شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد


التقطته عينا بلال حتى سحبها 
خلاص..خلاص مشي..اهدي.
لكنها لم تستطع الوقوف..ف
مش..مش قادرة..أقف.
وسحب كرسيا بيد مرتعشة من العجلة وأجلسها بلطف ثم أسرع وقدم لها كوب ماء
اشربي..خدي نفس يلا.
ارتشفت رشفة صغيرة كأن حلقها يشتعل
قلبي دقاته سريعة مش قادرة أتنفس.
تمام اهدي ركزي معايا.
ساعدها على التمدد فوق فراش المرضى وماإن استلقت حتى ازداد ارتجاف جسدها وعلت شهقاتها حتى انقطع صوتها تماما..حاولت الكلام فخرج الهواء بلا حروف.
نبضك سريع قوي..كارما ركزي خدي نفس ببطء.
لكنها لم تسمع...لم تعد قادرة كان الهلع يبتلعها.
فك بلال حجابها دون تردد وهو يلاحظ انقباض كتفها وتشنج عضلاتها
كارما..اسمعيني لو سمحتي اتنفسي بالراحة اهدي..أنا هنا.
كانت عيناها زائغتين لا ترى سوى صدى ټهديد طليقها يتردد في أرجاء عقلها ثبتها بيده الأخرى ثم غرز الإبرة المهدئة بلطف محسوب.
بعد ثوان بدأ ارتجاف جسدها يخفت..وصوت شهقتها يهدأ..حتى استسلمت جفونها وغفت كمن نجت لتوها من مۏت محقق.
تنفس بلال أخيرا بعد أن هدأت أنفاسها وجلس على المقعد المجاور للفراش..راح يتأمل ملامحها الشاحبة بنظرة امتزج فيها القلق والحزن مد يده إلى هاتفه وهم بطلب رقم أستاذه لكن تذكر سفره للمؤتمر الطبي أعاد الهاتف إلى كفه ساكنا.
نهض بعد برهة وخرج إلى الممر يتابع مايدور حوله
من همسات..أصغى رغما عنه
هي هربت من جوزها 
لا هو اللي مريض نفسي وبيعذبها!
أنا أعرفها..كانت أيامها سودة معاه.
كلمات الممرضات كانت كالسكاكين بعضها يشوه الحقيقة وبعضها يلامسها لكنه كله كان يزيد غضبه اشتعالا.
عاد باتجاه الغرفة لكنه توقف فجأة حين اصطدم بجسد صلب أمامه..رفع بلال رأسه وصوت أنفاس الآخر كانت كزئير.
نعم
سألها بلال ببرود مصطنع رغم التيبس الذي غزا ظهره.
فين كارما
جاء صوت أسامة أجشا كمن ابتلع جمرا.
رفع بلال حاجبه بسخرية لم يستطع كبحها
كنا بنتمشى أنا وهي على الكورنيش...
ولم يكمل الجملة حتى انقض عليه أسامة فجأة وقبضة تطبق على عنق بلال..تحولت عيناه إلى شرر متطاير والڠضب يتقافز كالۏحش في صدره
أدفنكوا
اختنقت أنفاس بلال واتسعت عيناه ويده تحاول عبثا فك القبضة الحديدية..ركضت الممرضات وعلت صرخاتهن تستدعي الأمن.
دفعه أسامة فجأة بقوة فارتطم بلال بالجدار يسعل باڼهيار وهو يحاول سحب الهواء من صدر يكاد يختنق..لم ينتظر أسامة أن يلتقط أنفاسه بل زأر
تنفس بلال أخيرا بعمق متقطع ومسح على عنقه بتأوه خاڤت قبل أن ېصرخ في وجه الأمن الراكض
الراجل دا..لو دخل المستشفى تاني... كلكم هتتقدموا للتحقيق!
كانت نبرته حادة حاسمة كأن خنقة أسامة أشعلت داخله شيئا لم يكن موجودا قبل دقائق.
بمنزل أدم قبل قليل
دلفت تحمل كوب قهوته نظرت إليه للحظات كان غارقا في عمله محاصرا بأوراق مبعثرة فوق مكتبه يطارد تركيزه على تصميم بين يديه.
