رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


من إحساس الغثيان الذي يعتريها وجاوبتها نافية
ولا الهوا..
تأوهت من الألم وتابعت القول
شكلي خدت برد.
نهضت والدتها لتتجه للدواليب الخاصة بأدوات المطبخ باحثة عن أعشاب ما في داخل البرطمانات المتراصة به وقالت بنوع
من التبرم
دلوقتي اعملك حاجة سخنة تهدي معدتك ما إنتي يا حبة عيني مفحوتة معاهم إياكش يقدروا!
شعرت خلود أنها على وشك التقيؤ من تلك الرائحة النفاذة التي تزعج أنفها وتزيد من تحفيز تقلصات معدتها عبرت عما ينتابها من تقلبات غريبة قائلة
في ريحة كده غريبة .. مخلياني كده قرفانة.
انتصبت بثينة في وقفتها بعد أن تركت ما في يدها لتستدير نحوها دنت منها متسائلة في لؤم وقد انخفضت نبرتها
لأحسن يا بت تكوني آ....
بترت عبارتها عن عمد ليتفقه ذهن ابنتها لما ترمي إليه من كلمات مقتضبة ذات دلالات صريحة غير قابلة للتشكيك برقت عينا خلود وهمست بقلب يدق في توتر
قصدك إنه حصل يامه
ظهرت ابتسامتها من خلف تلك الضحكة الماكرة وهي تؤكد لها
مش بعيد كل كلامك يتفهم كده.
خفق قلبها بشدة وقد راقتها الفكرة كثيرا قبضت بثينة عن رسغها مشددة عليها بلهجة لا تقبل بالهزل وقد غامت نظراتها
بأقولك إيه إخفي على الخبر ماجور لحد ما نتأكد واللي يسألك قوليله كلتي حاجة قلبت معدتك.
سألتها باسترابة
ليه
أجابتها بنفاذ صبر
عاوزانا نعمل هوليلة على الفاضي ويطلع في الآخر مافيش حاجة لازم نتأكد وبعد كده نرمي الخبر زي القنبلة.
هزت رأسها توافقها الرأي وهي ترد
حاضر يامه.
تابعت قائلة بصوتها الخاڤت وكأنها تملي عليها أوامرها
ومن بكرة الصبح هعدي أخدك نعمل تحليل.
طيب
قالتها وهي تعتدل في جلستها على المقعد ناولتها والدتها كوبا من الماء لترتشفه وحذرتها مشيرة بنظراتها
وإنتي ماتخليش المحروس يقرب منك لحد ما نطمن.
تقلصت تعبيراتها بقليل من الانزعاج وتساءلت في ضيق رافضة إطاعتها في مسألة علاقتها بزوجها
ولو سألني وكان عاوز آ.....
قاطعتها بفظاظة حاسمة المسألة عليها
ياختي حوش حوش كان مغرقك بحبه ده ما هيصدق يا ادلعدي إنه يخلع.
وكأنها لامست وترا حساسا في علاقتها به غلف وجهها تعابيرا غاضبة وردت بحزن غطى صوتها
الله يامه إنتي هتعتتي توبخ جتتي!
قالت لها بجمود
لأ ياختي عاوزة مصلحتك..
ثم ركزت أنظارها عليها لتتابع بنبرة أقلقتها
اسمعي كلامي وإنتي هتكسبي غير كده هتخسري وساعتها هتجيلي أصلحلك اللي فات.
لم يكن أمامها بدا من الاعتراض أمام تعليماتها الواضحة اضطرت أن ترضخ لها وتنفذ ما طلبته على غير رضا منها.
.....................................................
لمحه وهو يصطف بسيارته النصف نقل على مسافة قريبة من الحشد المرابط أمام مدخل البناية لوح بذراعه لبعض المهنئين الذين قدموا لمباركة المولود الجديد .. لحظات واتجه تميم إلى ابن خالته وقد حصل على مفتاح المنزل من والده انتظره حتى أوقف المحرك وترجل من السيارة ليسأله باهتمام
إتأخرت ليه يا هيثم
أجابه مسترسلا في الإيضاح بعد أن أوصد الباب
كان في شوية عكوسات في التوريد في المينا بس ظبطت الدنيا.
