رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


هيثم مبررا بنبرة عادية
أكيد حصله مصېبة في شغله الظروف ياما بتحصل 
ارتفعت نبرتها المتذمرة وهي تعقب عليه
ماما بتقولي إنه كان حاجز تذكرة الطيران من قبلها يعني الموضوع مش مفاجأة بالنسباله 
حاول تميم أن يستجمع أطراف الخيوط معا ويربطها ليصل في الأخير إلى صورة أولية تفسر حديثهما الغامض لكن هيثم أنهى النقاش قائلا
كبري دماغك يا هموس هما أحرار مع بعض 
على مضض قالت له
طيب بعد ما أكمل نشير للغسيل أنا هاروح أقضي اليوم مع فيروزة هاخد بخاطرها أكيد هي زعلانة 
رد عليه هيثم بنبرة شبه مستاءة
ماشي بس عايزين نركز في بيتنا 
ردت بتبرم
هو أنا هاقعد في الشارع ده من بيت لبيت يا هيثم 
اقتضب زوجها في رده قائلا
ماشي 
شعور بالاستغراب والاسترابة في نفس الآن تسرب بقوة إلى تميم وحثه على عدم تجاهل الأمر ودون إعادة تفكير قال لنفسه بنبرة عازمة
لازم أعرف الحكاية فيها إيه!
كناج وجد طوق النجاة بعد معاناة مع الڠرق تلكأ في خطواته بمجرد خروجه من المنزل وإغلاقه لبابه ظل تميم واقفا أمام عتبته منتظرا نزول هيثم من الأعلى ليسأله بنوع من المراوغة عن تفاصيل ما سمعه خلال حواره مع زوجته استطاع أن يسمع صوته وهو يودعها فاستعد للتحرك ليبدو كما لو أنه التقاه مصادفة على الدرج تنحنح بصوت شبه مرتفع ليستهل حديثه بعدها وهو ينظر في اتجاهه
صباح الخير 
رد وهو ينظر في اتجاهه
صباحك فل يا معلم 
سأله بفتور وكأن التوق لا يحرقه لاستدراجه في الحديث واستخراج المعلومات التي يحتاج لمعرفتها منه
جاي معايا يا هيثم
رد بنظرات شردت في اتجاه الجوال
أيوه 
ثم تساءل وعيناه مثبتتان عليه
هو الشوال ده تبع حد
قطب تميم جبينه ورد متسائلا في استغراب
أنهو شوال
أشار هيثم بيده وبعينيه نحوه موضحا
اللي محطوط هنا 
تحرك ابن خالته في اتجاهه مرجئا ما يفكر فيه لبعض الوقت حتى يتبين الموضوع وصعد على مهل بضعة درجات ليقف أمام الجوال المريب دارت نظراته عليه دون أن يمسه فحصه من الخارج وهو يتساءل أيضا
ده بتاع إيه ده حاجة تخص جماعتك
نفى على الفور
لأ وبعدين ده مكانش موجود هنا بالليل 
استراب من جملته الأخيرة وبدأت الهواجس تساوره لذا قام تميم بفتحه من الأعلى فوجد نشارة أخشاب جديدة تملأوه تلك المستخدمة في صناديق نقل الأشياء الضخمة الثمينة حتى لا تتحطم مما زاد من دهشته نظر إلى ابن خالته وردد بقليل من الحيرة
دي نشارة خشب!!!
زوى ما بين حاجبيه مغمغما
نشارة! وجايبينها هنا ليه
نظر لها بنظرات حادة قبل أن يعلق بسخط
بتسألني أنا
لعق شفتيه وقال وهو يهز كتفيه
ما أنا زي زيك مش عارف 
تساءل تميم في فضول حائر وكأنه يفكر بصوت مسموع
مين اللي جابه من برا لهنا وإزاي ماشفنهوش
ببلاهة أجاب هيثم
مش عارف وبالليل لما رجعنا مكانتش هنا 
ضاقت عينا تميم بشك فهذه الأنواع من الأجوال تستخدم في بعض الأحيان لتهريب المواد المخدرة والممنوعة هتف مفصحا عما يدور في رأسه فجأة
لأحسن يكون فيه حاجة من إياها!
تحولت تعابير هيثم للصدمة وقال مذهولا
أوبا ده ابن اللي يفكر يعمل كده لأ وعندنا كمان!!
