رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


مكتبها.
هز رأسه معقبا عليها
ماشي بس هاودي الحاجة العربية.
أوكي.
اقتضبت في الحديث وهي تجلس على المقعد لتراقبه خلال ذهابه وعودته بعينين نافذتين حتى انتهى من وضع كافة الصناديق ورغم يقينه من انزعاجها لوجوده إلا أنه كان مستمتعا باللحظات المحدودة التي يقضيها بصحبتها خاصة حينما تكون ساكنة رائقة المزاج وبدون من يقاطعه.
................................................
مر بعض الوقت ولم تعد علا بعد من الخارج وظل كلاهما في المحل بمفردهما دون أن يدخل إليه أحد وكأن العالم خلا إلا من وجودهما .. جلس تميم على المكتب قبالتها يتطلع إليها بنظرات حذرة محاولا التمتع بتأمل ملامحها دون أن تمسك به بضعة أسئلة شغلت تفكيره كلما أطال النظر إلى وجهها وشرد في تعبيراتها العابسة ما زالت لمحة الحزن تغلف قسماتها تشجع ليقول وهو يضغط على أصابع يده
هو أنا مضايقك في حاجة
اعتدلت فيروزة في جلستها خلف طاولتها سلطت أنظارها عليه وسألته بجمود وكامل عيناها عليه
تفتكر إيه
سحب شهيقا عميقا يضبط به تلك الزوبعة الدائرة فيه واسترسل معبرا عما يشعر به حين يلتقي بها
يعني .. حاسس إنك مش طيقاني وأنا ما بحاولش أفرض نفسي عليكي.
ابتسمت في استخفاف من جملته تلك وتنهدت تجيبه بلمحة ساخرة
باختصار لو فكرت فيها كويس هتلاقي إنك سبب كل مصېبة حصلتلي..
برقت عيناه مصډوما من صراحتها غير القابلة للتزييف نكس رأسه في أسف وسمع صوتها تقول له
أظن كده الإجابة وصلت
لم يستطع الرد عليها أو حتى التبرير كانت محقة في اتهامه مباشرة بأنه المتورط الأساسي في كل ما حل على رأسها من أذى وخړاب شعر بغصة مؤلمة تجتاحه حين تابعت بنفس أسلوبها الجاف والقساوة تنطلق من عينيها
سوري عندي شغل مش فاضية للكلام معاك ده أكل عيشي.
أشاح بوجهه كليا عاجزا عن رفع أنظاره نحوها شعر بنغصة ټضرب قلبه لتزيد من إحساسه بالذنب نحوها .. مشاعر أخرى ناقمة تنضم للكراهية والعدائية نحوه تحديدا لا أمل للتصالح أو النسيان أكدت له نبرتها ذلك وإن لم تبوح بهذا علنا.
في تلك الأثناء صف آسر سيارته على الجانب المقابل لرصيف المحل لعدم وجود مكان شاغر لركنها به كانت السعادة تتراقص بين ضلوعه لذهابه إلى هناك خاصة أنه رغب في رؤيتها بشدة اختفى الحماس المليء باللهفة حين لمح تميم عبر الزجاج جالسا بالداخل تقلصت عضلات وجهه واربد بالضيق الواجم ظلت عيناه المنزعجتان ترتكزان عليه خلال عبوره للطريق وهو يسأل نفسه 
بيعمل إيه جوا
البني آدم ده
تجاهل صوت البوق الصادح الذي ينبهه للسيارة القادمة بسرعتها من على بعد حاول قائدها تفاديه لكن لمساحة الشارع الضيقة لم يتمكن من فعل ذلك فما كان منه إلا أن صډمه ليتدحرج آسر على الطريق وسط صرخات وصدمة الجميع ..
انتفض من جلسته تميم لينظر من الزجاج للحاډث المروري الذي جرى على مقربة منه مرددا
يا ساتر يا رب.
ومن تلقاء نفسها خرجت فيروزة لتتفقد الحاډث ذهول صاډم حل بها حين أبصرت جسده مسجى على الأسفلت تحركت شفتاها لتناديه بارتعاب طبيعي من هول المنظر
ده آسر حصله إيه
نظر لها تميم بعينين مزعوجتين لترديدها اسمه أحس بمشاعره الحانقة تطفو على السطح لتغطي أي مشاعر نادمة أو حزينة تبعها متجها إليه وسط الحشد الذي تجمع حوله تعالت الأصوات اللائمة فقال أحدهم
يا عم في بشړ ماشيين على الأرض مش حيوانات عشان تدوسونا.
احتج قائد السيارة المتهم ليدافع عن نفسه
وربنا هو اللي غلطان أنا ضربتله كلاكس من أول الشارع وهو مصمم يعدي ولا كأن في حد بيزمرله.
لكزه أحدهم في كتفه قبل أن يلومه
دوس فرامل يا جدع إنت.. وخلونا نشوف هو مين ولا آ....