أثنى عليه قائلا وهو يربت على كتفه
الله ينور.
سأله هيثم مبتسما
السبوع خلص ولا إيه
رد نافيا
لأ .. لسه شغال ..
ثم مد يده بالمفتاح ليقول له
خد المفتاح واطلع لنسايبك وريهم الشقة.
أشرق وجهه المرهق وهو يسأله بسعادة غريبة كست كامل ملامحه
هما جوم
تعجب من تبدل أحواله ورد مشيرا بيده
من بدري.
هندم هيثم من هيئته ليتأكد من ضبط ثيابه عليه وقال بحماس أكبر وقد هم بالتحرك
طيب هاطلعلهم على طول.
ماشي
قالها وهو يستدير ليتبعه بخطوات متهادية وهو ما زال متعجبا من تأثير الوقوع في العشق عليه إن لم يكن يعرف هيثم جيدا لظن أنه يخادعه ولكن إحقاقا للحق خلال الفترة المنصرمة أظهر تغييرا جذريا في شخصيته المستهترة ليتحول للنقيض أيمكن أن يفعل الحب المستحيل
......................................................
عبأت حقيبتها بما استطاعت حمله من أطعمة شهية حتى لم تعد قادرة على غلق سحابها ابتسمت حمدية لفسها في انتشاء لكونها قد اختارت تلك الحقيبة الجلدية المتسعة لتستخدمها خلال الحفل
استعانت أيضا بحقيبة بلاستيكة سوداء وضعت بها الحلوى والفول السوداني متعللة أنهم لصغارها الأبرياء ولم تبخل عليها مضيفتها في منحها المزيد حتى تألمت عضلات ذراعيها من حجم الثقل الذي تحمله ورغم الوزن الزائد أصرت على الصعود للطابق العلوي لتتفقد المنزل مع البقية ارتفع حاجباها للأعلى في اندهاش من مساحة المنزل المتسعة حاولت أن تخفي غيرتها بوضع قناع الجمود لكن بقيت نظراتها الحاقدة ظاهرة عليها غمغم مع نفسها في غيظ
يا بنت المحظوظة كلي دي هتبقى بتاعتك.
تساءل هيثم عن الانطباع الأولي لما أجراه من تعديلات وهو يراقب ردة فعل خطيبته
إيه رأيك
وبنظرات متأففة متعالية بادرت حمدية بالرد
مش بطال.
صححت همسة على الفور ببسمة رقيقة
ماشاء الله جميلة.
بينما احتدت نظرات فيروزة نحوها لم تحبذ أبدا وجودها المستفز ناهيك عن تعليقاتها السخيفة المحبطة حاولت قدر المستطاع تجاهلها حتى لا تتسبب في إفساد الوضع لتبقى على الحياد كما اختارت إلا إن تطلب الأمر تدخلها تجولت في أرجاء الشقة متفقدة غرفها في حين تولى هيثم مهمة شرح ما تم إجرائه من تعديلات مؤخرا فيها فقال بصوت مرتفع نسبيا مستخدما يده في الإشارة
النجارين غيروا حلقان الأبواب والشبابيك وخدوا مقاسات الشبابيك الجديدة وهيدهنوا ويكونوا جاهزين كمان كام يوم.
ردت همسة تجامله
تمام .. تسلم على تعبك.
وأيدتها والدتها الرأي فقالت
ربنا يعينك يا ابني الحاجات دي بتاخد وقت ومجهود.
ابتسم لهما في سعادة وتابع بنفس النبرة المتحمسة
احنا عملنا البلاط فاتح عشان يدي وسع للشقة.
علقت عليه حمدية بشفاه مقلوبة وهي تتجول بين الصالة والردهة
مايضرش.
