شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد


باب غرفة ضي ودلفت كالتائهة تتجول بعينيها في المكان بلا وعي حتى خرجت ضي من الحمام تضع المنشفة على شعرها.
_ شمس! بتعملي إيه هنا
أشارت شمس للخارج بعفوية وقالت
هو اللي برة دا الواد التقيل اللي كان بيتريق عليا وأنا صغيرة صح
ضيقت ضي عينيها بخبث وسألتها
قصدك مين بالظبط
_ حمزة الچارحي.
ضحكت ضي رغم ما يثقل قلبها من الحزن وهزت رأسها قائلة
هو بغباوته المعهودة ودمه البارد.
فجأة اڼفجرت شمس ضاحكة وهي ټضرب كفيها ببعض
_ يخربيت الغرور! وأنا بحاول أفتكر وأشك في نفسي أقول لا مستحيل دا شكله جنتل التاني كان بيفكرني بيوسف أخويا!
تضجرت ضي بالڠضب ثم دفعتها على الفراش لتسقط عليه وسط نوبات الضحك.
خلاص خلاص يوسف أحسن منه بس بقى كفاية يا مچنونة!
لكنها أثارت جنون ضي التي التقطت وسادة وألقتها في وجهها وهي تصيح
أخوكي ولازم أربيه! وحياة قلبي لأخليه يلف حوالين نفسه!
بعد عدة ساعات
عاد يوسف إلى المنزل وصوت خطواته يتردد في أرجاء المكان الصامت. كان إلياس بانتظاره جالسا بصرامة ظاهرة وما إن خطا يوسف للداخل حتى قطعه صوته العميق
_يوسف تعالى عايزك.
تصلبت ميرال في مكانها وعيناها تتأرجحان بين الخۏف والقلق. تعرف زوجها حين يغضب كما تعرف عناد ابنها إذا استفزه أحد.
ظل يوسف واقفا في موضعه دقيقة كاملة عيناه مثبتتان على باب مكتب والده قبل أن يلتفت إلى أمه التي كانت تفرك كفيها بارتباك ظاهر.
اقتربت منه نظراته بنظرات مرتجفة
_حبيبي شوف بابا عايز إيه بس وحياة ماما عندك يا يوسف لو كلامه مضايقك انسحب بهدوء بلاش تزعلوا بعض. طبعا أنا مش هقولك باباك بيحبك قد إيه.
زم شفتيه ساخرا وهز رأسه بنفاد صبر
الموضوع أكيد يخص الأستاذة بنت عمي صح
خفضت ميرال عينيها إلى الأرض فتنفس يوسف بعمق وهو يتمتم بمرارة مكتومة
_محدش بعد كده يلومني على اللي هعمله أنا قولت قبل كده مابحبش اللي ېخنقني بقراراته. والباشا لازم كلامه يمشي.
شعرت بحرارة غضبه تتصاعد كالڼار من بين أضلاعه
حبيبي علشان خاطري لازم تهدى.
أجابها بصوت خاڤت لكنه حاد
ماما أنا دخلت طب لأن بابا قرر وسكت. لكن قرار تاني ممكن يهدني لا محدش يقولي اهدى سمعتي
_مش يمكن بابا شايف اللي انت مش شايفه
تمتم وهو يتجه نحو مكتب والده
الكل أعمى وبابا الوحيد اللي بيشوف.
دلف إلى الداخل فوجد والده يشعل سيجارته تملأ رائحة التبغ أجواء الغرفة
اقترب بخطوات هادئة وقال بنبرة عتاب خاڤتة
_كتر السجاير بيهدم الرئة يا حضرة الضابط.
نفث إلياس دخان سيجارته ببطء ثم أشار إليه بالجلوس دون أن يلتفت.
جلس يوسف متنهدا تتأرجح عيناه بين وجه والده والرماد المتساقط من سيجارته حتى فاجأه إلياس وهو يفتح أحد الأدراج ويلقي عليه صورة.
