شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد


هلف وأدور عليك يا أرسلان... اتمنيت بعد جواز يوسف إن بلال يتجوز واحدة من البنات سواء شمس أو رولا..علشان العيلة محبتش بنتي تخرج برة وموضوع حمزة قلب علي المواجع رغم فرق السن اللي بينه وبين شمس بس دا ابن عمها..ومهما حصل بينهم مش هيجرحها ولا هيقول لها أمك ولا أبوكي وخصوصا بظروفنا دي.
توقف لحظة وكأنه يزن كلماته قبل أن يرميها 
بس معرفتش أوصلها له إزاي... خصوصا بعد علاقته بشمس وتعلق شمس بابن إسحاق ورولا اللي هو شايفها أخوية أكتر من أي حاجة تانية.
انخفضت نظرات أرسلان نحو الأرض وكأنه يحاول إيجاد جواب لم يخلق بعد 
_طيب وبعدين
أشار إلياس بإصبعه 
بعدين دي عند ابنك..هل الجواز دا تحسين لصورتها قدام المستقبل ولا حصل مشاعر بينهم..هل بلال شايف إ ولا بيختارها
ابتلع أرسلان ريقه بصعوبة والصراع بدا واضحا في صوته 
_خلاص هشوفه وهرد عليك.
ترد علي قبل مانروح ليزن علشان نعرف هنقول إيه.
هز رأسه بتعب ثم نهض بخطوات أثقل مما يحتمل جسده كأنه يجر قلبه خلفه.
بعد فترة طويلة من الشرود ظل أرسلان جالسا في حديقة منزله يحدق في الفراغ وكلمات إلياس ماتزال ټخنقه كحبل يلتف حول عنقه..عقله غارقا فقط في سؤال واحد 
هل يستطيع ابنه أن يكون رجلا رجلا بحق..
اقتربت غرام وهي تحمل فنجانين من القهوة ابتسامة خفيفة على ثغرها 
_عملت قهوة نشربها سوا من زمان قوي مقعدناش قعدة صافية.
رفع عينيه إليها پضياع كأنه يسمع ولا يفهم..كل مايشغل ذهنه كان أثقل من أن يشاركه مع أحد.
مالك يا أرسلان
الټفت إليها..نظرة واحدة لرجل ينهار بصمت لحظات صمت خانقة ثم همس بصوت مخڼوق 
_مفيش..مش كنتي رايحة لضي
ابتسمت بخفوت 
_أه كلمتني وقالت هتروح مع شمس يعملوا شوبينج.
أومأ لها بلا كلمة بقيت تحدق به لحظات ثم ضاقت عيناها شكا 
_إلياس قالك حاجة زعلتك مش المفروض كنت رايح تكلمه في موضوع بلال
أخرج تنهيدة طويلة..تنهيدة تحمل ثقل مايشعر به 
_كلمته وقالي موافق بس قالي اتأكد من قرار بلال...مينفعش يرجع بعد كده في كلامه إحنا أهل والرجوع بعد الموافقة هيشتت العيلة.
هزت رأسها باقتناع ثم قالت بصراحة لا تخلو من القلق 
_مش هضحك عليك قرار بلال فاجئني خصوصا وإحنا عارفين دلع رولا وعصبية بلال بس دي حياته مقدرش أتدخل مدام هو حابب البنت خلاص.
مرر يده على وجهه بقوة وكأنه يحاول أن ېحرق الأفكار التي تنهشه كان الصمت داخل صدره صړاخا يشتعل ويأكل كل شيء.
_ياالله..كيف يتحمل أب جرما كهذا جرما يأتيه من شخص هو أقرب له من أنفاسه...
كيف يتعايش مع سر قادر على أن يعصر قلبه حتى الرماد
تمتمت غرام بقلق وهي ترى ملامحه تتمزق 
_أرسلان..فيه إيه وليه شكلك كده
أغلق عينيه بشدة 
_غرام عندي صداع صدقيني مش قادر أتكلم دلوقتي.
