شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد


إيه
سحب ذراعه من بين يديها دون أن ينظر إليها وقال بجمود قاټل
_لو فاضي تعال وصلنا المطار.
سكت بلال للحظة ثم سأل بنبرة قلقة
_يوسف..إنت كويس صوتك غريب.
ابتسم يوسف بمرارة وهز رأسه
_لسه صاحي من النوم...عارف الواحد مالحقش ينام عندي صداع..
معلش يا حبيبي الطيارة قدامها ساعة لو فاضي تعال.
ضحك بلال بخفة
_ولو مش فاضي يا جو المهم البت ضي عاملة إيه
نظر يوسف إليها نظرة طويلة فيها من الألم مايقتل ثم قال
_خد كلمها بنفسك.
مد الهاتف ووضعه بين كفيها برفق موجع ثم ابتعد نحو الشرفة.
نظرت إليه للحظة قبل أن ترفع الهاتف إلى أذنها وتتنفس بارتباك تحاول كبحه
_صباح الخير يا حبيبي.
ضحك بلال من الطرف الآخر بعفويته المعتادة
_صباح الجمال يا حبيبتي عاملة إيه.. والواد جو عامل معاكي إيه لو زعلك في حاجة عرفيني بس..وشوفي هعمل فيه إيه..
خليكي فاكرة إنك أهم حد في الدنيا دي كلها.
انسابت دموعها بصمت سالت على وجنتيها دون أن تنطق للحظات ثم
قالت بصوت مخټنق تحاول تماسكه
_كويس يا بلال..أنا اللي هقولك عن يوسف..بعدين هقفل دلوقتي علشان أجهز.
_تمام يا حبيبتي هستناكم تحت.
أنهت المكالمة تنفست بعمق محاولة كبح ارتجاف أنفاسها نظرت نحوه
وهو يقف في الشرفة ينظر إلى الفراغ البعيد بشرود ثقيل.
وضعت الهاتف على الطاولة ثم اتجهت إلى الحمام..لا تدري أتغسل وجهها من الدموع
بعد فترة خرجت من الحمام وجدت أنه سبقها إلى الخارج.
أسرعت بخطوات مضطربة حتى أبصرت بلال يقف إلى جوار السيارة
_وحشتيني يا ضي أنا.
ضحك وهو يدور بها في الهواء
_أول مرة أصحى من النوم ومانغلسش على بعض.
تكورت الدموع في عينيها لم تستطع المقاومة أكثر
وهو يقول ضاحكا
_إيه يا بنتي اللي يشوفك يقول بقالنا شهور ماشفناش بعض!
في تلك اللحظة استدار يوسف عيناه تقعان عليها وهي تكاد تختفي بين ذراعي أخيها.
توقف لبرهة أشعلا في داخله ڼارا مكتومة فأغلق باب السيارة الأمامي بعزم واضح واتجه نحوهما.
اقترب بخطوات ثابتة ثم قال بصوت خاڤت
_روح يا أخويا سوق العربية..من أولها كده
رفع بلال حاجبه بمزاح ساخر
_وأنا السواق بتاع جنابك يا خويا
لم يرد يوسف اكتفى بفتح باب السيارة يساعدها على الجلوس دون أن ينظر إلى وجهها..جلست بصمت تتنفس بارتباك وهي تحاول قراءة ملامحه الباردة.
ثم دار حول السيارة وجلس بجوارها أشار لبلال بيده وقال بحدة خفيفة
_يلا يا بني سوق..لو هتوصلنا.
تحركت السيارة أخيرا بينما كانت عيناها تلاحق ملامحه من حين لآخر...
كان يتحدث بهدوء مصطنع مع أخيها يضحك أحيانا يرد أحيانا...
لكنها كانت تقسم في داخلها أن هذا الرجل الهادئ الآن..ليس ذاته الذي كان قبل لحظات الآن ينهار بصمته يكتم وجعه حتى لا يفضحه النفس.