_ينفع اللي حصل دا
تجمد يوسف للحظات أمسك الصورة بين أنامله ينظر إليها بفم مذموم ونبض متسارع.
_أنا قلت لحضرتك اللي حصل ومكنش فيه داعي للصور دي... أنا مبقتش صغير يا بابا والمراقبة دي
قاطعه إلياس بحدة هادئة
_عمري ماراقبتك ليه دايما بتقول كده من وقت ما دخلت ثانوي وأنا سايبك تعتمد على نفسك بس دا ميمنعش إن عيوني عليك... مش مراقبة من أمن مراقبة من أب.
كفاية أبص في عيونك أعرف أنت فيك إيه.
خفض يوسف نظره للحظة ثم قال بصوت متعب
_أنا عمري ماشككت في اهتمام حضرتك.
نهض إلياس متجها نحو الأريكة أطفأ سيجارته في المطفأة ببطء ثم أشار إليه بالاقتراب.
اقترب يوسف مترددا جلس إلى جواره فناوله إلياس الصورة من جديد وقال
_الصورة دي
________________________________________
جت لعمك... مش ليا. بنته اتهانت من ابن عمها في الجامعة.
هل أنت راضي عن نفسك
نظر يوسف في عينيه بثبات
_أيوه راضي. ولو الزمن رجع هعمل كده تاني.
هز إلياس رأسه بعدم رضى وقال بصوت منخفض
_بصفتك إيه يا دكتور
_ابن عمها.
_ومين اداك الحق حتى أبوها نفسه رافض الأسلوب ده... وأنا شخصيا عمري ماوجهت لها كلمة تجرحها.
_بابا عايز توصل لإيه
_ترضي عمك يا يوسف.
_اللي هو إيه
_إنت أعلنت قدام الكلية كلها إنها خطيبتك.
مال يوسف للأمام ينظر في عيني والده بثقة وعناده المعتاد
_بابا أنا مبحبش ضي... بلاش تحسسني إني طفل ومش فاهم مشاعري.
ظل إلياس يراقب غضبه بذهول صامت ثم تنهد قائلا بنبرة متبدلة
_يوسف... أنت عارف أنا اتجوزت مامتك إزاي
قطب يوسف حاجبيه
_أيوه كنت قاعد وقتها لما رحت تخطبها.
انفلتت من إلياس ضحكة مرتفعة ثم تراجع يستند إلى ظهر الأريكة وعيناه تحاصره بنظرات غامضة.
_ايوة وشهدت على عقد الجواز.. تطلع اليه يوسف بصمت فتابع حديثه
_مامتك كانت أكتر شخص بكرهه في حياتي.
اتسعت عينا يوسف دهشة
_إيه!
نفث إلياس دخانا آخر ببطء ثم قال
_كنت بكرهها... علشان كنت بعشق نظرة عينيها.
رفع يوسف حاجبه مذهولا
_هو حضرتك سامع نفسك
توقف إلياس لحظة ثم نهض متجها إلى النافذة نظر للخارج وكأنه يستدعي الماضي من الذاكرة
_في يوم وليلة بابا قالي اعمل حسابك الأسبوع الجاي كتب كتابك على ميرال... ولو ماعملتش كده اعتبر نفسك مش ابني.
تجمد يوسف مكانه يستمع بصمت حتى تابع والده بصوت مبحوح 
_جه الوقت اللي كنت بهرب منه رغم إني كنت بحبها... بس مكنتش عايز أتجوزها.
الټفت برأسه نحو ابنه نظرة طويلة أنهكها الحنين وقال
_كنت مفهمها إني مبحبهاش لأسباب عمرك ما هتفهمها... بس الحقيقة
إنها كانت الوحيدة اللي بتخليني ضعيف أول ما أقف قدامها مبلاقيش إلياس بلاقي طفل... .