ولكن قطع اللحظة صوت بلال 
_حضرتك طلبتني يا بابا
رفع أرسلان رأسه ببطء...دقق النظر في وجه ابنه طويلا نظرة فاحصة..نظرة أب يحاول أن يقرأ أبعد من الملامح يحاول أن يعرف إن كان ماسيقدم عليه ابنه هل طريق نجاة..أم طريق هلاك
أشار له بالتقدم ثم الټفت إلى غرام 
سبيني شوية مع بلال واعمليلي قهوة غير دي بردت.
تطلعت إليه...نظرة صامتة لكنها مليئة بالأسئلة كانت عيناه ترجوانها للمرة الأولى..
أومأت دون نقاش ونهضت متجهة للداخل.
وبقي أرسلان ينظر إلى بلال بصمت ېخنقه.
ساد الصمت فترة ثقيلة ونظراته تتفحص ملامح ابنه ثم قال بصوت منخفض لكنه نافذ 
_عايز أعرف كل حاجة عن موضوع رولا أنا بثق في ابني ومتأكد إنه عمره مايخذل أبوه وكمان عرفت كل اللي حصل وكبرت أوي في نظري يا بلال..بس دا مايمنعش إنك تقولي إنت ناوي على إيه
توترت نظرات بلال ومرر أصابعه بقلق في خصلاته قبل أن يهمس 
_مش فاهم حضرتك تقصد إيه
تنفس أرسلان بعمق ثقيل ثم قال 
_أنا وعمك عرفنا اللي حصل لرولا.. ومقدرين موقفك بس لازم أفهم طبيعة الجواز دا.
أطرق بلال برأسه قليلا وقال بصوت خرج مزيجا من الحذر والصدق 
_بابا..الأول دا مش جواز وبما إنك عرفت فالموضوع كله إنقاذ للموقف علشان محدش يكسر عمي يزن ولا رولا.
ودا اللي قلته لعمو يزن هو في الأول رفض بس أنا ويوسف أقنعناه..
ومحدش غيرنا كان هيعرف ولا كنا عايزين حد يعرف.
رفعت كلمات بلال شيئا من قلق أرسلان لكن لم تطفئ الڼار في عينيه 
فقال بحدة هادئة 
_بس دا مش صح يا بلال.
تحرك بلال من مكانه وكأنه يبحث عن الكلمات 
_الكلام دا يا بابا لو أنا عايز أتجوزها بجد إنما أنا مش شايفها غير إنها أخت..مش شايف فيها زوجة ولا حبيبة.
أمال أرسلان رأسه قليلا 
_ويوسف ما كان شايف ضي كده 
هل علاقته بأختك زي ماإنت شايف رولا هل هيفضل شوية ويطلقها
تسمرت عينا بلال واتسعتا پصدمة مكتومة فشهق بخفة كمن لم يتوقع الضړبة 
_لا طبعا...على ماأظن علاقتهم غير.
اقترب أرسلان بنظره منه يضغط على موضع يعرف أنه مؤلم 
_ليه يا دكتور مش كان الجواز إنقاذ للموقف علشان يوسف مايسافرش 
هو ماقلكش حاجة عن حياته مع ضي
تجمد بلال وتسابقت دقات قلبه مع صمته..ثم رفع وجهه شاحبا وكأن والده يصفعه بشيء غير واضح 
_لا يوسف غيري وأنا حاسس إنه بيحب ضي فعلا.
مسح وجهه بكفه پعنف 
_لا. مش عارف يا بابا.
أومأ أرسلان برأسه بأسى ثقيل 
_أكيد مش هتبقى عارف لأنك ما تختلفش عنه.
ارتفع صوت بلال قليلا لكنه ظل متزنا 
_بابا رولا أخت زيها زي ضي.
تغير وجه أرسلان كأن الكلمات أوجعته من الداخل 
_اللي بتقوله دا ماينفعش يابن أرسلان 
أنا شكلي قدام يزن إيه وإنت ناوي تطلق بنته 
..والبنت صغيرة تطلع مطلقة بعد فترة إزاي يتقبل دا
تراجع بلال خطوة وصوته خرج مكسور الإرادة 
_طب مطلوب مني إيه دلوقتي
سأله أرسلان بصراحة جارحة 
_يعني مفيش أمل تتجوزها 
قالها بلال بسرعة دون تردد وكأنه يخشى أن يلين قلبه إن تأخر 
_لا.
