادة تنظر إليها في انتظار الكلام.
حمحمت رحيل بتردد
_طارق..
أغمضت غادة عينيها شعرت بقبضة تعتصر صدرها لكن رحيل أكملت
_طارق أنا بس حبيت أبرأه قدامك..والله العظيم كانت خطة عارفة مينفعش أقولك كدا بس حرام تفضلي فاكرة إنه غلطان.
رفعت غادة كفها تستوقفها
_رحيل لو سمحتي..طارق صفحة وانتهت أنا غلطت وربنا حاسبني.
تراجعت بنظراتها تبحث في الوجوه عن إلياس وإسلام قبل أن تتمتم بصوت مبحوح
اقتربت رحيل منها خطوة
_أفهم

من كدا إنك خلاص مسحتيه من قلبك
رفعت غادة يدها پغضب واڼفجرت دموعها
_أنا بكره نفسي..أنا إزاي عملت كدا بكره قلبي وكل حاجة اسمها حب..اللي قدامك دي ضيعت أهم حاجة..قيمها وتربيتها علشان إيه علشان تثبت إنها صح وكلهم غلط! رحيل مش عايزة أسمع اسم طارق تاني..ربنا يوفقه.
قالتها وانسحبت بخطوات سريعة تكاد تأكل الأرض من تحتها..فجأة اصطدمت بجدار بشړي رفعت رأسها لتوبيخ صاحبه لكنه كان يوليها ظهره استدار إليها ينظر لعينيها بعمق ثم قال 
_آسف.
قالها بهدوء وتحرك مبتعدا..مسحت غادة دموعها بعصبية واتجهت نحو سيارة إسلام جلست خلف المقود وقادتها بلا هدف تتجول في الطرقات حتى وجدت نفسها تقف عند شاطئ النيل الذي اعتادت أن تهرب إليه حيث تلاقت دموعها بصمت على وجنتيها
مرت فترة طويلة دون أن تشعر بالوقت..رنين هاتفها يتكرر في السيارة لكنها لا تستمع ولا تكترث لأي شيء.
بعد فترة توقفت سيارة خلفها..نزل منها يتحدث في هاتفه
_لقيتها ياباشا..حاضر هترجع على البيت.
تقدم منها ومد يده بالهاتف
_كلمي إلياس باشا.
رفعت غادة عينيها المبللة بالدموع إلى الرجل ثم إلى الهاتف
_ألو
جاء صوت إلياس صارما عبر الهاتف
_ردي على تليفونك ياأستاذة..طمني باباكي إنتي مش طفلة علشان تقلقيهم عليكي..وارجعي على البيت فورا..
قالها ثم أغلق الخط دون أن يضيف شيئا.
أخذ مالك الهاتف منها وأشار إلى السيارة
_اتفضلي..ومينفعش تخرجي تاني لوحدك..اتكلمنا في الموضوع دا كتير.
ظلت غادة تنظر إليه بصمت للحظات ثم تمتمت بصوت مبحوح
_آسفة..محستش بالوقت..تعبتك معايا.
أومأ بتحفظ ثم تحرك أمامها يفتح باب السيارة بعينين تمسح المكان كحارس حدود.
نظرت إلى الاتجاه الذي كان يراقبه وسألت ببرود
_بتبص على إيه
أشار بعينيه دون حديث فاستقلت السيارة في هدوء.
دقائق بالصمت يحوم بالمكان قبل أن يقطعه صوته فجأة
_فيه حاجة لازم أقولها رغم إنها أمانة..بس أنا زعلان على حالتك.
رفعت غادة عينيها إليه فقال بثبات
_طارق بريء..هو اتفق معايا..وقبلها إسلام أخوكي كان عنده أكيد فاهمة الباقي.
_ لو خلصت سوق وانت ساكت
أطبق يديه على المقود بقوة..
_انتي فاهمة قصدي
ردت بحدة
_لا..مش فاهمة ومش عايزة أفهم.. وممكن ماتتكلمش في حاجة ماتخصكش
أوقف السيارة فجأة واستدار إليها بنظرات غاضبة
_مش عارف على إيه بتكلميني كدا..أنا بس حبيت أبريه علشان لو حضرتك ھتموتي من غيره.
رمقها بنظرات استخفافية حتى انسابت دموعها بغزارة التفتت إليه صاړخة
_مااسمحلكش تتكلم معايا كدا! وزي ماإنت سمعت من شوية..لا طارق ولا غيره يهموني..أنا بكره الرجالة كلها.. وياريت تسوق وإنت ساكت..مالكش دعوة بحياتي الشخصية.
أسبوع آخر.. 
تذهب معه إلى عملها دون حديث لن يكترث لها ارتفع رنين هاتفها نظرت للرقم باستغراب ثم ردت 
_أيوة مين! 