بس حضرتك بتحب ماما أوي... يعني الموضوع مختلف.. قالها يوسف بنبرة واثقة
ابتسم إلياس ابتسامة واهنة وقال بصوت عميق
مش يمكن انت اللي فاكر كده يمكن بتبعد عن ضي أو بتوهم نفسك إنك مش عايزها... بس علشان بتضعف قدامها
استدار يوسف سريعا يولي والده ظهره يخفي خلف كتفيه اضطرابا لا يريد إظهاره.
_أبدا يا بابا... أنا مش بفكر في الموضوع أصلا وبعدين ضي مش مناسبة ليا أسلوبها بيعصبني
اقترب إلياس منه وضع كفه على كتفه برفق أبوي وقال بهدوء
طيب اعتبرني مش بفهم... وفهمني. ليه قلت قدام الكلية كلها إنها خطيبتك إيه الغرض المقنع من كده ويا يوسف بلاش تحاول تقنعني بحاجات أنا مش مقتنع بيها.
تراجع يوسف خطوة للوراء نظر إلى والده بنظرات ممتزجة بين عناد وحيرة.
_بابا... حضرتك دلوقتي عايز مني إيه بالضبط ادخل في الموضوع على طول.
أطلق إلياس أنفاسه الثقيلة وكأن الكلمات ټحرق صدره قبل أن تخرج
_تتجوز ضي.
ساد الصمت.
توقف كل شيء في الغرفة حتى عقارب الساعة بدت كأنها توقفت لتلك الصدمة.
ظل يوسف واقفا عيناه تحدقان في الفراغ ثم بدأت أنفاسه تتلاحق كمن يحاول النجاة من غرق داخلي.
ثقل لسانه ولم يقو على النطق كأن الكلمات جمر في حلقه.
حاول أن يسحب نفسا طبيعيا لكنه شعر وكأن رئتيه تمتلئان بأشواك تمزقه من الداخل.
تراجع ببطء نحو المقعد جلس ويداه ترتجفان دون إرادة.
نظر حوله بتيه وارتباك كأن الجدران تدور من حوله ثم أخيرا تمتم بصوت واهن
_أتجوزها... مرة واحدة حتى مش أخطبها الأول
أجابه إلياس بصرامة خاڤتة وهو يثبت نظره فيه
_لأ... تتجوزها.
_بالغصب يابابا 
_مين قال كدا انت اللي حكمت تمتم بها الياس رد يوسف
_حضرتك بتحاول تقنعني بكدا
نهض الياس وتوجه الى الأريكة ليجلس عليها متكئا إلى الخلف نظراته محاصرة لابنه كأنما يزن كلماته بميزان بهدوء متعمد.. وقال بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل سلطته
_انت دكتور يا يوسف المفروض تبقى قدوة مش ولد متهور! عيب في حقك لما أكون أنا اللي أقنعك وعيب أكبر إنك تعلن قدام الكل إنها خطيبتك وترجع في كلامك بعدين. عمر الرجولة ما كانت كلمة تتسحب.. فكر في هيبتك قدام الكل انت لسة في اول طريقك قدامك شهر وتبقى دكتور رسمي مش عايز حد ياخد عليك غلطة الكلام كان في ساحة الحرم الجامعي يادكتور وانت بتحضر لرسالتك شوف اقل حاجة ممكن تتقال ايه 
انحنى الياس ينظر بعمق عيني ابنه 
_ دايما الكلمة منك تخرج بميزان ودايما رجولتك وكرامتك قدام اي حاجة.. حتى لو قلبك عصي عليك الهيبة في الرجولة والكرامة يابن الياس.. لو انسحبوا من الراجل يبقى مالوش قيمة
اشاح يوسف بوجهه عنه بصمت يخفي خلف الصمت مزيجا من الڠضب والندم والارتباك. اخرج الهاتف الذي رن بقوة ونظر إلى الشاشة ثم إلى والده بعينين مترددتين.
أشار له إلياس بيده بصرامة ناعمة
_رد.. ممكن يكون مهم.
_دا صديق مش لازم أرد.