هنشوف
أوجز حديثه بتلك الكلمة ولف ذراعه خلف ظهره ليخرج من جيب بنطاله الخلفي مديته أشهرها ونغز بنصلها الحاد وبعمق أماكن متفرقة في الجوال ليكشف بتلك الوخزات عن وجود ما يعيق مرور نصله وبالفعل علقت
مديته في شيء ما جذبها بخشونة ليحدث شقا عريضا في تلك المنطقة ثم دس يده وسحب العائق وكانت المفاجأة وجد كلاهما مغلفا مريبا مصنوعا من البلاستيك مخفيا داخله تفحصه تميم بنظرات دقيقة واستعان بمديته مرة أخرى ليفض الكيس المحكم وهنا تم الكشف عن أشرطة دواء غريبة تبادلا النظرات المصډومة نطق هيثم أولا وهو يزدري لعابه
يا صباح اللومان لأ وعشماوي كمان 
وبخه تميم بصوته الأجش وتلك النظرة الصارمة تكسو عينيه
إنت هتعدد اسكت مش ناقصين فضايح 
سأله بسذاجة ليتأكد من صحة ما تفقه إليه ذهنه
ده برشام مظبوط
أجاب ابن خالته بنفاذ صبر وكأنه يزجره
أيوه واهدى على نفسك مش عايزين شوشرة 
هوى قلبه في قدميه ړعبا فمعنى وجود تلك المواد المخدرة معهما أنهما متورطان فيها وإن قام أحدهم بالإبلاغ عن وجودها لوقعا في المحظور وأصبحا في أزمة خطېرة لذا على عجالة تساءل في خوف معبرا عن هواجسه
طب وهنعمل إيه
تجاهل تميم الرد عليه ليكمل مهمته في فحص باقي الجوال بعد إسناده للمغلف على إحدى الدرجات ليضمن خلوه من أي مواد مخدرة مخبأة فيه اعتدل في وقفته بعد أن أعاد نصل مديته إلى مكانه ثم أشار بيده لابن خالته المتوتر ملقيا بأوامره عليه
خد الشوال ده ارميه في المقلب اللي على أول الشارع واطلع ورايا على السطح بعد كده 
بإيماءة موافقة من رأسه كذلك قال هيثم بانصياع
ماشي 
وبثبات انفعالي يناقض طبيعة الموقف الموترة للأعصاب صعد تميم لسطح المنزل باحثا عن إحدى صفائح علب الجبن المعدنية الفارغة والمخزنة بالأعلى ضمن الكراكيب المهملة فيه ليضع بداخلها المغلف ثم التقط زجاجة البنزين المملوءة بكمية بسيطة منه والتي أحضرها من الدرج المخصص لأدوات النظافة الموجود أسفل الحوض في مطبخ منزله ليسكب كل محتوياتها على المغلف وأخرج ولاعته من جيبه ثم أشعل النيران بالصفيحة لېحرق ما بداخلها بالكامل راقب ألسنة اللهب وهي ترتفع وتخرج عن حافة الصفيحة لكنها التهمت المغلف وما يحتويه ضاقت عيناه أكثر ولم يتوقف عقله عن التفكير للحظة في ذلك المجهول الأرعن الذي تجرأ ودس مثل تلك الأشياء المهلكة في بيت عائلته حتما لم يفعل ذلك مصادفة ولم يأت تصرفه الموجه لشخص العائلة من فراغ هناك من يتربص في الخفاء قاصدا إلحاق الأڈى بأحد أفرادها ولكن من يا ترى هذا الوغد قطع استغراقه في أفكاره التحليلة صوت هيثم اللاهث وهو يسأله
تفتكر مين اللي عايز يلبسنا تهمة تعلق رقبتنا على حبل المشنقة
أجابه تميم بغموض
دلوقتي هنعرف 
تطلع إليه في عدم فهم ولاحقه بالسؤال
هتعمل إيه
رد على مهل مشيرا لخطوته التالية ونظراته موجهة إليه
هكلم الواد بتاع محل الكاميرات يجي يشوفلنا الليلة دي بدأت إزاي 
لوح هيثم بذراعه وتساءل مرة أخرى
طب والقرف ده 
سكت عن الكلام لثوان ثم قال بصرامة نافذة
اكفي على الخبر ماجور محدش يعرف عنه حاجة سامع 
أطبق على شفتيه وهو يعلن في صمت عن اتباعه لأوامره فهذه المسألة لا تحتاج لجدال أو لفت الانتباه لكون الخطأ بها يودي للهلاك الحتمي 
بعد أن فرغا من التخلص من تلك المواد المخدرة ومهاتفة تميم للشاب المسئول عن تركيب كاميرات المراقبة هبط كلاهما للأسفل وتحديدا في منزل سلطان شدد الأول على ابن خالته بالتزام الصمت التام وألا يتفوه بأي حماقة تخص ما اكتشفاه حتى لا تثار أي ضجة ونفذ هيثم ما أملي عليه بالكامل وجلس منتظرا قدوم الشاب بأعصاب متوترة جاءت ونيسة لتحيته متسائلة عن عمد وهي تضع كوب الشاي أمامه
أختك عاملة إيه
دلوقتي يا هيثم
نظر أولا إلى تميم الذي على ما يبدو لم يكن مهتما بسماع رده وقال بعدها ببسمة مقتضبة
الحمدلله أحسن 
