رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


مجددا معللة أسباب سؤالها المستفسر 
فضل ضايقك بيني وبينك كلامه بايخ معايا وكان هيشتبك مع هيثم فأكيد عمل دقة نقص معاكي صح ولا أنا غلطانة
حافظت على جمود تعبيراتها وتنهدت ترجوها بهدوء 
عشان خاطري بلاش نتكلم عنه كفاية أوي إنه غار من هنا.
ابتسمت تؤيدها 
على رأيك..
أراحت همسة ظهرها للخلف ووسدت يديها وراء رأسها وأضافت 
تعرفي يا فيرو أنا فرحانة إنك هتتخطبي مع إن الظرف مش مناسب يعني عشان اللي مريتي بيه بس دي فرصة تدلعي وتشوفي نفسك مع واحد بيحبك.. حاجة حلوة أوي إن الواحدة تحب وتتجوز حد كويس...
تحولت عباراتها للفضول عندما سألتها 
صحيح إنتي واقفتي عليه ليه مش كنتي رفضتيه في البلد وآ...
قاطعتها منهية النقاش
في ذلك الموضوع قبل أن يبدأ 
همسة لو سمحتي أنا دماغي تقيلة وعايزة أنام ممكن نتكلم في ده بعدين.
هزت رأسها في تفهم لتقول بعدها 
ماشي يا حبيبتي خدي راحتك ..
ثم اعتدلت في رقدتها ومالت نحو توأمتها تقبلها من أعلى رأسها شعرت بتخبطها بحالة العزوف المسيطرة عليها ولم ترغب في الضغط عليها لتحصل على ما تريد من معلومات تركتها تختلي بنفسها وختمت حديثها الودي معها بقولها 
أنا هاقعد شوية مع ماما برا وهمشي وهكلمك أطمن تاني عليكي.
استدارت لتنظر إليها في امتنان لترد بكلمة مقتضبة 
أوكي.
أشارت همسة بعينيها نحو الكومود قبل أن توضح لها 
الشوربة هغطيهالك بس كليها دي عمايل إيديا وإنتي عارفة أنا طباخة بريمو.
حانت من فيروزة ابتسامة لطيفة تشكلت على ثغرها وودعتها بنظراتها إلى أن خرجت من الغرفة لتختفي تلك البسمة الزائفة وتعود لحالة الجمود الحزينة التي تمكنت منها.
..........................................................
منذ لحظة وصوله وتبدد الهدوء الذي عم المنزل لصخب وشجار لم يتوقف فضل عن إثارة المتاعب مع من يلقاه في طريقه وكأنهم وسيلته لإفراغ الكبت المحبوس بداخله بعد أن تمت إهانته لأكثر من مرة أراد التغطية على شعور النقص المستبد به باستعراض قوة زائفة على من هم أضعف منه شخصية وبنيانا. وبخطوات متمهلة اقتربت منه سها وهو جالس بمفرده في المضيفة لتسأله دون أن يطرأ ببالها أنه سيثور هكذا في وجهها 
مرات عمك وفيروزة بنتها عاملين إيه عدت المشكلة اللي كانوا فيها على خير ولا إيه الأخبار طمني كده عليهم.
الټفت ناظرا إليها بعينين حادتين قبل أن يوبخها 
مالك إنتي ومالهم يا ولية يا حشرية عايزة تعرفي أخبارهم ليه كنتي من بقية أهلهم وأنا معرفش ولما أحب أتكلم في حاجة تخصهم هاجيبك إنتي يا أم مخ فاضي أحكي معاكي وأخد برأيك!!
تلون وجهها بحمرة خجلة من إهانته الشديدة وتقليله لشأنها كانت أدرى بطبيعته المتقلبة ولم تقابل أسلوبه المتعنت معها إلا بالهدوء فمن الخير أن تتجاهل فظاظته البشعة حتى لا تثير غضبته البائنة عليه جلست على المصطبة الخشبية إلى جواره وقالت متصنعة الابتسام كأنها لم تسمع ما ېهينها قبل ثوان 
وماله ياخويا لما نتكلم سوا ما أنا مراتك بردك وإنت لما تفضفض معايا هتشيل عن قلبك وترتاح.
دفعها بقساوة من كتفها ليزيحها من جواره وقال بعينين شرستين 
قومي فزي يا ولية اتكشحي من هنا مش ناقصك!
ابتلعت مرارة الإهانة خاصة حين رأت سعاد مقبلة عليها وفي عينيها نظرات إشفاق ولوم أطرقت رأسها وانسحبت من المكان سامعة صوت الأخيرة ېعنف ابنها 
حرام عليك يا فضل عملتلك إيه المسكينة دي عشان تبهدلها كده
لوى ثغره معلقا عليها بنبرة جافية 
مالكيش دعوة يامه دي مراتي وأنا حر فيها إن شاءالله أقطم رقبتها...
ثم اكتسب صوته إيقاعا غريبا وهو يتابع 
مش زي بنت آمنة اللي ملاقتش اللي يربيها ولا يلمها..