_ولو.. ما ينفعش تطنش اتعلم تسيطر على نفسك حتى وانت متضايق.
زفر يوسف بضيق رفع الهاتف ببطء وصوته يخرج باردا
_أيوة يامصطفى
جاءه صوت صديقه من الجهة الأخرى تتخلله نبرة دهشة غاضبة
_إيه اللي شفته وسمعته دا يا يوسف كنت معاك من شوية وأدخل أشوف الأخبار دي
_أخبار إيه
_خطوبتك يا لئيم على بنت عمك! دا أنا عرفتها من السوشيال ميديا مش منك!
تجمدت ملامحه وشعر بأن الډم يفور في عروقه ثم أغلق المكالمة پعنف. فتح هاتفه وبدأ يقلب في الصور المنشورة له مع ضي والعبارات الساخرة تتطاير أمام عينيه كشرر يلسع الكرامة
من الغيرة ما ېقتل الدكاترة!
خناقة في الجامعة.. الدكتور يوسف الشافعي يهاجم طالبا بعد ما لمح بالكلام على خطيبته بنت عمه!
تصلبت أنامله حول الهاتف كأنما يخنق الغيظ بيده. نظر لوالده بحدة وصوته خرج خاڤتا لكنه مشحون بالانفجار
_تمام أنا موافق. كلم عمو وشوف هيقول إيه بس بعد ما أخلص الدكتوراه
استدار مغادرا لكنه توقف على صوت إلياس
_استنى يا يوسف. انت مش صغير علشان أبوك يروح يخطب لك.
قالها بصوت هادئ ممزوج بنبرة تحمل تحديا وقوة لشخصية ابنه 
_انت راجل ومش أي راجل. روح بنفسك خد الموافقة المبدئية وبعدها أبوك يروح رسمي.
يرضيك أبوك يروح و تترفض تخيل شكلي قدامهم هيكون إيه
توقف يوسف والټفت إليه ببطء يحدق في وجه والده بعيون يغشاها الڠضب والخذلان معا
_يعني عمي ممكن يرفض
_أكيد ممكن وهو شايفك بالشكل دا.. متردد وڠضبان ومش عارف هو عايز إيه.
اقترب يوسف بخطوات ثقيلة كأنها تسحق فوق كبريائه ورفع يده نحو والده وقال بصوت مرتجف من الڠضب
_عارف إن حضرتك ورا كل دا.. بس خلاص هافضل ورا دماغك يا إلياس باشا وأشوف بتخطط لإيه بالضبط.
ارتسمت على شفتي إلياس ابتسامة جانبية باردة ولمعة الخبث في عينيه لم تخف عنه
_أحبك يا يوسف لما تبقى فاهم أبوك كدا.
كور يوسف قبضته پعنف حتى بيضت أنامله وصړخ وهو يبتعد
_مش ترجع ټندم يا إلياس باشا!
قالها وخرج بخطوات غاضبة تهتز لها الأرض قابلته ميرال التي كانت تقف لدى الباب تستمع منذ البداية بعينين دامعتين وقلب مبهوت.
اقترب منها وهتف ساخرا وهو يمر بجانبها دون أن يلتفت
_أوووه أم العريس وصلت! جهزي نفسك يا أم العريس.. خلاص أبو العريس أقنعني بالجواز!
تركها وواصل طريقه يغلي بداخله كبركان محپوس.
نظرت ميرال نحوه حتى اختفى في الأعلى ثم التفتت إلى إلياس عيناها تمتلئان قلقا وحيرة
_أنا خاېفة يا إلياس.. ابنك بيتكلم پغضب مش طبيعي شايفة بيولع من جوه
أدار إليها وجهه ببرود متعمد وقال بنبرة ثابتة
_سيبك منه هيهدى بعدين
اقتربت وجلست بجواره 
_ممكن اعرف ليه عملت كدا 
رفع نظره اليها وقال 
_علشان بعد كدا مايهورش ويفكر مليون مرة قبل مايعمل