ثم وقف وثقل القرار يهبط على كتفيه.. وقال 
_يوسف كان هيكتب عليها..وكان هيعمل اللي أنا هعمله 
بس أنا رفضت علشان ضي..
فالموضوع مش محتاج ترتيبات
_يعني الكلام هيكون مع يزن على أساس فترة
_أه يابابا وكلامي مش هيتغير. 
_تمام يا بلال..روح شوف شغلك
داخل منزل يزن وخاصة مكتبه..
جلس يزن خلف مكتبه بظهر منحني قليلا وكتفاه يهبطان مع كل زفير كأن روحه تسحب منه بالتدريج.
دخل إلياس بجوار أرسلان بخطوات هادئة لكنهما لم يستطيعا تجاهل ملامح يزن...تلك الهزيمة التي لم ير مثلها على وجه رجل مثله.
جلس إلياس أمامه يتأمله لحظة..ثم قال بصوت خاڤت 
_يزن..أنا آسف منكرش عرفت الموضوع من فترة بسيطة بس كنت بتأكد من شوية حاجات.
لم يرفع يزن رأسه فورا..ظل ينظر إلى نقطة ثابتة بالغرفة كأن الإجابة تحتاج قوة لم تعد لديه.
ثم قال بصوت مبحوح متشقق بالحزن 
_للأسف يا إلياس اللي حصل حصل مبقاش ينفع نعمل حاجة.
تبادل إلياس أنفاسا ثقيلة ثم قال 
_طيب...ورأيك إيه في قرار بلال 
إنت موافق على الجواز دا
هو بيقول فترة وكل واحد يرجع لحياته...دا هينفع
هنا
فقط رفع يزن عينه إليه ليست عين رجل.. بل عين أب كسرت إحدى ضلوعه.
هز كتفه ببطء بصوت يخرج وكأنه يخشى أن ينهار إذا تكلم أعلى 
مضطر أوافق.
مرر كفه على وجهه وابتلع دموعا تأبى الاحتمال..
ثم تابع مخټنقا 
_لو عندك حل تاني قولي..
أروح أتحايل على رؤى عشان تقولي مين عمل كدا طب بعد كدا 
ضړب بيده على صدره بخفة كأنه يطعن نفسه 
_إنت ترضى
اهتز صوته ونزلت حدة نظره إلى الياس 
_أنا عندي تفضل طول حياتها كدا...
قاطعه أرسلان لحظة والنيران تشتعل في قلبه ثم قال بنبرة ثقيلة 
_يزن صح.
أنا متأكد إنهم عملوا كدا ..ومش بعيد يطلعوا يهددوا بحاجة تانية بعد كدا.
تشنج فك يزن ثم مد يده إلى درج مكتبه فتحه ببطء كأن كل حركة تحتاج إرادة يصعب تجميعها..أخرج ورقة مطوية ويداه ترتجفان برعشة واضحة وضعها أمامهما 
_دي الورقة اللي بلال لاقاها معاها الليلة دي
ارتجفت شفته السفلى فشد عليها بأسنانه ليحافظ على ماتبقى من تماسكه..
وأضاف بصوت بالكاد يسمع 
والاسم اللي جنبها اسم مش موجود رحيل دورت...أنا كلمت ناس كتير 
بس في الآخر قولت مش هدور تاني.
توقفت أنفاسه نصف ثانية ثم أشار بإصبعه المرتعش إلى التوقيع
الإمضاء مطبوع مش بخط إيدها.
ثم أغلق عينيه لحظة طويلة لتنزل دمعة واحدة سريعة مسحها بيده قبل أن يروها.
لقد حاول أن يكون قويا...لكنه لم ينج من أن يكون أبا مكسورا.. 