حملق في الفراغ أمامه وكز على أسنانه متوعدا في نفسه بنوع من التمني 
آه لو كانت مراتي كنت عرفتها مقامها دي مكانش ينفعها إلا واحد زيي يمشيها على العجين متلخبطوش!
استغربت سعاد من تحامله عليها وسألته مباشرة بعد أن استقرت على المصطبة 
مالك ومال فيروزة يا فضل
انتبه لها وأجاب وقد برقت عيناه 
مافيش يامه بس إنتي عارفة أنا مابيعجبنيش الحال المايل.
تهدل كتفاها وأضافت في لهجة هادئة متعمدة الدفاع عنها 
بنت عمك طول عمرها في حالها ماشية زي الألف مالهاش في أي حاجة فبلاش تيجي عليها تاني.
لا إراديا تحسس فضل بيده الچرح المتروك أثره على وجهه
بعد أن أزاح الضمادة من عليه متذكرا عدائية تميم وتهديداته التي لم تكن من فراغ تقوس فمه في امتعاض ظاهر عليه وهسهس بسبة نابية انحصرت بين شفتيه بينما لانت تعبيرات والدته حين تكلمت بحماس 
وبعدين المفروض نفرحلها أبوك قالي إنها وافقت على العريس وكلها أيام وهتتخطبله ويتكتب كتابها يعني احنا يدوب نجهز نفسنا عشان نروحلها.
رد بوجه عابس 
أنا مش رايح في حتة.
سألته باستغراب والدهشة تغزو محياها 
ليه كده ده إنت ابن عمها الكبير ومش عايزين النفوس تفضل شايلة من بعض ده الضفر مايطلعش من اللحم.
أجلى أحبال صوته المحتشرجة بنحنحة عالية قبل أن يعلق عليها بسخط مستخدما يديه في التلويح 
المثل بيقول إيه يامه أردب ماهولك مش ليك ما تحضرش كيله تتعفر دقنك وتتعب في شيله .. وأنا الليلة دي كلها ماليش فيها خلاص أنا شيلت إيدي.
نطق بلسانه ما يناقض رغبته الحقيقية فلو اتيحت له الفرصة وكان في مركز قوة وهي تحت يده وحاضرة هنا في بلدته لحشد أعيانها وأجبرها على الزواج منه قسرا ومارس عليها طغيانه كما اعتاد أن يفعل مع زوجته المقهورة أشاح بنظراته عن والدته التي ما تزال محدقة فيها بتعجب تنهدت الأخيرة ببطء لم تعرف ما الذي يدور في رأس ابنها لكنه لم يكن هكذا يحاوطه الغموض نهضت من جلستها وهي تردد في يأس 
هاقولك إيه يا ابني غير ربنا يهديك لحالك.
..........................................................................
بأعجوبة وألاعيب المخضرمين من المحامين خاصة الداهية آسر نجت بثينة ببدنها من کاړثة كادت تزج بها بالسجن وتعرضها لمشاكل في غنى عنها حاليا بعد كشف الحقيقة كاملة وإظهار براءة فيروزة من التهمة الملفقة التي اتهمتها بها انتهى المحضر على خير وحفظ في الأدراج كغيره ممن ينتهون دون تصعيد قانوني. تجرعت بثينة رشفة كبيرة من كوب الماء وأسندته في مكانه بالصينية ثم بدأت تهت جسدها بحركة عصبية بعد أن جلست في الصالون بصحبة ضيفيها محرز وزوجته تنوح مصابها لهما 
بقى دي أخرتها يا هاجر شوفتي أخوكي وعمايله كان ناقص يحبس خالته ولولا ستر ربنا وولاد الحال!
نظرت هاجر لخالتها في حرج وظلت تهدهد رضيعها بين ذراعيها باهتزازة خفيفة ثابتة بينما واصلت الأولى ندبها الناقم 
هي دي صلة الرحم اللي ربنا أمره بيها مش كفاية مراته خسړت اللي في بطنها لأ يزود الهم علينا ويجرجرنا في الأقسام.
رفرفت بعينيها وهي تتطلع إلى زوجها في تردد ثم استدارت ناظرة إليها مرة أخرى وردت تواسيها 
متزعليش يا خالتي ده أنا جاية أخد بخاطرك النهاردة وأراضيكي.
هتفت معترضة في سخط 
لا يا هاجر اللي عمل أخوكي ده مش هايروح بالطبطبة.
أردف محرز قائلا بهدوء وعيناه تلمعان في خبث 
يا حاجة ده إنتي طول عمرك قلبك طيب.
انخرطت في بكاء مصطنع وهي ترد عليه لتستجدي مشاعرهما
هو أنا مضيعني غير قلبي وحنيته
وضع محرز يده على كتف زوجته يحثها على النهوض عندما أمرها بلطف 
قومي يا هاجر شوفي بنت خالتك أكيد الموضوع مش سهل عليها طيبي خاطرها بكلمتين وخديلها الواد تشيله شوية.
ردت بإيماءة موافقة من رأسها 
طيب يا محرز.