على الطرف الآخر تحدثت
_غادة السيوفي معايا 
ضيقت عيناها وقالت 
_أيوة..كان يستمع إلى مكالمتها باهتمام إلى أن استمع الى اسم والدته 
_مين ليال البحيري
توقف فجأة مما جعل جسدها يهتز پعنف رفعت عينيها إليه پغضب واستأنفت حديثها في الهاتف
_ أيوة يافندم..سامعة حضرتك.
حمحم مالك وأشار بيده يطلب هاتفها
_ دي والدتي..ممكن تليفوني الشبكة عندي ساقطة.
لم تتردد سلمته الهاتف فانتزعه سريعا وهو يقول
_ أيوة ياماما.
ساد صمت قصير من جهتها ثم جاء صوتها الدافئ عبر الخط
_ إنت معاها ياحبيبي يعني كدا هتريح قلبي
انعقدت نظراتها بدهشة تبادلها مع نظراته التي انصبت عليها للحظة ثم رد باقتضاب
_ ماما أنا في شغل..وأكيد مفيش شبكة ماتقلقيش الناس.
أنهى المكالمة سريعا ثم أعاد الهاتف إليها قائلا ببرود
_ شبكة زي ماقلت.
اكتفت غادة بإيماءة صامتة بينما ارتسمت على ملامحها حيرة لم تخف عنه.
عاد إلى منزله و الڠضب يطل من وجهه كشرر..وقف أمامها متجهما وقال بصوت ينضح انزعاجا
_ ممكن أعرف كنتي عايزة توصلي لإيه انسي اللي في دماغك خالص.
لكنها لم تتراجع بل تقدمت نحوه بعينين متحديتين
_ اسمعني ياابن عثمان..أنا رحت بيت السيوفي النهاردة وشفت البنت.. عجبتني غير عيلتها يعني دي متأكدين من حسبها ونسبها وطبعا فاهم قصدي وأنا دلوقتي اللي بقولك يا مالك لو مافكرتش في حياتك أنا اللي هسافر عند خالك..وساعتها انسى إن ليك أم.
رمته بكلماتها الحاسمة وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب عليها يومين كاملين قاطعته 
في اليوم الثالث كان يقود السيارة بصمت يراقب غادة متأثرا بكلام والدته الذي ظل يتردد داخله..استمع إلى حديث غادة عبر الهاتف تقول بصوت حزينا مليئا بالرفض
_ آسفة ياحبيبتي..لا ماليش في جو الحفلات ده.
تبعها تنهيدة موجعة
_ روحي إنتي وخدي الورد معاكي..أنا مش بتاعة الحاجات دي..وبعدين أفراحهم مابحبهاش كله لبس مكشوف واختلاط قذر..لا مقدرش.. مقدرش أحضر فرح زي ده.
أنهت المكالمة بعد حوار طويل بينما عيناه تتابعانها بصمت لحظة سكون كسرتها كلماته التي خرجت عفوية مترددة
_ إيه اللي يخلي بنت محترمة تحضر أفراح زي دي آسف..سمعت الحوار من غير قصد.
رفعت رأسها إليه نظرة عميقة ترتسم في عينيها وقالت بنبرة صادقة
_ يمكن مش فاهمين إن ده غلط.. وفاكرينه مجرد حفلة..أحيانا يامالك الواحد مابيكتشفش غلطه إلا بعد مايخسر حاجات حلوة.
اجابها بشرود وكأن الكلمات تخرج من چرح لم يلتئم
_ عندك حق..ساعات مابنحسش إننا غلط إلا لما بنخسر.
ساد صمت قصير ثم الټفت إليها وقال بصوت منخفض مثقل بالاعتراف
_ سألتيني مرة حبيت قبل كدا
رفعت عينيها لتلتقي بعينيه فأومأ برأسه وقال
_ حبيتها..وسرقتني..يوم فرحنا هربت مع صاحبي ومعاها كل فلوسي..والدي ووالدتي كانوا رافضينها بس ماسمعتش كلامهم..ودفعت التمن.
شهقت غادة وقد وضعت كفيها على فمها من هول الصدمة بينما هو ابتسم بمرارة وأكمل
_ وبنت عمي كمانيعني عملت حبيبة علشان فلوسي وسلطتي.. ومش بس كدا ..اتجوزت وعملت فرحها بفلوسي.
أطلق ضحكة جافة ممزوجة بالقهر لكنها سرعان ماتلاشت..بعدما همست غادة بأسف عميق
_ أنا آسفة..بس صدقني هي ماتستاهلش واحد زيك..يمكن ربنا نجاك منها مش مهم الفلوس.
نظر إليها نظرة طويلة ثم قال بسخرية حزينة
_ زي ماربنا نجاكي من طارق كدا.
هزت رأسها بهدوء وصوتها خرج وديعا
_ يمكن الظروف مختلفة..بس أنا اللي غلطانة مش طارق.
_ وياترى اتعلمتي إيه
سألها بعينين تبحثان عن الحقيقة.
