رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


تبتسم
في أحسن حال.. لو كان عندي ولد تاني مكونتش سيبتك يا غالية.
لم تكن لتفعل شيئا في تلك المسألة أولا لكون ابن عمها يفوقها عمرا وكانت لا تزال صغيرة حين حضرت عرسه ثانيا زوجة عمها لم تنجب بعده سوى ثلاثة بنات وأربعتهم يعدوا في منزلة إخوتها وثالثا بالنسبة لعمرها الحالي فقد يعتبرها البعض من عائلتها بأنها تخطت سن الزواج بكثير وبالتالي فرص ارتباطها وتأسيس أسرة محدودة للغاية. انحنت فيروزة على جبينها
لتقبلها منه وقالت بتفهم 
كل واحد بياخد نصيبه وأنا الحمدلله راضية بحالي.
غيرت سعاد مجرى الحوار لتسألها بنبرة ذات مغزى
الكلام خدنا ومشوفتش حمدية هي فين وزي ما هي كده ولا اتغيرت
ضحكت قبل أن تجيبها متسائلة
تفتكري إيه
لوحت بيدها متصنعة العبوس وهي تعقب عليها
يبقى زي ما هي ربنا يهديلها حالها.
...........................................
أفسحت لزوجة عمها المجال وأرشدتها عبر الردهة لتلج للداخل ثم تركتها لتعود لإتمام مهمتها السريعة المكلفة بها من قبل والدتها كانت أول من أبصرها حمدية امتعضت ملامحها وظهرت تكشيرة كبيرة على وجهها زفرت على مهل ودنت منها متسائلة دون أن تكلف نفسها عناء ترحيبها
سعاد وصلتي امتى
لم تنكر أن علامات الكراهية بائنة عليها لأسباب شخصية ولما لا فقد وقع الاختيار عليها لتتزوج أحد أعيان بلدتهم بدلا منها حين تم التفضيل بينهما! وبوجه هادئ رددت سعاد
شكلك مش مبسوط يا حمدية لما شوفتيني
ردت بترفع وهي ترمقها بنظرة حاقدة لم تخفها
لأ ياختي متقوليش كده نورتي البيت.
تجاهلت سماجتها المعلنة لتسألها
فين أم العروسة
أشارت بيدها قائلة على مضض
هناك.
تحركت أنظار سعاد نحو الركن الداخلي للغرفة حيث تقف آمنة خلف ابنتها التي انتهت لتوها من زينتها استدارت نحوها الأولى وتلك الابتسامة العريضة تختلج تعبيراتها هتفت مهللة لاستقبالها
حاجة أم فضل تعالي يا حبيبتي.
أقبلت عليها ټحتضنها بذراعيها وهي تردد
الغالية مرات الغالي الله يرحمه.
بادلتها نفس الأحضان المشتاقة قبل أن تنطق وهي تستدير سائرة في اتجاهها
يا مليون حمدلله على السلامة.
توقفت كلتاهما عن الحركة بينما عاتبتها سعاد دون أن تفتر ابتسامتها
بقى كده تاخدونا في توكة وماتقولوش من بدري كنا عملنا الواجب وزيادة يا آمنة.
اعتذرت منها بشدة
معلش كل حاجة جت بسرعة والعريس مستعجل
ربتت على جانب ذراعها قائلة بتفهم
خلاص.. ملحوئة في فيروزة...
هزت رأسها في استحسان لكن تبدلت تعبيراتها للقلق قليلا حين أكملت
الحاج اسماعيل كان حلفان ما يجي.
جزعت متسائلة
طب ليه بس
أجابتها موضحة
إنتي عارفة مسائل الجواز وغيره لازم الكبارات يعرفوا بيها الأول مش يبقوا زي الغريب
نكست رأسها في حرج فهناك بعد التقاليد الواجب اتباعها عند القيام ببعض المسائل العائلية المصيرية والتي يتحتم فيها تدخل ذوي الشأن لإبداء الرأي الأخير أما الغفلة عنها فتولد بعض المشاكل الجسيمة التي ربما تؤدي للقطيعة ونكران صلة القرابة زمت شفتيها وغمغمت
معاكي حق.