اقتربت تضع الفنجان أمامه
_عملت لك قهوة يا حبيبي.
رفع رأسه ببطء و نهض قليلا تناول الفنجان وقال بابتسامة دافئة
_تسلم إيدك يا حبيبتي.
جلست أمامه تتأمله بعين أم ترى مالا يراه الآخرون ترى التوتر يثقل كتفيه ترى الانتظار يضغط على صدره وترى الخۏف الذي يحاول إخفائه خلف هدوء مصطنع.
تنفست بعمق كأنها تجمع شجاعتها
_بابا راح بيت الشافعي علشان موضوعك...
أومأ لها بابتسامة وقال 
_عارف.
بس فيه حاجة لازم تعرفها.
ترددت لحظة ثم تركت الكلمات تتساقط ببطء عليه
_حمزة الچارحي..ابن إسحاق الچارحي أكيد ماتعرفوش..بس دا راجل مهم جدا كان في المخابرات وليه وزنه...وابنه طيران حربي وعرفت إنه بيحب شمس .
ارتعشت ملامح رائد للحظة لا تكاد ترى لكن التقطتها إيلين فالأم لا تخطئ اهتزاز القلب في عيون ابنها.
شد على فنجانه حتى ارتعشت مفاصله لكنه تماسك وقال بصوت يخفي تحت هدوئه عاصفة
_المهم هي يا ماما شمس..وبعدين على كلامك إن إسحاق دا راجل كبير... طيب ليه عمو إلياس رافض
هزت رأسها بأسى وكأنها تخشى أن تكون الحقيقة موجعة أكثر مما يظن
_معرفش يا حبيبي..كل اللي أعرفه قولته بس أهم حاجة لو محصلش نصيب مايبقاش دا عيب فيك..يمكن ربنا كاتبلك قدر تاني..حد تاني.
سقطت كلماتها على قلبه كحجر ثقيل.
خفض عينيه قليلا كأنه يهرب من فكرة أن تنتزع منه الفتاة التي أحبها قبل أن يملكها.
ثم قال بصوت متماسك رغم أن نبضه كان ېكذب ذلك
سيبي الموضوع نستنى ونشوف بابا هيقول إيه.
كانت إيلين تراقب ملامح ابنها التي رأت كل شيء
القلق...الرغبة...الخۏف...
وتلك الشرارة التي تشتعل في صدر الرجل حين يشعر بأن قلبه عاشق حد الثمالة.
بغرفة مصطفى
جلس إسلام إلى جوار والده يقص عليه ماجرى في الأسفل ونبرة الحزن تتسلل من بين كلماته
_يعني الواد قال مستعد يضحي بوظيفته
أومأ إسلام وعيناه تحملان من الأسى مايفوق ماينطق به لسانه
صعبان عليا كسرة إلياس يا بابا... هيفضل يخسر بسبب عمه لحد إمتى
تنهد مصطفى وصوته خرج واهنا يعكس تعب الجسد وحكمة العمر
_نصيبه يا إسلام...الحياة أقدار يابني متوزعة علينا بالعدل اللي إحنا مش شايفينه.
قاطعهم دخول ملك تحمل ابتسامة جميلة
_مين جه لجدو
ركض الطفل إلى فراش مصطفى يعتلي السرير بحماس
_جدو...حبيب إلياس.
ابتسم مصطفى رغم الإرهاق يشير له بيده المرتعشة
_حبيب جدو تعال هنا.
وفي تلك اللحظة ظهرت فريدة عند باب الغرفة وجهها لوحة كاملة من الحزن المكبوت.
تبع مصطفى خطواتها بعين تعرف التعب كأنه يحاول أن يخفف عنها قبل أن تتكلم
_ساعتين يا فريدة..تنسي فيهم مصطفى.
رسمت ابتسامة مکسورة أشبه بضحكة تحمل ۏجعا أكثر مما تحمل سعادة
_معلش يا حضرة اللوا...قولت يمكن زهقت مني.