رمقتها همسة بنظرة منزعجة منها والتفتت نحو هيثم الذي واصل حديثه قائلا
والعفش في أي وقت نروح المعرض ننقي ونشتال على طول.
زمت حمدية شفتيها معقبة عليه
وماله.
ظهر الضيق على هيثم من تدخلها غير المقبول في الحوار وتساءل
في حاجة مش عجباكي يا همسة حابة تغيري في الألوان
أجابته مشيرة بيدها نحو الحائط
ممكن نخلي الصالة بيج مش بأحب الألوان الغامقة.
هز رأسه قائلا
اللي تعوزيه هاعدي عليكي بعد بكرة يكون البوهيجي جابلي الكتالوج نختار منه اللي يعجبك.
ابتسمت في حبور وهي ترد
شكرا.
وقفت حمدية أمام النافذة المفتوحة فضړبت نسمات الهواء العليلة وجنتيها تنفست بعمق وأخرجت الهواء من صدرها مرددة بما يشبه الحسد
الشقة شرحة وبرحة وهواها بحري يرد الروح.
علق عليها هيثم بعفوية
ولسه لما تتقفل.. هتبقى حاجة تانية خالص.
ردت عليه آمنة في استحسان
تتهنوا بيها إن شاءالله يا ابني.
ضجرت فيروزة من الانتظار فقالت
مش يالا بقى.
حدجها هيثم بنظرة حادة قبل أن يعترض عليها
أنا لسه مخدتش رأيها في الإيشاني بتاع المطبخ.
نفخت الهواء دفعة واحدة لترد عليه
أوكي ..
ثم وجهت حديثها لتوأمتها ووالدتها قائلة
أنا هانزل أستناكو تحت.
ردت عليها آمنة بإيماءة صغيرة من رأسها
ماشي يا فيروزة.
خرجت الأخيرة من المنزل متجهة إلى الدرج لكنها تفاجأت باتصال متكرر من علا ظنت أن آسر هو من يحاول التودد إليها مجددا وبحزم قررت أن توبخه لكن خاب تخمينها مع سماعها لصوتها المألوف بادرت بمعاتبتها بضيق
ينفع كده يا علا هو أنا بتاعة الحركات دي
صمتت لتصغي إلى تبريرها
هو طلب مني إنه عاوز يشكرك بنفسه..
هتفت فيها بقليل من الضيق
ده أنا كنت هاحرجه والله.
احتجت على جفائها قائلة
يا فيرو أنا شايفة الموضوع عادي.
أيقنت أنها لن تصل إلى نتيجة معها في ذلك النقاش لكونها متساهلة بعض الشيء فيما يخص علاقتها بالچنس الآخر على عكسها دوما متحفظة فيما يخص شئون الرجال زفرت ببطء قبل أن تنطق
حصل خير.
استأذنتها علا في رقة
بصي يا قلبي أنا بكرة مش هاينفع أروح المحل أنا عارفة إني تقلت عليكي اليومين دول و...
تفهمت أسبابها وقاطعتها قائلة
خلاص ولا يهمك أنا
هتعامل وهاخلص المطلوب
شكرتها بحماس رهيب
حبيبتي يا فيرو ربنا يخليكي ليا.
....................................................................
في تلك الأثناء ظهر رفيقه القديم على الساحة ليقدم التهنئة له تعامل معه تميم بفتور واضح وكأنه لا توجد صداقة بينهما امتدت لسنوات كثيرة ما زال صدره يحمل له الضغينة جراء تهوره الأرعن رأى بصحبته كلا من حمص وشيكاغو كلاهما قد جاءا لتقديم المباركات وبنفس الأسلوب الحذر المقتضب تعامل معهما حاول ناجي ممازحته ليذيب الجليد السائد بينهما فسأله بابتسامة عريضة
إيه يا عم لا بتعدي ولا بتسأل
رد عليه متسائلا بوجوم ونظراته تجوب على أوجه الثلاثة
عاوز إيه يا ناجي وجايب جوز المقاطيع دول معاك ليه
تلقائيا استدار برأسه للخلف لينظر إلى تابعيه وعاد ليحدق فيه موضحا بنفس الأسلوب المازح
قولنا نعمل الواجب مع الحاج بدير مبروك يا خال وعقبال فرحتنا بولادك.