رمقها بنظرة جانبية..تبسمت بداخلها 
دنت تهمس إليه 
_ليه..ليه كسرتني 
اتجه بنظراته إلى بلال المنشغل بالطريق يردد مع كلمات الأغنية التي يدوي صوتها بالسيارة ثم اتجه بنظراته للخارج يهرب من نظراتها وحديثها رفعت أناملها تدير إليها بعدما علمت خوفه أن يشعر بلال بشيء.. فحاولت الضغط عليه 
_ساكت ليه رد عليا ليه عملت كدا 
_عملت إيه فكريني كدا..مش فاكر حاجة وأحسن لك مفتكرش علشان لو افتكرت هنتوجع. 
_يوسف. 
_آسف متزعليش مني نعدي الفترة دي وأرحمك من الأناني. 
نزلت دمزعها همست اسمه 
_يوسف بتقول إيه! 
نظر بلال إلى المرآة بعدما أخفض صوت الأغاني وقال
_هتقعدوا كتير يا يوسف في شرم 
_أسبوع جدو هيعمل العملية بعد عشرين يوم ولازم أكون موجود. 
_مش مشكلة حبيبي إن شاءالله العملية تنجح وتعوضه. 
_إن شاءلله... 
وصلت السيارة بعد دقائق إلى المطار ترجل من السيارة بينما حمل بلال حقيبتهم ودلف للداخل معهما الى أن غادرت الطائرة المطار.
بفيلا الچارحي.. 
دلف إسحاق إلى غرفة نجله وجده يقف أمام المرآة يطلق صفيرا توقف خلفه يستند على المقعد يراقبه بصمت إلى أن انتهى مما يفعله.. استدار فوجد والده ابتسم واقترب منه
_صباح الخير يا بابا. 
_صباح الخير..دا إيه المزاج العالي دا على الصبح. 
اقترب منه ونظر لعينيه 
_ادعيلي رايح لعمو إلياس أشوف رده إيه اتفقت مع عمو أرسلان وعملت حاجة كدا يمكن يوافق. 
_مستعجل ليه يا حمزة مش قولت لما نشوف رد اللجنة إيه حبيبي. 
وتحرك وهو يهتف
_بابا ماليش دعوة بقرار اللجنة سواء وافقت ولا لأ هتجوز البنت يعني هتجوزها.
_حمزة استنى لازم تصبر إنت كدا بتحط مستقبلك في خطړ. 
_مش مهم..تمتم بها وتحرك وهو يلوح بكفه خرج إسحاق خلفه بخروج دينا مع الخادمة تحمل قهوتهم 
_حمزة خرج 
وقف متخصرا ينظر إلى مغادرة ابنه
_الواد دا هيجنني راح لإلياس تخيلي. 
_إزاي يعني مش لما نعرف رد شغله إيه
رفع كفيه وأعاد خصلاته للخلف پغضب 
_ربنا يستر لما نشوف أخرتها. 
اقتربت دينا وأردفت بنبرة هادئة كي تسحب غضبه
_حبيبي اهدى ممكن الواد بيحبها أوي وشوفت دا في الفرح عايز إيه أكتر من إنه يخصص لها رقصة قدام الكل. 
سحب إسحاق المقعد وجلس عليه وكل خلية في جسده تنتفض 
_أنا مش معترض بس مستقبله هو مش فاهم حاجة الحب خاطف عقله.. 
عايزه يهدى ويفكر في مستقبله أنا متأكد إلياس هيرفض أصلا. 
ربتت على كفه وأردفت بحنان
_ سيب كل حاجة ماشية زي ماهي أنا حاولت معاه وفاروق حاول بس هو بيحبها والصراحة البنت تتحب أوي. 
زفر إسحاق پغضب وأومأ برأسه مردفا بامتعاض 
_ماأشوف أخرتها إيه.
بفيلا السيوفي 
انتهى من طعامه وتحرك إلى الحديقة يتحدث بالهاتف مع مالك في أمور العمل دلفت سيارة حمزة من البوابة الرئيسية أنهى مكالمته واقترب منه ترجل من السيارة يهز رأسه واقترب مبتسما
_عمو إلياس إزي حضرتك
_أهلا حبيبي عامل إيه وباباك عامل إيه
أومأ مبتسما وهز رأسه بخفة
_كويس الحمد لله.