تركزت عينا خالته على ابنها الصامت وأضافت بوجه مقلوب
ربنا يصبرها على اللي هي فيه ويعوضها خير 
علق بإيجاز
يا رب
تابعت وكأنها تقصد بذلك إخبار ابنها بطريق غير مباشر
أنا رايحة اطمن عليها عند أمك بقالي كام يوم ماشوفتهاش وهي يا حبة عيني من آخر مرة كانت مش عجباني 
تنحنح بخفوت قبل أن يعقب عليها
تنوري البيت يا خالتي 
وجه تميم حديثه إلى والدته فاستطرد قائلا لها
احنا شوية ونازلين يامه لو وراكي حاجة خلصيها مش عايزين نعطلك 
نظرت له شزرا وبملامح عابسة متجهمة قبل أن تشيح بوجهها بعيدا عنه ثم أخبرت ابن شقيقتها بابتسامة صغيرة
إنت مش غريب يا هيثم لو عوزت تاكل ولا تشرب ماتكسفش قولي 
تصنع الابتسام وهو يشكرها
تسلمي يا خالتي دايما عامر بس أنا كلت مع همسة 
تنهدت وهي تعقب على كلامه
ربنا يهنيكم مع بعض 
يا رب 
شيع هيثم خالته بنظراته خلال انصرافها من المكان ثم مال برأسه نحو تميم ليسأله بمزاح حذر بعد أن لاحظ التوتر السائد بينهما
هي خالتي مقطعاك ولا إيه
رد الأخير بدون مبالاة
متخدش في بالك 
أضاف هيثم بنفس الأسلوب الساخر
ماتحسسنيش إن خلود السبب 
تجمدت عينا تميم عليه وقال بتحفظ
ربنا يهديها لحالها 
فهم ابن خالته من جملته المقتضبة أنه لا يحبذ أبدا التطرق لما كان بينهما في يوم ما من شأن خاص واحترم تلك الرغبة فيه وانشغل بالتفكير في كشف غموض واقعة المواد المخدرة 
على وجه السرعة جاء الشاب لمنزل تميم ليفحص بحاسوبه النقال ما تم تسجيله على أشرطة كاميرات المراقبة جلس الثلاثة بغرفة الصالون وحرص مضيفهم على توفير الخصوصية ليتم مراجعة ما دار بسرية كان الأمر واضحا كالشمس في كبد السماء ذلك الملثم يعرف جيدا ما يفعله أخفى وجهه بشكل احترافي فلا تظهر ملامحه وتعمد التحرك بظهره ليزيد من حرصه ما أدهش تميم وصدمه بشدة وجعل الډماء أيضا تغلي في عروقه إظهار الفيديو لوجود الملثم في الطابق العلوي ومراقبته له بتحفز وكأنه يتربص به للانقضاض عليه في حين غفلة خلال عودته المتأخرة للمنزل كز على أسنانه مدمدما في حنق
ابن ال كان مرقدلي في الضلمة!!!
رد عليه هيثم بنبرة مغلفة بالقلق
الحمدلله إنه معملش فيك حاجة ده شكله ابن ليل!
الټفت برأسه نحوه ورد بتوعد وأصابعه قد تكورت على بعضها البعض لتشكل قبضة قوية تستعد للكم
أه لو كنت لمحته كنت علقته زي الدبيحة 
تأمل هيثم هيئته المتحفزة كان على وشك الفتك بأحدهم أدار رأسه بعيدا عنه ليحدق فيما تعرضه شاشة الحاسوب لمح شيئا بدا مألوفا له خلال مشاهدته فصاح بغتة وهو يلكز بيده على كتف الشاب
استني كده وقف الكاميرا هنا 
على الفور تساءل تميم في اهتمام كبير
في إيه
رفع رأسه في اتجاهه وقال
عايز أتأكد من حاجة 
ثم مال على الشاب ليبدو قريبا من الشاشة وأمره
رجعها لورا 
بقيت نظراته تراقب تفاصيل المشهد بدقة إلى أن هتف فجأة عند مقطع بعينه
بس وقف 
أوقف الشاب التسجيل لتتجمد الصورة وتحتل الشاشة بأكملها هنا أشار هيثم بسبابته نحو بقعة فيها وهتف موضحا
الطقية دي بتاعة الواد نوح!
حين أفصح عن هويته تجهمت تعابير تميم بشدة وسأله بوجه مقلوب وقد احتدت عيناه
إنت متأكد 
أتاه جوابه الواثق بما لا يدع أي مجال للشك
أيوه أنا اللي جايبهاله وكانت مقطوعة من الجمب 
توعده ابن خالته بلهجة تحولت للقتامة
هيتروق عليه الواد ده هايشوف النجوم في
عز الضهر والله لهخليه عبرة لمن لا يعتبر 
تعلق هيثم بذراعه ليستوقفه قبل أن يتحرك وأضاف بنبرة شبه مهتزة
استنى كده يا تميم دي مش مشيته ولا ده جسمه أنا متأكد 
الذبذبة التي استشعرها في صوته جعلته يرتاب منه لذا انتزع تميم ذراعه من قبضته بعصبية واستنكر دفاعه عنه بقوله الفظ 
ولا عشانك اتأكدت إنه صاحبك وشبهك
كان تلميحه رغم عفويته وقحا ويحمل الاتهام في طياته بأنه مثل رفيقه ارتكب من الأمور الطائشة والمخجلة ما يضعه في موضع شبهة ابتلع هيثم إهانته وقال بنظرات معاتبة
الله يسامحك