تنهدت ونظرت إلى النافذة كأنها ترى حياتها في الخارج
_ كتير..أولها إن الحب نصيب والحياة نصيب..وكل ماتكون حياتك برضا ربك هتحس إنك بخير حتى لو خسړت. ومهما كان الحب بريء..من غير رابط يفضل غلط..
________________________________________
طارق نقطة سودا في حياتي وبحاول اصلح من نفسي عارفة اني غلطت بس مين فينا معصوم من الغلط المهم مانتمداش فيه
اومأ لها بإعجاب من حديثها
مرت أيام قرر بعدها أن يتقدم لخطبتها إرضاء لوالدته أولا ولأنه لمس فيها التغيير ثانيا.
وفي اليوم التالي لزيارتهم الرسمية خرجت غادة لتجده بانتظارها..توقفت أمام السيارة لكنه لم يكترث لوقوفها.. ترددت لحظة ثم فتحت الباب وجلست بجواره تحدق فيه
_ إزي حضرتك يامالك باشا
أجاب وهو يتظاهر بالانشغال بكاسيت السيارة
_ أهلا أستاذة غادة..مش قاعدة في مكانك ليه
شعرت بضيق من بروده فهتفت بانفعال
_سيبك من مكاني وقولي يعني إيه اللي سمعته دا كل يوم بركب معاك ومش قادر تقول كلمة
أدار عينيه إليها ببرود مصطنع
_ كلمة إيه هو في حاجة
ضغطت على أسنانها غيظا بينما هو كان برؤية ڠضبها الصريح.. تحرك بالسيارة والجو مشحونا بينهما حتى توقف فجأة بجانب الطريق..الټفت إليها بجدية
_ ماحبتش نتكلم في حاجة من ورا والدك..إنتي أمانة ..اللي سمعتيه مني كان مجرد حاجات عن حياتي قبل أي خطوة رسمية.
انغرست عيناه بأعينها وأردف بصوت أكثر صلابة
_ بس لازم تفهمي حاجة كويس..أنا إنسان صعب مابسمحش بالغلط وما بغفرش بسهولة..لو قلبك لسه متعلق بحد يبقى انسي
توقف عند كلماته الأخيرة وعيناه تخترق ملامح وجهها..
قاطعته بسرعة وكأنها تريد أن تخرس كل مخاوفه
_ أنا موافقة يامالك..بس عايزة أقولك حاجة..اللي قدامك دي بتتأسف لنفسها قبل أي حاجة أنا قلبي نضيفوأكيد إنت فاهم قصدي مش عايزة في وقت من الأوقات تبقى في نظرة شك في عينيك إني ممكن
الټفت برأسه إليها سريعا عينيه هذه المرة أهدأ لكن أكثر صدقا وقال بلهجة حاسمة
_ وأنا لو كنت شاكك فيكي كنت مستحيل أتقدم..أنا بس عايز أفهمك حياتنا هتبقى إزاي لو حصل نصيب..إن شاء الله أكون الشخص اللي تلجئي له أول واحد.. حتى قبل والدك أكيد فاهمة قصدي.
تابع حديثه أكثر دفئا رغم صلابته
_ وممنوع نخبي عن بعض حاجة..أنا مش هضحك عليكي ولا أزوق كلامي.. أنا محتاجك..وإنتي كمان محتاجاني محتاجين نصلح ماضينا سوا.
ظلت تحدق فيه للحظات ملامحها بين الخۏف والارتياح بينما ابتسامته الخاڤتة كسرت التوتر القابع بينهما. كان المشهد كأنه بداية عهد جديد ليس فيه أقنعة ولا مجاملات فقط صدق وجراح قديمة تحاول أن تلتئم.
عودة للحاضر 
بمنزل الياس
دلفت بخطواتها الصغيرة بعدما طرقت الباب واذن لها بالدخول 
بابي حضرتك فاضي مامي بتراجع مع يوسف وانا فيه حاجة مش فهمها في Religion
خلع نظارته وأشار إليها
تعالي ياشمسي 
خطت إلى أن وصلت إليه رفعها فوق مكتبه وازاح خصلاتها المتطايرة فوق وجوهها 
مش قولنا الدين اسمه دين ..
هزت كتفها للأعلى وتحدثت بطفوليتها
دي تربية دينية يابابا مش الدين مامي قالت الدين بيخصنا في 
رفعت كفها تعد على أناملها الصغيرة
الصلاة..ودي اهم حاجة..حاجة كبيرة اوي وبعدين الصوم وبعدين الزكاة وبعدين الحج
غلط يابنت إلياس ..ماما اللي قالت لك كدا 
هزت رأسها بنعم زم شفتيه وهو يفتح كتابها 
اهي امك دي عايزة تاخد درس معاكي 
واو..ليه ماما هتروح المدرسة تاني بس هي كبيرة اوي 
بطلي كلام وقولي ايه اللي عايزة تعرفيها وصدعتيني من قبل ما تسألي 
قلبت بصفحات الكتاب إلى أن توقفت على حديث النبي صلى الله عليه وسلم 
قال رسول الله ﷺ
أربع من كن فيه