رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


للإقبال عليها . ترك خليل ما في يده من أكياس ممتلئة بالطعام والفواكه على الأرضية لينحني حاملا إياها بعد غلقه للباب إليها هاتفا بحنو رغم اللهاث المصاحب لصوته
حبيبة بابا.
سألته الصغيرة بعتاب
اتأخرت ليه
أجاب خليل مبتسما
كان عندي شغل أد كده.
عبست الطفلة وقالت ببراءتها غير الملوثة
أنا بأزعل لما بتسافر.
رد عليها بحنو كبير وهو يمسح على صدغها بكفه
معلش يا حبيبتي ده عشان أجيبلك لعب حلوة.
ظهر أمامه امرأة عشرينية حسنة الوجه قمحية البشرة تلتصق ثيابها المنزلية ببدنها بشكل مغر انفرجت شفتا خليل عن جائعة خاصة مع دلالها الأنثوي وهي ترحب به
حمدلله على السلامة يا خليل.
تقدم نحوها والتف ذراعه الآخر حول كتفيها ليضمها إليه وليشعر بمنحنياتها الجذابة على جسده تنهد قائلا لها بلوعة الاشتياق 
وحشتيني يا سماح.
لكزت كتفه برفق وتغنجت بجسدها معاتبة إياه في عبوس رقيق
كده بردك ماتتصلش بينا الفترة اللي فاتت يا سي خليل
رد معللا سبب غيابه
ما إنتي عارفة حمدية كانت فوق دماغي.. مش مخلياني أشم نفسي حتى.
تأففت كمن تذوق شيئا لاذع المذاق لتقول بعدها بنفور وهي تضع يدها على صدرها
أعوذو بالله منها لما تيجي سيرتها قلبي بيتقبض.
قال مؤيدا بسخط كبير
بومة طول عمرها ربنا ياخدها ويريحني وبعدين أنا جاي أقعد معاكي إنتي كام يوم.
تمايلت سماح بجسدها بدلال أكبر وهي تحمل الطفلة عنه لتسأله بعدها
صحيح إنت سيبتها في البلد لوحدها
أجاب نافيا بصوت مرهق
لأ مع العيال وبعدين هيجرالها إيه يعني
ردت بتوجس
لأحسن تشك فيك سفرك بقى كتير وكده.
انتزع ساعة يده وأزاح سترته المتعرقة عنه ليرد بغير مبالاة وهو يلقي بثقل جسده على الأريكة العريضة
أنا قولتلها مأمورية طارئة زي كل مرة.. تصدق ما تصدقش تتفلق أنا هربان من مشاكل الدنيا كلها عشان أجيلك يومين أروق دماغي.
هتفت بتدلل
أحلى دلع هتشوفه معايا ده أنا مراتك حبيبتك..
ثم تحولت نبرتها لقليل من الجدية حين سألته
إنت كنت قايلي قبل ما تسافر إن في خطوبة بنت أختك عملتوا الخطوبة
أخبرها بعد زفير بطيء صرف معه إنهاكه
لأ .. لسه.
جلست الطفلة في حجره وأحاطت بجسد والدها بينما تساءلت سماح بفضول
ليه
راوغها خليل في الرد وقال
بعدين بقى أنا دماغي أد كده من الطريق.
اعتذرت منه بابتسامة كانت لعوب إلى حد ما
دلوقتي أنسيك التعب وهدة الحيل.
اتسعت ابتسامته العابثة وقال لها مستخدما يده في الإشارة
هتلاقي في الشنط اللي هناك دي كباب وكفتة أنا جايبهم عشان ناكل ونروق على نفسنا.
سال لعابها مع إحضاره لذاك الطعام الشهي وارتفع زئير بطنها الجائع لتصيح في حبور
الله .. وأنا هاجهز السفرة على طول.
أمرها بما يشبه الرجاء
أوام يا مووحة لأحسن أنا واقع من الجوع.