أشار لها لتجلس إلى جواره ثم الټفت إلى إسلام وملك
_قوموا روحوا. مش كنتوا عايزين تمشوا
نهض إسلام ضاحكا بمحاولة منه ليهون صعوبة الموقف
_بتطردنا دلوقتي يا درش
لكن أسرع الطفل ورفع ذراعيه يتشب
جدو...جدو...هترجع البيت إمتى
رفع مصطفى كفيه 
_قريب يا حبيب جدو...خلي بالك من أختك ومن ماما لحد ماجدو يرجع
_حاضر..أنا هكون ظابط وأحميهم كلهم.
ابتسم مصطفى والحنان يغلب الإرهاق
_إن شاء الله يا حبيب جدو.
كانت فريدة تتابعهم ودموعها تلمع على وشك السقوط.
مدت ذراعيها للصغير بصوت متحشرج
_ومش هتحمي تيتا يا الياس
توقف الطفل وفكر قليلا ثم وضع إصبعه على ذقنه كما يفعل الكبار
طبعا يا تيتا أنا قولت لعمو إلياس... عايز مسډس زيه علشان لما أكبر أبقى ظابط وأحرسكم كلكم.
ضحكت فريدة رغم دموعها
إن شاء الله يا حبيبي إن شاء الله.
بغرفة شمس
دلف إلى الداخل بعد طرقات خفيفة وقف عند العتبة لحظة وابتسم بخفة وهو يرى زوجته تجلس على يمين شمس ووالدته على يسارها.
فقال بنبرة رخيمة
مساء الخير يا سيدات الشافعي.
تمتمها وهو يقترب فنهضت ميرال تستقبله بعينيها أولا
الضيوف مشيوا
أومأ لها دون أن يزيح بصره عن شمس ثم قال
إلياس تحت بيدور عليكي شوفيه عايز إيه.
أفلتت ميرال ضحكة صغيرة مصډومة من طريقته وردت
طيب يابن إلياس ماتروحش أنا عايزة أتكلم معاك.
هز كتفيه
أنا مش فاضي لما أشوف التايم تابل بتاعي.
ثم أدار رأسه نحو ضي التي تتابع المشهد بابتسامة
ضي شوفي لها ميعاد كده..شكلي هضطر أتنازل وأقعد معاها.
لكزته ميرال بكتفه بغيظ تحاول أن تخفي ضحكتها بينما قهقهت شمس على كلمات أخيها.
اقترب منها جلس بجوارها ثم مد يده لأخته
يلا يا ميرال مش فاضيين..عايز أشوف الشمس مالها غايبة عني ليه
تجمدت شمس لوهلة. سالت دموعها فجأة..بلا استئ
رمق والدته بنظرة مطمئنة خفيفة يخبرها بصمت أن تطمئن.
خرجت ميرال بينما جلس 
_كدا وقعتي قلبي كنتي بټعيطي ليه
_تعبانة أوي يا يوسف معرفش إيه اللي بيحصل. 
أزال دموعها
_طيب ممكن أعرف سبب الدموع دي إ الچارحي يا شمس 
هزت رأسها باڼهيار
_أبدا والله أنا بس عايزة أعرف إيه السبب في الرفض 
_طيب ليه إنتي موافقة عليه شايفة ينفع إنك ترتبطي دلوقتي إنتي لسة صغيرة.
نهضت تفرك كفيها وابتعدت بنظراتها عنه
_مين قال إني عايزة أرتبط أنا أصلا مش موافقة هو بس صعبان عليا.
_صعبان عليكي إزاي يعني حبيبتيممكن نهتم بمذاكرتنا ونخلص كليتنا الأول.
أشار إلى ضي وتابع حديثه
_شوفتي ضي ارتبطت قبل ماتخلص 
_أنا تعبانة وعايزة أنام ممكن تاخد مراتك وتطلعوا. 
_إنتي شايفة كدا 
صمتت ولم ترد عليه أومأ لها ثونهض يسحب كف ضي وخرج بهدوء
_تفتكر بتحبه
_معرفش شمس صغيرة يا ضي وممكن مشاعرها تكون متقلبة المهم انزلي تحت هشوف ماما وألحقك.
_هعدي على بابا لحد ماتخلص.
أومأ لها ثم اتجه إلى غرفة والدته 
دلف بعد السماح 
_فاضية يا ميرال ولا أرجع 
ابتسم قلبها قبل عينيها تشير إليه بعدما نزعت حجابها..جلست وأشارت إلى ساقيها 
_تعال من زمان معملتش مساج.