اقتضب في الرد قائلا
متشكر.
ثم تركه ليرحب بآخر قبل أن يتجه إلى مدخل البناية استوقفه ناجي الذي تبعه عند أعتاب المنزل صائحا بنبرته الجادة
شكلك لسه زعلان مني من ساعة الحكاية إياها.
الټفت نحوه تميم ليرد بحدة
بصراحة أه...
لم يدرك الأخير بوجود فيروزة في تلك البقعة المعتمة نسبيا حيث كانت تهاتف رفيقتها انتبهت للأصوات المرتفعة خاصة حين تابع تميم بنبرته اللائمة
إنت لبستني ليلة ماليش فيها يا ناجي والجماعة مفكرين إني حړقت عربية الأكل بسبب جوز البهايم اللي معاك
تقدم صديقه نحوه متحججا
مكانوش يقصدوا يا سيدي كانوا مفكرين إنهم بيوجبوا معاك لما حړقوها.
هدر به في غيظ
وهو أنا طلبت منك تعمل كده
أجابه نافيا وقد نكس رأسه قليلا
الصراحة لأ.
حذره مجددا بلهجة يشوبها الصرامة
فهم الجوز اللي معاك إني مش عايز منهم أي مصلحة مشاكلي بأحلها بنفسي!
حلت الدهشة المصډومة على تعبيرات فيروزة بعد أن عرفت الحقيقة كاملة بمحض الصدفة وقالت مستنكرة حكمها المجحف في حق من نصبته عدو مصلحتها
معقول .. يعني أنا ظلمته
حاول ناجي تلطيف الأجواء فقال بنبرته الهازئة وهو يربت على كتفه
طب روق يا خال ده الليلة فل وحاجة آخر جمال.
رد عليه بجمود
ناجي شوفلك سكة دلوقتي عشان أنا مش رايقلك.
تفهم عزوفه عن مجاراته في الحديث وقال بيأس
ماشي يا صاحبي مش هعاتب عليك لينا أعدة سوا بعدين سلام!
لوح له بيده باستخفاف
سلامين يا سيدي.
استدار تميم ليتابع سيره نحو الدرج ليتفاجأ بوجود فيروزة قبالته نفس تلك الحالة المتخبطة تظهر من العدم لتربكه استغرب من نظراتها التي تتأمله بشكل غريب لم يألفه منها أحس بانقباضة ټضرب قلبه وباهتمام زائد سألها
خير يا أبلة في حاجة حصلت فوق
باغتته بسؤالها المباشر وعيناها مثبتتان عليه
إنت محرقتش العربية
تدلى فكه السفلي في صدمة لحظية من سؤالها خاصة مع لمعان حدقتيها المتسعتين تشوش تفكيره لثوان لم يتوقع أبدا أن تكون حاضرة خلال تلك المحادثة التي ربما رتبها القدر له وسألها كما لو كان يفكر بصوت مسموع
إنتي سمعتي الحوار
تنحنحت مبررة وجودها بنبرة هادئة حتى لا يساء فهمها
بالصدفة مكونتش قاصدة يعني.
بدا مسرورا للغاية من استكانتها العجيبة التي نادرا ما يراها في حضوره وكأنها ازدادا فتنة وسحرا بتلك الهالة غير الاعتيادية من الرقة الخفية وجد نفسه يبتسم في ابتهاج وهو يرد
مش مشكلة المهم تتأكدي إني ماليش دخل في العوأ ده كله.
تصنعت الجدية وعقبت عليه
هو موضوع واتقفل وأنا ما ببصش ورايا.
تشجع ليطلب منها قبول تعويضه فبحث عن الكلمات المناسبة لخلق جملة مرتبة لكن على ما يبدو خانه لسانه من جديد وبربكة