ردت عليه بلؤم ممتزج بالخجل
ما أنا زيك محطتش الزاد في بؤي من ساعة ما اتصلت عليا وقولتلي أنا جاي هو أنا يجيلي نفسك أكل ولا أشرب من غيرك
هتف في انتشاء
أصيلة يا ست البنات.
أحنت سماح جسدها للأمام لتجمع الأكياس التي أحضرها بطريقة شبه مغرية متعمدة أن تبدو مقوماتها في مرمى بصره ليظهر تأثيرها عليه وسألته دون أن تعتدل في وقفتها
صحيح عملت إيه في تأشيرة أخويا
أجابها على الفور ونظراته لم تفارق منحنيات جسدها
كلمت الراجل معرفتي وهيخلصهالي قريب متقلقيش.
اعتدلت ببطء في وقفتها وردت تشكره في امتنان
ماتحرمش منك يا غالي.. مسافة ما تغسل إيدك هتلاقي الأكل محطوط على التربيذة.
هز رأسه مرددا بابتسامة متحمسة ويداه تلاطفان طفلته الصغيرة الجالسة في أحضانه
ماشي يا عسل.
........................................................................
صعدت إلى سطح المنزل في ذلك الوقت المتأخر من الليل وقفت عند حافته عاقدة لساعديها معا أمام صدرها تتأمل بعينين متعبتين الأمواج المتلاطمة وهي تتكسر على الشاطئ كانت روحها مثلها تتكسر مع القساوة التي تختبرها من آن لآخر وكلما حاولت لملمة شتاتها المبعثر يظهر ما يحطمها من جديد لم تختر أن تكون الضلع المنوط بتحمل عبء المسئولية كاملة لكن فرض عليها رعاية أسرتها في ظل طبيعة شخصية والدتها المسالمة ومع رهافة مشاعر توأمتها ووجود خالها الطامع وزوجته الحقود وعائلة تسكن بعيدا عنها لا تلتقي بهم إلا في المناسبات السارة. 
أطالت فيروزة النظر في السواد الحالك على مرمى البصر وهي تسمح لحزنها بالطفو بعيدا عن الشامتين بكت في صمت نحيبها الخاڤت اختلطت مع أصوات المياه العالية لم ترغب في مشاركة أحدهم ضعفها لم تفعل ذلك من قبل ولن تفعله الآن. انتفضت بقوة مع رنين هاتفها الموضوع في قبضة يدها لم تعتد على اهتزازه في مثل تلك الساعة حدقت في الشاشة بالرقم الغريب الذي احتلها تجاهلت الرد عليه لكنه أصر على المواصلة فاض بها الكيل وأجابت بحدة
ألو.. أيوه
صوتا رجوليا عميقا رحب بها بلطف
مساء الورد يا فيروزة.
تحفزت في وقفتها وتقلصت تعبيراتها متسائلة
إنت مين وعرفت اسمي إزاي
في خضم ما عايشته قبل لحظات لم تتبين من الوهلة الأولى صوته الناعم المألوف ولكنه أجاب بهدوء حتى لا يطيل حيرتها
أنا آسر.
ذكر اسمه كان كفيلا باتقاد النيران فيها لم تبادله الترحيب أبدا بل تسابق في عقلها الذكريات المؤلمة التي ارتبطت به وهتفت تهاجمه بضراوة دون أن تعطيه الفرصة لقول نصف كلمة على الأقل
إنت جبت رقمي منين ومين سمحلك تكلمني أصلا أنا مافيش بيني وبينك حاجة ومش موافقة أتجوزك يا ريت تكون فهمت.
لحظة من الصمت حلت عليه حاول أن يستوعب فيه ما اعترفت به توا قبل أن يرجوها
طب ممكن تسمعيني
صاحت بعصبية لافظة أي محاولة للتودد لها بمعسول الكلام
ده اللي عندي ويا ريت ماتتصلش تاني لأني هاعمل بلوك لرقمك ولأي رقم تفكر تتطلبني منه.