لكن عادت سعاد لتؤكد عليها انتهاء المشكلة وأضافت
بس عشان مايكسرش بخاطر همسة ما هو بردك عمها الكبير ولازم تتبهوا بيه قصاد نسايبكم.
تنفست الصعداء وهتفت تشكرها
معاكي حق الغلط مننا وإن شاءالله مايحصلش.
ظلت سعاد محتفظة بابتسامتها المشرقة ورددت في اهتمام وهي تواصل التقدم نحو العروس
سيبك من ده وخليني أطل على عروستنا .. اللهم صلي على النبي بدر البدور.
همت همسة بالنهوض لتحييتها قائلة
مرات عمي.
لوحت لها بذراعيها لتظل جالسة وهي ترد
ماتقوميش يا قمر العيلة أنا هاجيلك لحد عندك.
بادلتها العروس ابتسامة رقيقة تناسبت مع جمالها الفاتن ولم ترغب زوجة عمها في إفساد زينتها بالتقبيل الزائد عن الحد لذا اكتفت بالتطلع إليها بنظراتها المليئة بالفرحة والسعادة للغاية.
.............................................................
العريس جه برا يا بنات.. وسعوا السكة.
ترددت تلك الكلمات العالية لتصل إلى آذان الجميع بما فيهم العروس التي تلبكت واضطربت وأحست بتقلصات خفيفة تصيب معدتها من توترها الطبيعي ناهيك عن تخضب بشرتها بحمرة زائدة عن الحد. رفعت عينيها لتنظر إلى فيروزة التي أمسكت بزجاجة العطر وأغرقت به ثوبها لتبدو رائحتها جذابة ومٹيرة. تنحت للجانب حين رأت هيثم يدخل وقبل أن ينطق بكلمة اشرأبت همسة بعنقها لتهمس لتوأمتها
ما تسبنيش
ردت عليها فيروزة بصوتها الخاڤت
حاضر.. أنا معاكي.
للحظة ظن أن القمر قد ترك محله بالسماء وهبط على الأرض لينير حياته
الكئيبة بحضورها. بسمة غير عادية زينت وجه هيثم كانت خطيبته جميلة الملامح لكنها ازدادت جمالا بعد ارتدائها لثوب العرس كان لرؤيتها الأثر الحسي والإيجابي عليه تذكر الأيام التي سبقت خطبته حين فرضت عليه بشكل متعمد وامتعاضه في البداية منها ومع ذلك كانت لحظة التحول الجيدة في حياته العابثة. أفاق من سرحانه السريع على تعبيراتها الناعمة تأمل اهتزازة شفتيها ركز كامل عينيه عليها ليؤكد لنفسه أنها باتت أخيرا خاصته لم يبصر سواها حوله خرجت أنفاسه حارة حين قال لها
مبروك.
قالت بخجل متحاشية النظر إلى عينيه المسلطتين عليها
الله يبارك فيك.
حانت منها نظرة جانبية لتوأمتها تؤكد عليها بهمهمة خفيضة
هتركبي معايا يا فيروزة أنا خاېفة .. ماتسبنيش.
تفهمت حالة الارتباك الجلية المصحوبة بالحياء الشديد بسبب خصوصية تلك الليلة تلمست جانب ذراعها وردت وهي تومئ برأسها
أنا معاكي.
هتفت إحدى السيدات من الخلف تمدح عروس العائلة
صلي على النبي يا عريس مش كل يوم هتلاقي حلاوة بالشكل ده.
رد وعيناه تحدقان في وجه همسة وبهما رغبة وشوق
عليه الصلاة والسلام.
......................................................