_بس أنا مش مصدع.
_بالراحة هو إلياس مظبط اللياقة
ارتفعت ضحكاتها بحنان أمومي
_عامل إيه حبيبي من وقت فرحك والمصاېب فوق دماغنا.
_على فكرة أنتوا اللي بتوع مصايب أنا فرحي ابن ناس. 
قهقهت حتى دمعت عيناها..رفع عيناه ومازال متمددا أمامها
_بتكوني قمر وحياة إلياس اضحكي على طول. 
تنهدت ونظرت لداخل عينيه
_عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم. 
أنصت يستمع إليها باهتمام بعدما اعتدل..ترددت للحظات ثم نظرت في عينيه
_ليه ماتممتش جوازك من مراتك حبيبي 
شعر بأن الارض تدور حتى فقد أنفاسه مع دخول إلياس على كلمات ميرال توقف للحظات وكأن صاعقة هزت كيانه هل يعقل أن ابنه لم يتمم زواجه بعد أكثر من شهرين!
عند بلال 
خرج من المشفى متجها إلى سيارته استقلها مع رنين هاتفه
_حمد الله على السلامة يا حضرة المحامي النابغة.
_وحشتني يا ببلاوي لسة نازل من العربية قولت أكلمك قبل ماأدخل بيتنا شوفت أنا صديق جدع إزاي 
قاد السيارة متجها إلى منزله وهو يتحدث بهاتفه فجأة توقفت سيارة بها بعض الشباب أمامه..
عند حمزة 
خرج من منزله ورفع هاتفه
_قدامي خمس دقايق وأكون قدام البوابة انزلي
لازم نتكلم. 
_لو سمحت يا كابتن مينفعش اللي بتعمله دا. 
_شمس لو مانزلتيش هطلع لك بطريقتي. 
نظرت للهاتف الذي أغلق ارتجف قلبها بعدما توقف عقلها عن التفكير لحظات و ارتدت ثيابها وخرجت من البوابة الرئيسية للكمبوند تحركت إلى سيارته وصعدتها 
_ممكن أعرف إنت عايز توصل لإيه 
قاد السيارة ولم يرد عليها مع نظرات الړعب التي تجلت بملامحها.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
في صمت الليل يهمس القلب بأسرار لا يسمعها العقل
وتبكي الروح على شيء لا يراه أحد سوانا.
كان بين القلوب شعور هادئ مثل نسيم الصباح
يلتقي الحنين بالابتسامات وتصبح اللحظات أطول من الزمن.
لكن الحياة تفرض قيودا لا نفهمها
فتتردد القلوب بين الاقتراب والانكسار
ويصبح الحب كرقصة على حافة الظلال بين الأمل والخۏف.
وفي النهاية يفرض القدر ما لا يختاره القلب
ويبقى الحب القديم ذكرى مؤلمة
بين نبضة قلب لا تملكها وهمس روح لم يسمعه أحد
ويبقى الحنين رفيقه الأبدي.
زمت شفتيها بحنق وسحبت الكرسي لتجلس في مواجهته مباشرة
_وياترى إيه المقابل يا دكتور
أسند ساعديه على الطاولة نظراته تخترق هدوءها المفتعل
_رولا عملتي في رولا إيه يا..
توقف يحبس الاسم في صدره قبل أن يلقيه كطعڼة
_يا رؤى هانم.
اشټعل صدرها كأن جمرا سقط فيه فاعتدلت تحدق فيه بعينين تغليان ڠضبا
_رؤى هانم!! دلوقتي بقيت رؤى يا يوسف مش خالتك اللي كنت بټموت فيها خالتك اللي ربتك دلوقتي بقيت مش عاجباك
اشتد فكه ونظر بعيدا وكأنه يلجم نفسه
_اسكتي مش عايز أقلب في القديم علشان ماأزعلكيش.
صفقت بيديها على الطاولة وانحنى صوتها المر
_لا يابن إلياس قلب مش إنت اللي جيت لحد عندي يبقى اسمع سمموا دماغك بإيه من ناحيتي بدل ماتوقف مع خالتك اللي بسببها بقيت راجل محترم جاي النهارده تحاسبني
رفع يده قاطعها بجفاء حاد
_أنا