ثم قطعت الاتصال فجأة وصدرها ينهج بقوة كافة الانفعالات الثائرة التي لطالما قاومتها اندفعت ككتلة حاړقة في تلك اللحظة تحديدا لم تهدأ ثروتها إلا بطرده من حياتها وإن لم يرتكب شيئا سيئا في حقها لكن وجوده اقترن بشرور لم تتعاف منها بعد.
....................................................
بضعة أيام أخرى انقضت عليها في منزل خالتها وهي تعافر آلام رحمها الصاړخة بدأت علامات الإچهاض تظهر عليها من تقلصات موجعة ټضرب أسفل بطنها وكأنه يلفظ بشراسة ما احتواه في الأسابيع الماضية مع ڼزيف متزايد جراء اتساع عنق الرحم ورغم هذا رفضت تصديق حدوثه وأنكرت ما أخبرها به الطبيب عن تدهور حملها واحتمالية خسارتها لجنينها قاومت التقلصات الموجعة واستعانت بالدواء المسكن لتكتم أنين جسدها المستنجد تشبثت بقوة بالأمل الأخير الباقي لها لاستعادة طليقها.
اتجهت خلود للشرفة لتستنشق الهواء أو الأحرى أن يقال أنها تحاول عدم لفت الأنظار إليها فقد ظهر عليها الإعياء مع التعرق الغزير وارتفاع درجة حرارة جسدها استندت براحتيها على حافة الشرفة لم تركز في أوجه المارة كانت تعتصر عقلها محاولة البحث عن حل بديل لمأساتها الأكيد ستدعمها والدتها وخالتها موقف شقيقها على الحياد لكن ماذا عن الجد وابنه كلاهما عقبتان بارزتان في طريق إكمال سعيها زفرت في سأم وقالت لنفسها
لازم يبقى ليها حل.
تجمدت عيناها على وجه لم تحبه يوما حيث رأت فيروزة تسير متأبطة ذراع والدتها عند ناصية الشارع تجمعت كراهية العالم بأسره في مقلتيها نعتتها بصوت خفيض بكلمات نابية عدائية
بنت ال ... !!!
تتبعت سيرها بغيظ طفح على ملامحها توحشت عيناها ولم تطرف بجفنيها ومضة خاطفة شيطانية دارت في رأسها عندما وجدت كلتيهما تتجهان نحو المدخل حتما ستزوران همسة فالأخيرة تسكن بالطابق العلوي تحفزت أكثر وقد برزت معالم خطتها الجهنمية لما لا تستغل مأزقها وتورط تلك البائسة بشكل أو بآخر معها وتجبرها على الاشتباك البدني لتكون السبب الرئيسي في إلحاق الأڈى بالجنين فتثأر لنفسها وټنتقم منها.
لم تتردد للحظة أو تفكر مرتين استدارت خارجة من الشرفة لتقول بصوت عال بالكذب
أنا هاطلع الژبالة يا خالتي بدل ما تعمل ريحة في المطبخ
أتاها صوت ونيسة معترضا
ماتتعبيش نفسك تميم هيجي كمان شوية يبقى ياخدهم مرة واحدة يرميهم في المقلب.
أصرت على طلبها وإلا لفسدت خطتها
ولا تعب ولا حاجة دي شنطة صغيرة.
التقطت الكيس شبه الفارغ من الصندوق الملاصق لحوض المطبخ واتجهت بخطوات متعجلة نحو باب المنزل تركت الكيس في مكانه بالخارج وتلكأت وهي تدنو من الدرابزين لتتلصص على الأصوات الأنثوية الأتية من الأسفل سمعت آمنة وهي تقول
احنا مش هنطول عند همسة هنطمن عليها ونمشي.
ردت فيروزة باقتضاب
طيب.