لا يمكن أن يسمى ما حدث الفترة الماضية سوى بأنها فترة الهدوء التي تسبق العاصفة رضخ إلى ذي الشيبة الحكيم الذي يعرف مفاتيحه جيدا ليتبع توصياته الجادة كما أملاها عليه حتى يصل لمبتغاه وإن كان في ذلك استنزاف صبره المستهلك مسبقا خاصة مع بعض الأمور الغامضة المليئة بالألم والتي عايشها قبيل فترة مراهقته. عاد تميم بذاكرته لليوم الفارق في حياته مع زوجته غير الأمينة على سره حيث انساق وراء جده لينزوي معه بالغرفة قبل أن تصل خلود لمنزله. العائلة وما يرتبط بها من قيم نبيلة لا تتفق مع حبائل الشيطان الخبيثة مثاليته الزائدة فيما يخص شئون أسرته ربما لن يرضى عنها الجميع واحد غيره لأقام الدنيا ولم يقعدها لإهانة رمز رجولته.
خرج من شروده المحير على إشارة جده له بعد أن جلس الأخير على طرف الفراش ودعاه للجلوس في مقعده المفضل آمرا إياه
اقعد يا تميم واحكيلي حصل إيه.
رفض ذلك وصاح به بكل ما يعتري صدره من ڠضب وغل
سيبني يا جدي أروح أخد حقي.
تقبل عصبيته قائلا
هاسيبك...
ثم منحه للحظة ليلتقط أنفاسه قبل أن يقول بهدوئه المكتسب عن خبرة طويلة بالحياة
بس لما أسمع الأول وأعرف كل حاجة حصلت من طأطأ لسلامو عليكم.
رد تميم على مضض عله يأخذ بمشورته
ماشي
وبالفعل بدأ في سرد ما تعرض له من مؤامرة دنيئة عرف عنها بمحض الصدفة نالت من رجولته واستهانت بقدراته البدنية وما تلاها من بعض الأحداث المدعاة للاڼتقام والٹأر. لم يقاطعه سلطان تركه يصول ويجول وينفعل ويفرج عن مكنونات صدره إلى أن خبتت الشحنة المتأججة بداخله. وبوجه بارد لا يحتله سوى تجاعيد الزمن وآثاره أردف متسائلا
عاوز الخلاصة بعد اللي قولته
رد تميم بنفاذ صبر
أيوه.
ظهر الاسترخاء على تعابيره وهو يستطرد
الكلام اللي اتقال ده كله ولا يسوى مليم واحد!!!!
تفاجأ من عدم مبالاته وهتف بصدر مخټنق
نعم
علل سلطان أسبابه موضحا
ده هري حريم أعدين على الشلت يومين وهيطلعوا يلكوا في حكاية تانية الحتة ما بتبطلش حكايات ولت وعجن.
صاح في استنكار مغتاظ
ده الناس كلها عرفت اللي حاصل بيني وبين مراتي.
صمت جده للحظة قبل أن يتابع مسهبا بلا تردد أو ندم وكأنه يكشف له عن حقيقة ونوعية البشر الذين يعاشرهم
أنا عارف إنك عملت ده عشان توريها إنها متجوزة راجل من ضهر راجل مش عيل ... بس هي غلطانة ومحقوقالك في ده مكانش يصح تقول لأمها كتلة الشړ دي على أي حاجة لأنها على طول بؤها في ودن الناس هتحور
وتجود من عندها ويا داهية دقي.. 
كان محقا في وصفها ببساطة لم يعقب عليه بدا فقط متجهما حانق النظرات. أضاف جده بترو
بس اسأل نفسك هو إنت عملت حاجة حرام نمت مع واحدة وقفشوك
على الفور قال نافيا
لأ يا جدي .. أعوذو بالله دي مراتي!