قالها وعيناه تحاوطان عيني إلياس المستفهمة ثم اقترب منه وأخرج من جيبه علبة صغيرة مزخرفة توحي بأنها تخبئ قطعة نادرة من المجوهرات.. فتحها أمامه وقال بنبرة حماس خاڤتة
_إيه رأي حضرتك
قطب إلياس جبينه ينظر إلى تلك الجوهرة التي تلمع كأنها تحدثه بلغة لا تفهم
_إيه دا يا حبيبي..دا خاتم ألماس
أومأ مبتسما..أخرجه برفق ووضعه بين يدي إلياس فاقترب أرسلان مد يده وسحبه يدقق النظر فيه.
كان خاتما مهيبا يتوسطه ألماسة زرقاء صافية كقطرة من السماء تحيط بها هالة من ألماس أبيض يفيض بالضوء مثبتة على قاعدة من بلاتين يلمع كبريق القمر.
يكفي أن تقع عليه العين ليخفت كل ماحوله..كأن النور اختار أن يسكن فيه وحده.
وحين يرفع إلى الضوء يشتعل بريقه كوميض برق راقص يدهش كل من يراه.
لم يكن مجرد زينة بل رمز للترف الملكي...وحلم لا يشترى لأن من يملكه كأنه يملك نجمة هبطت إلى الأرض.
_حلو أوي يا عمو بس إيه المناسبة
سأل أرسلان بنبرة هادئة تخفي خلفها علمه المسبق بنية حمزة لكنه أراد أن يستدرجه ليقنع إلياس بنفسه.
قال حمزة دون تردد
_دا خاتم خطوبة لشمس كنت باخد رأي عمو إلياس..وقبل مايفكر إني بغريه بالخاتم أحب أوضح إني جبت الخاتم لقيمة شمس مش لأي سبب تاني.
قطب إلياس جبينه محاولا استيعاب مايسمعه لكن حمزة تابع بثقة لا تهتز
_حضرتك يمكن تكون مستغرب عرفت مقاسها إزاي بس الموضوع مش صعب خالص.
ظل الصمت مخيما بينما نظرات إلياس تتقلب بين الدهشة والڠضب المكتوم كأنه لا يصدق أن هذا الفتى تجرأ على قول ماقاله.
ضحك أرسلان محاولا كسر حدة الجو وقال بخفة
_مبروك يا حبيبي متنساش تعزمنا على الفرح.
الټفت إليه إلياس بغتة يهدر بصوت حاد
_هو دا وقت للتريقة يا أرسلان!
ثم عاد بنظره نحو حمزة صوته صار أكثر ثقلا وحدة
_عايز إيه بالظبط يا بني مش فاهم كلامك.
أجابه حمزة بثبات واضح
_عايز تحددوا موعد كتب الكتاب بابا قالي إنكم مبتعملوش خطوبة بتدخلوا على كتب الكتاب على طول.
اڼفجر أرسلان ضاحكا لم يستطع كبح نفسه هذه المرة
_طيب وجبت الفستان كمان ولا لسه
ارتبك حمزة للحظة ثم استجمع هدوئه وقال بابتسامة حاول أن يجعلها جادة
_لا خفت مايعجبش العروسة... فابستأذن عمو إلياس آخد شمس لأي ديزاينر تعمل اللي هي عايزاه.
ساد الصمت لحظة طويلة تلتقط فيها الأنفاس قبل أن ينفجر إلياس ضاحكا ضحكة هستيرية تملأ المكان يصفق كفيه ببعضهما بقوة كأن شيئا فيه انكسر أو اشټعل حتى ليقسم من يراه أنه أصابه مس من الجنون.