تراجعت خلود للخلف قبل أن تلمحها إحداهما وهي تتجسس عليهما استعدت لمواجهتهما تفاجأت آمنة بوقوفها على حافة الدرج ونظرت لها بغرابة مرددة عليها التحية
سلامو عليكم.. إزيك يا بنتي
ردت عليها خلود بوقاحة
أنا مش بنتك.
حمرة حرجة تشعبت بها بشړة الأخيرة بينما تقاذف الڠضب في حدقتي فيروزة وبادلتها نظرة قاسېة محذرة ومع هذا تعمدت خلود إحراج الضيفتين واستفزازهما لأقصى الحدود ليتم تنفيذ خطتها الوضيعة بحذافيرها فأردفت بوقاحة
طالعة أرمي الژبالة لاقيتها في وشي صحيح العمارة لازم تنضف كل شوية.
أمسكت آمنة بذراع ابنتها التي بدأت في التشنج وضغطت عليه تستحثها على التحرك هامسة لها
سيبك منها يا فيروزة وخلينا نطلع.
تابعت خلود قائلة بسخرية وهي تضع يدها على أنفها
ريحة زفارة وحشة يا ساتر يا رب هاجيب اللي في بطني.
لم تصمت فيروزة عن إھانتها وردت بقوة وبنظرات احتقارية
ماتبقيش تقفي جمب الژبالة كتير.. لأحسن ريحتها لازقت فيكي.
التقطت الشرارة من هنا ورفعت نبرة صوتها لتصرخ بها وهي تلوح بذراعها في الهواء
ژبالة مين يا ... تعالوا وشوفوا مين بتكلم.
حالت آمنة بينها وبين ابنتها فقد عمدت الأخيرة للتطاول اليدوي لاستفزاز فيروزة بصورة فجة وقالت برجاء
خلاص يا بنتي عيب كده!
استدارت خلود بجسدها وتحركت بخطوات محسوبة لتغدو بالقرب من حافة الدرج لتصبح مسألة انزلاق قدميها أكيدة وتابعت صياحها المهلل بصوت أعلى وهي تصفق بيديها
عيب هو إنتو لسه شوفتوا العيب ده أنا هاخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكم!
ردت عليها فيروزة وهي تمنع يدها من الإمساك بها أو جذب ثيابها
إنتي قليلة الأدب ومش محترمة وفعلا تستاهلي الواحد يقل أدبه عليكي.
ارتمت خلود بجسدها على آمنة قاصدة الاعتداء على فيروزة موجهة لها وابلا من السباب الحقېر مستغيثة بخالتها
تعالي يا خالتي شوفي اللي بيحصل برا.
وفي لحظة معينة عند لمحها لخالتها ونيسة دفعت نفسها بارتداد عڼيف للخلف سامحة لقدمها بالتخلي عن قمة الدرج الواقفة عليه لتبدو وكأنها مدفوعة عن عمد من قبل فيروزة وصوت صړاخها المفزع يزلزل جدران البناية
الحقووووني !!!!!
الفصل السابع والخمسون 
قبيل الکاړثة التي وقعت بلحظات تأكدت من إعادة تنظيف الصالة ونفض الأسطح الزجاجية وإزاحة أي عالق من الأتربة ليبدو المكان مرتبا نظيفا وطيب الرائحة. انتقلت بعد ذلك لغرف النوم لتبدل الأغطية وإعادة وضع الوسائد على الأسرة بشكل جمالي رقيق تأكدت همسة من اللمسات الأخيرة لمنزلها وانتظرت بترقب مجيء والدتها. مشط هيثم شعره وعدل من ياقة الزي الرياضي الذي ارتداه تركزت نظراته على زوجته حين أردفت قائلة بتنهيدة متوترة 
ماما على وصول وبصراحة كده أنا خاېفة يحصل خناقة مع مامتك...
ضاقت نظراته بقليل من القلق أيضا بينما أكملت همسة