بدا كحمامة للسلام ولسانه ينطق بمعسول الكلام ليزيل الۏحشة المعششة في القلوب ما إن تأكد من اختفاء زوجته بالداخل حتى انتقل من مكانه ليجلس قريبا من بثينة أحنى رأسه عليها وهمس لها وكأنه يلومها 
كنتي هتودينا في داهية مش تاخدي بالك إن في كاميرات راكبة لولا البيه بتاعي كان زمانك لبستي فيها.
مسحت دموع التماسيح التي لم تترك مقلتيها وردت بخفوت بلهجة
جافة 
وأنا كنت أعرف منين بأشم على ضهري إيدي ولا بأضرب الودع 
قست نظراتها وانزلقت مضيفة من تلقاء نفسها 
وأختي ونيسة مجابتليش سيرة عن الحكاية دي.
سألها محرز بجدية رغم انخفاض نبرته 
سيبك من ده وقوليلي هنعمل إيه دلوقتي زي ما احنا ولا غيرتي رأيك
تصلب كتفاها وردت پحقد مغلول 
أغيره ده أنا عايزة أنتقم منه أولع في چتته ده أنا خسړت كل حاجة.
ابتسامة لئيمة خطت على شفتيه وهو يرد بتلذذ انعكس كذلك في نظراته 
حلو الكلام قريب هتسمعي البشارة.
تنهدت في رجاء 
يا ريت يا محرز.
أضاف طالبا منها 
عايزك تجيبلي الأمانة اللي شايلها عندك.
سألته في استغراب والفضول يكسو أنظارها 
ليه
أجاب بتهكم وبتعابير جادة 
صاحبها عايزها هاقوله لأ هاتيها بسرعة قبل ما تخرج هاجر من جوا.
همهمت وهي تحرك جسدها بثقل لتنهض من جلستها 
ماشي ياخويا.
شيعها بنظرات كالصقر وهي تمرق عبر الردهة الطويلة متجهة إلى غرفتها فقد أزف الوقت للقيام بعملية التهريب المرتب لها بعد أن صدرت الأوامر العليا بالشروع فورا في تنفيذها ...!!!
الفصل الثالث والستون
بروية انحنت بجسدها للأمام لتفتش بين أغراضها في دولابها الخشبي خاصة الرف الأوسط والذي تحتفظ به بأغطية الفراش المطوية النظيفة وجدت بثينة ضالتها فاعتدلت في وقفتها وأخرجتها من الداخل لتنظر لها مجددا لفة بلاستيكية مغلقة بإحكام بلون داكن لا يظهر ما تحويه بداخلها تبدو بيضاوية بعض الشيء أدارتها بين يديها متسائلة في نفسها بفضول كبير
يا ترى فيها إيه دي
لم تكن أيضا بثقيلة الوزن لكنها أصابتها بالحيرة رغبت في معرفة ما بهل ومع ذلك تحركت بها نحو ضيفها المنتظر بغرفة الصالون ناولته إياها وهي تسأله
دي عبارة عن إيه يا محرز
كان متحفظا ومراوغا في رده عندما أجابها
سيبك منها وخلينا في المهم...
ثم أسندها إلى جواره وكأنه غير مبال بها ليقول بهدوء
عندي طلبية جديدة تبعنا توريدة من العيار التقيل يومين وهخلصها وأجيبلك المعلوم.
هزت رأسها في استحسان وعلقت
كويس.. أهي حاجة تعوض الخسارة اللي حلت عليا.
استأذنها محرز بتهذيب
هاتعبك معايا يا ست الكل عايز فنجان قهوة مظبوط يعدل دماغي
إنت تؤمر يا محرز.
تابعها بنظرات مراقبة إلى أن اختفت بداخل مطبخها فأخرج هاتفه المحمول وطلب على عجالة أحدهم أخفض نبرته ليبدو صوته غير مسموع حين قال
الأمانة معايا جاهزة على التسليم.
أصغى للطرف الآخر بانتباه تام وعقب
حاضر هبلغ حاتم وأظبط معاه.
بتعجل أنهى المكالمة محافظا على ثبات تعابيره وفحص اللفة بدقة ليتأكد من عدم فتح بثينة لها كانت كما هي ابتسم في رضا فقد كانت كل الأمور تسير على ما يرام وجلس مسترخيا منتظرا عودتها إليه.
.................................................................
أيوه يا هاجر أخوكي ظلمني!
رددت تلك العبارة المصحوبة بنبرة حاړقة وصدرها قد غص بالبكاء الخانق حين سألتها شقيقة طليقها عن أحوالها لم تمسح خلود دموعها عن خديها تركتهم كدليل حي وملموس عن قهرها ومدى الظلم الذي تعايشه الآن نظرت في عينيها بنظرات ملتهبة وتابعت نحيبها بمشاعرها الناقمة
وإنتي أكتر واحدة عارفة أنا بأحبه إزاي. 
اقتربت منها بعد أن مددت رضيعها على الفراش وضعت يدها على كتفها وربتت عليه بحنو قبل أن ترد بتعاطف
من غير ما تقولي أنا متأكدة يا حبيبتي.
تحركت خطوة