لاح على ثغره بسمة هادئة وواثقة وهو يتابع نصائحه الثمينة
خلاص اللي يفتح بؤه الرد جاهز مراتك غلطت وخرجت عن طوعك وعصيتك من غير ما تعلم حاجة وإنت كنت بتأدبها ومحدش ليه عندك حاجة!
صمت وصدره ينهج في قوة كتعبير عن غضبه المكبوت بينما استأنف سلطان حديثه بأسلوبه المتروي وكأنه يكشف له حلول الأحجية التائهة عنه
أما الحكاية التانية فدماغ أبالسة اللي تفكر فيها القادرة تحطلك برشام!!
زم شفتيه مغمغما بعد زفير منزعج
لأ ومش عاجبها يا جدي
ثم تنفس بعمق ليدمدم بسخط
وده اللي عرفته.. الله أعلم مستخبي إيه تاني!
رد عليه جده بهدوء
ولو إنك تزعل مني.. بس البت دي من زمان أنا مابتسريحلهاش!
انعقد حاجباه وسأله بنظرات تتفرس تعابيره الهادئة
ليه يا جدي بتقول كده
أجابه مستفيضا بتلقائية
كانت داخلة على أمك بالحنجل والمنجل طول النهار زن في دماغها ويا خالتي ويا عينيا وكلام ملزق مايتبلعش ملاوعة وكهنها باين مايدخلش عليا بتعريفة والمثل بيقول اقلب القدرة على فمها.. تطلع البت لأمها ودي تربية بثينة مهما كانت قدامك عاملة فيها غلبانة ومکسورة الجناح..
قاطعه حفيده متسائلا دون تفكير
زي أخوها يعني
نفى مبررا أسبابه
لأ.. دي بلوة والفرق بينها وبين أخوها إن الواد هيثم دغوف مابيفكرش لما بتهب في دماغه حاجة بيعملها إن شاءالله تكون هتوديه في داهية متسربع .. بس مافيش منه قلق يعني ورقه مكشوف لو شايل منك هايقول وساعة الحق بينطق مابيخافش..
بسمة ساخرة استحوذت على شفتي تميم بينما واصل سلطان القول بنبرة تحولت للقتامة
الدور والباقي على الحرباية اللي في وشها ليل نهار هتخططلها صح وتقولها تعمل إيه.. كرشها واسع وماتشبعش.
همهم تميم بحنق
خالتي بثينة.
بالظبط.
تساءل حفيده بندم بدا ظاهرا عليه
تفتكر كنت غلطان لما كملت الجوازة دي يا جدي
لم يجبه على الفور وانتظر للحظات قبل أن ينطق بحكمة أراحت صدره
إنت عملت الأصول يا تميم لمېت عرضك وعاشرت مراتك بما يرضي الله .. يعني رديت المعروف.. بس في غير أهله!
وكأنه يقاتل في معركة خاسرة لا أمل للفوز أبدا فيها انتفض تميم يثور من جديد
أنا معنتش طايقها قرفان منها ولولا اللي في بطنها كان هيبقالي تصرف تاني أنا هاين عليا أولع فيها وأخد تأبيدة.. إن شاء الله يعلقوني على حبل المشنقة. 
عقب عليه الجد مشددا بنبرة ذات دلالة قوية
اللي في بطنها من دمنا ومن صلبك.. واحنا مابنفرطش في عيالنا.
ظهر الإحباط على قسماته وسأله بصوت عبر عن حزن عميق
وإيه العمل هاعدي اللي حصل كده
غامت عيناه قبل أن يجاوبه بنبرة غامضة لكنها متزنة
لأ.. احنا هنقطع راس التعبان وديله.
قطب تميم جبينه في حيرة وسأله
مش فاهم يا جدي.
أشار له بيده ليجلس على المقعد الذي لم يلمسه إلى الآن وقال بمكر
هاقولك تعمل إيه..
.........................................................
كانت تحتفظ ببعض قطع الثياب في منزل خالتها علها تحتاج إليها في يوم ما