چثت فيروزة على ركبتها قبالة آسر لتقول عاليا
أنا عارفاه يا جماعة..
ثم انخفضت نظراتها نحوه لتسأله في قلق
إنت كويس حاسس بإيه
اندفعت حمية تميم الذكورية لتغزي عروقه في ضيق سافر وهو يتابع المشهد الدائر غالب ما ينتفض في كيانه وسلط نظره على آسر الذي صړخ متأوها پألم وهو يتحسس ساقه
آه.. مش قادر.
سألته فيروزة بعينين تدوران على وجهه لتتفحص بنظراتها مدى خطۏرة إصابته
طب قادر تتحرك
هز رأسه بالنفي وصرخاته تعلو في الهواء اقترح عليه المتسبب في الحاډث بعد الاعتذار منه
يا أستاذ أنا والله ما أقصد ولو تسمحلي أوديك أقرب مستشفى نطمن عليك والتكاليف على حسابي.
ردت عليه فيروزة دون تفكير
أنا هاجي معاه أنا أعرفه كويس.
هنا تدخل تميم ليقول وهو يدفع الرجل للخلف ليقف مكانه في الصدارة
لأ خلاص يا كابتن الموضوع مش مستاهل وأنا معايا عربية وهوديه.
واصل آسر صراخه الموجوع واستنجد بها بعد أن قبض بيده على ذراعها ليتشبث أكثر بها وليضمن عدم تركها له
الحقيني يا آنسة فيروزة أنا بمۏت ولا إيه
هزت رأسها ترد وهي تنتزع يده عنها
متقلقش احنا كلنا جمبك..
ألقت نظرة غريبة على تميم الذي مرر ذراعيه أسفل جسد آسر ليرفعه عن الإسفلت اعتدلت في وقفتها وأشارت نحو الخلف متابعة حديثها بأنفاس شبه مضطربة
أنا هاقفل المحل وأجي معاك اطمن.. هاتبقى كويس يا أستاذ آسر.
ضغط تميم بقبضتيه على ضلوع الأخير الذي يسنده وكأنه يريد تفتيتها وهو يتابع مدى اللهفة والخۏف في عينيها شعور خانق للصدور تمكن منه ولم يستطع كبحه أو إيقافه بل تركه يسري في بدنه ولسان حاله يردد بغيظ
هي واخدة بالها أوي منه كده ليه
آآآه
صړخ آسر مټألما من ضغطاته العڼيفة على أنحاء جسده الذي يئن بآلامها المستحدثة ونظر له باشمئزاز من طرف عيه كما لو كان يوبخه ولكن بلهجة آمرة
بالراحة هو إنت معندكش ډم مش شايفني متبهدل إزاي
توحشت نظرات تميم وكز على أسنانه ليرد بوقاحة
ابقى اتعلم تمشي إزاي في الشارع بدل ما تكوم كده واللي زيي في الآخر بيشيلك.
ثم لف ذراعه حول كتفيه ليتمكن من السير به إلى سيارته فتح له الباب الخلفي وأجلسه على المقعد ليمدد ساقه المټألمة في المساحة المتسعة لم يكف آسر عن الصړاخ والشكوى أغلق تميم الباب ونظراته المزدرية نحوه لا تفارقه استدار ليجد فيروزة مقبلة عليه فسد بجسده الباب الخلفي مقترحا عليها
تعالي قدام هنا مش
معقول هتلزقي فيه وإنتي شايفة حالته عاملة إزاي
شبت على قدميها محاولة النظر من خلف كتفه وقالت في تفهم
معاك حق.
بدا كمن أزيح عن صدره ذلك الثقل الجاثم بعدم اعتراضها على طلبه ودمدم مع نفسه بارتياح
كويس..
وفي لباقة غريبة منه فتح لها الباب الأمامي لتجلس على المقعد استقرت فيه وأغلقه ليدور حول مقدمة السيارة هامسا لنفسه في سرور بدد ضيقه المسيطر عليه قبل لحظات
أخيرا عملت حاجة عدلة في حياتك يا برميل الرخامة.
مالك مكلضمة كده ليه
سألت بثينة ابنتها بتلك الكلمات المهتمة وهي تتمعن في وجه ابنتها المكفهر بداخل غرفة نوم تميم في منزل أختها وكأن السعادة قد فارقتها منذ أدهر وتركت فقط آثارها على ملامحها نفخت خلود في زفير ممل وطويل لتشرد أمامها بنظرات فارغة جوفاء أدارت رأسها ناحية والدتها التي كانت تنتظر ردها وقالت بيأس
كنت مفكرة إن تميم هيبات معايا لما جينا هنا..
وضعت إصبعيها أسفل ذقنها وردت تسألها في إنكار
أومال بيبات فين!!
أجابتها بإحباط
يا في الوكالة يا في البيت ..
ثم زمت شفتيها لتتابع بتذمر
وأنا اتهد حيلي هنا طلبات عمال على البطال وهو طول النهار برا أما خلاص هاشق هدومي من الغيظ.