خرجت ميرال على صوت ضحكاته التي ملأت أرجاء الصالة تتبعها فريدة تتمتم بقلق واضح
_خير يا رب إيه إلياس بيضحك كده ليه يا ميرال
هزت ميرال كتفيها بدهشة
_معرفش يمكن يوسف كلمه
شهقت فريدة واقتربت منه بسرعة تقول بنبرة متعجبة
_خير يا حبيبي! مرات ابنك حامل ولا إيه
اتسعت عينا إلياس وأرسلان في آن واحد قبل أن يلتفت إلياس نحو أخيه وسط ضحكاته العالية ويقول بين نظراته
_ابني مين!! هو أنا
عندي غير يوسف
اقتربت ميرال منه بقلق وارتباك واضح
_إلياس..في إيه!
حمحم حمزة بخجل وهو يقترب خطوة منهم قائلا بصوت منخفض
_طنط ميرال والله ماعرف عمو إلياس بيضحك ليه...بس أنا جيت علشان أطلب تحديد موعد كتب الكتاب.
تبادلت ميرال وفريدة النظرات ثم استدارتا نحوه في وقت واحد وقالت فريدة مذهولة
_كتب كتاب إيه يا بني مش إنت حمزة ابن إسحاق الچارحي
أومأ بثبات وأكمل بصدق هادئ
_أيوه..كتب كتابي على شمس.
انعقد حاجبا فريدة بتساؤل عجيب
_هي شمس اتخطبت إمتى
وهنا عادت ضحكات إلياس مجددا ضحكة متقطعة فيها خليط من الڠضب والذهول مد يده وسحب الخاتم من يد حمزة وهو يقول ساخرا
_شوفي يا جدة العروسة..خاتم الخطوبة!
تناولت فريدة الخاتم بين أصابعها تتفحصه بعينين حائرتين
_خطبت للبت يا إلياس من غير ماتقولي!
ارتفعت ضحكات أرسلان هو الآخر غير قادر على التماسك
_الله ېخرب بيتك يا حمزة وقعت العيلة في بعضها.
وقبل أن تكتمل الجلبة وصل صوت ناعم مرتجف من خلفهم
_حمزة...
تجمد الجميع والتفتوا نحو شمس التي توقفت عند العتبة ملامحها تجمع بين الذهول والارتباك.
اقترب منها حمزة سريعا متجاهلا العيون المعلقة به وقف أمامها يبتلع أنفاسه بين نظرات تفيض بالشوق ثم همس بخفوت عميق
_وحشتيني..أوي.
ابتعدت شمس خطوة إلى الخلف كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها ارتجف قلبها بين ضلوعها 
_إيه اللي بتقوله دا!
خرج صوتها هامسا مرتجفا يحمل صراع الخجل والدهشة لكنه لم يمهلها وقال بوضوح يسمعه كل من في المكان
_شمس..أنا طلبت إيدك من باباكي وبقولك قدام الكل...
أنا بحبك وبتمنى نكمل حياتنا مع بعض.
_شمس!!
هدر صوت إلياس فارتجت له القلوب تجمدت مكانها وانتفضت فزعا ثم سحبت كفها بسرعة خائڤة..
أشار إليها بصرامة حادة
_ادخلي جوا يا بنتي.
تراجعت خطوتين قبل أن تختفي خلف الباب بينما كان الڠضب يتجسد في ملامح إلياس وهو يقترب من حمزة خطوة بخطوة وخرج صوته متماسكا لكنه يحمل نبرة ټهديد واضحة
_لولا إني واثق في تربية إسحاق وعارف هو راجل قد إيه محترم كنت صدقني هتعامل معاك بطريقة تانية خالص.
اقترب أكثر حتى صار وجهه على بعد أنفاس
_لو كنت سكت وقت لما رقصت معاها في فرح أخوها فده لأنك حطيتني قدام أمر واقع...لكن شكلك مفهمتش الدرس ولسه ناوي تستفزني بأسلوبك دا.
_إلياس اهدى بقى.
قالها أرسلان وهو يحاول تهدئة الموقف لكن نظرة إلياس إليه كانت كالسهم
_كنت عارف صح..ومش بعيد أنت اللي اتفقت معاه كمان
ثم عاد إلى حمزة يحدق في عينيه بثقل 
_هسألك سؤال واحد يا ابن إسحاق...
مال نحوه أكثر وقال