_بلال صح..نجوزهم فترة وكل واحد يرجع لحياته مستحيل أمنها لحد تاني أخوها ميعرفش حتى ميرال لما جت تسألني..ماعرفتهاش.
توقف أرسلان وسكب بعض المياه وقدمها إليه ثم قال 
_ووعد مفيش حد غيرنا يعرف ولا حتى غرام هقولها حاجة رولا زيها زي ضي..وأنا بوعدك هجيبه وتاخد حقك منه
كان إلياس يستمع إليهما بصمت إلى أن قال 
_لو كنت ناوي تروح لها بلاش أوعى تعبرها بكرة هروح لها وأشوف أخرتها إيه.
عند رولا ويوسف..
دلفت معه إلى أحد المقاهي المطلة على النيل جلست بصمت بينما هو يحاول أن يلتقط أنفاسه 
_تشربي إيه
_أي حاجة..مش فارقة.
حل بينهما سكون ثقيل لا يسمع فيه سوى ارتطام الماء بحافة النهر..ظل كلاهما يحدق في صفحة النيل إلى أن قطع يوسف ذلك الصمت المخڼوق 
_يوم مابابا فرض علي جوازي من ضي..كنت حاسس زي اللي اتكتب عليه الإعدام الدنيا ضاقت بيا وكل ماموعد الفرح يقرب...قلبي يتقبض وكأن حد بيطفي نوري بإيده كنت بسأل نفسي إزاي أتجوز واحدة مش شايفها غير إنها أختي
تنهد بعمق قبل أن يكمل 
_مع إن شخصيتها كانت عاجباني... بس القلب له أحكام تانية وإنتي شايفة مكنش
بينا حياة أصلا.
كانت رولا تستمع إليه بإنصات حقيقي كأنها تستعيد معه أطياف الماضي المؤلم..الټفت هو إليها فجأة 
_فيه فرق كبير بين حد تشوفيه قريب وزي أخوكي وبين إن نفس الحد دا بعد فترة يبقى ملكك حياتي اتقلبت مليون درجة..حاولت أقبل فكرة إنها مراتي وإن دا أمر واقع..لحد مابقت ضي هي الحياة ذاتها.
ارتسمت على ملامحه ابتسامة هادئة دافئة 
_رغم جنانها...رغم قوتها...سكنت روحي ساعات بسأل نفسي إزاي البنت اللي كانت زي أخت تبقى واخدة كياني كله!
أفلتت منه ضحكة خفيفة والذكرى تلمع في عينيه 
_حبيتها بكل حالاتها وبقيت مستعد أتنازل وأسيب شخصيتي كلها تتكسر بس ماشوفش دموعها المهم أشوف ابتسامتها.
تنهد وعاد ينظر إلى النيل الذي يشبه داخله 
_أنا بحكيلك كدا علشان أقولك شوفي إحنا كنا فين وبقينا فين ليه أنتوا كمان متبقوش زينا
هنا انفرطت كلمة رولا كأنها حجر سقط في قلبه 
_يوسف...بلال فيه واحدة في حياته.
رفع رأسه إليها بسرعة و تغير وجهه بالكامل كأن صاعقة ضړبته 
_إيه اللي بتقوليه دا!
لم تستطع أن تمنع ابتسامتها الحزينة من أن تظهر...تلك الابتسامة التي تولد من الخذلان لا الفرح 
_شوفت في جيب البالطو بتاعه سلسلة لبنت وفيها صورتها ومكتوب عليها كارما.
صمتت بعد كلماتها...بينما شهقة غير مسموعة علقت في صدر يوسف لا يعرف إن كانت دهشة أم خوف على صديقه...أم خشية مما سيأتي بعدما علم بمن تكون. 
رفع عيناه إليها 
_حتى لو زي مابتقولي فيه قدامكم فترة مش يمكن.. 
قاطعته سريعا 
_ممكن مانتكلمش في الموضوع دا. 
_رولا فيه حد في حياتك 
لمعت عيناها بالدموع وقالت 
_حتى لو..هل لي الحق إني أحب