ربتت على ظهرها في حنو وشدت من أزرها قائلة
معلش يا بت بكرة تتعدل معاكي.
انتبهت كلتاهما للدقات الخاڤتة على الباب فتوقفتا عن الحديث أطلت ونيسة برأسها وهي تسأل في فضول
واخدين جمب كده ليه يا بثينة وقافلين عليكو الباب
أجابتها الأخيرة ببسمة مفتعلة مستخدمة يدها في الإشارة
مافيش ياختي ده احنا عاملين بنرتب للسبوع بنشوف هنعمل فيه إيه.
ردت عليها والحماس يملأوها
ماتشلوش هم الحاج بدير هيعمل كل حاجة.
هزت بثينة رأسها في استحسان وأضافت
ربنا يبارك في عمره.
دنت ونيسة من ابنة أختها لتمسح على جانب وجهها الهادئ بحنو نظرت إليها بنظرات أمومية قبل أن تدعو لها
وعقبال ما نفرح بعوض حبيبة قلبي.
انطلقت تنهيدات عاشمة من بين شفتيها وهي تغمغم برجاء متزايد
يا رب يا خالتي ادعيلي كتير.
قالت مبتسمة
بأدعيلك ربنا يديكي على أد نيتك
علقت بثينة في تهكم
ما بلاش الدعوة دي ادعيلها ربنا يفتحها في وشها.
كركرت ونيسة ضاحكة لترد بعدها بسجيتها الطيبة النابعة من فطرة لم تدنسها الضغائن
حاضر يا حبيبتي هو أنا عندي أغلى من مرات ابني دي بنتي التانية ..!!!!
يتبع
الفصل الأربعون
جلسا متقابلين على المقاعد المتاحة في الردهة بالمشفى بعد إيصال تميم لذاك السمج الذي تعرض لحاډث السير وتولي الطاقم الطبي مهمة التعامل مع حالته لم تتركه فيروزة وظلت باقية تنتظر بتوتر نتائج فحص حالته بالطبع اضطرت أن تهاتف رفيقتها علا لتطلعها على الأمر لكونها أيضا لا تعرف أصدقاء له أو حتى أي أقرباء سواها نفخت في سأم وهي تنظر لساعة هاتفها المحمول مر الوقت بطيئا عليها وكانت في حالة قلق واضحة خشيت من وقوع الأسوأ. راقب تميم ما يصدر عنها بنظرات حذرة آملا ألا تمسك به وهو يتطلع إليها خلسة كان على دراية بحدة طباعها وعصبيتها الوشيكة ناهيك عن تحفزها للانقضاض في التو على من يتجرأ عليها.
لاحظ الإرهاق البادي على ملامحها ما زال بها ذاك الشيء الغامض الذي يستحثه على النظر إليها دون ضجر وفي صمت لذيذ حتى عيناها كانتا متعبتين كل بضعة لحظات تفركهما بأناملها تأهب في جلسته وقد نظرت إليه بغتة لتسأله
في حاجة
تنحنح بخفوت قبل أن يجيبها متعللا
مكانش ليها لازمة تتعبي نفسك وتيجي أنا بأعرف أتعامل في المواقف اللي زي دي و...
قاطعته وهي تشيح بوجهها للجانب
شكرا.. كان لازم أجي أنا أعرفه بس إنت لأ.
ورغم إحراجها الواضح له إلا أنه لم ينزعج من صراحتها لكن أغضبه اهتمامه الزائد بذلك الغريب الذي على ما يبدو لم تلتق به سوى بضعة مرات ليستحوذ على ذلك القدر من قلقها شعوره بالغيرة منه تعاظم بداخله انصرف عن التفكير في تصرفاتها معه حين أطل عليهما الطبيب نهض واقفا لينظر إليه وقبل أن يبادر بالسؤال عن أحواله كانت فيروزة تتساءل بتلهف
خير هو عامل إيه دلوقتي
كان تميم كالقابض على جمر في راحته كظم تلك الأحاسيس المنزعجة في صدره وحاول أن يبدو هادئا ما زال ذلك السؤال الغريب يلح عليه في رأسه لماذا هو حانق هكذا بشأن اهتمامها بغيره أليست غريبة عنه وأمرها لا يعنيه كيف تنتابه تلك المشاعر المستاءة وتكاد تفتك بصدره انتبه لسؤال الطبيب الروتيني المستفهم
إنتو قرايب المړيض
تبادلت معه فيروزة نظرة مترددة قبل أن تعاود التحديق في وجه الطبيب لتجيبه
أيوه.. أنا أعرفه وكلمت معارفه وهما في الطريق.
استفاض في شرح حالته موضحا
عموما هو بخير مافيش غير كسر في الساق وهيتحط في الجبس لمدة شهر مع شوية رضوض وكدمات طبعا ده نتيجة الارتطام العڼيف بالأرض احنا عملناله أشعة مقطعية على المخ