رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


على مضض 
أما نشوف أخرتها إيه بس عاوزين نجيب الفيتامينات والمثبتتات اللي قال عليها الضاكتور ده
ابتسمت قائلة لها 
هنعدي على الصيدلية في طريقنا..
وقبل أن تنحرف الاثنتان عند الناصية لمحت كلتاهما بدير وهو يمد كفه بمظروف به نقود ليعطيه ل فيروزة على ما يبدو كان يحصيهم قبل غلقه للتأكد من العدد شخصت أبصارهما في ذهول وفي لحظة اختفت
علامات الفرحة لتظهر مكانها القتامة والكراهية .. كزت خلود على أسنانها في غيظ كبير وهتفت بأنفاس شبه منفعلة تشكو والدتها 
شوفتي أهوو أنا قلبي كان حاسس بنت الأبلسة واقفة هناك أهي!!
تساءلت بثينة في فضول متزايد وعيناها تلمعان بشكل مقلق 
ودي جاية ليه
أجابت نافية وشعورها بالغيرة قد تعاظم بداخلها 
مش عارفة بس أكيد عاوزة تشغل جوزي أنا إحساسي ما بيكدبش.
أضافت عليها والدتها في امتعاض حاقد 
لأ وشوفي حماكي بيطلع بواكي فلوس ويديها وهي ما هتصدق تغرف طبعا ما هو مال سايب وأتة محلولة
ردت عليها خلود بنبرة عبرت عن غلها 
أكيد جاية تبلفه بكلمتين وتضحك عليه بوش العقارب ده.
أيدتها الرأي وأضافت عليها في حنق 
أومال إيه لزوم تكاليف توضيب الشقة ويبقى ما صرفوش حاجة وابني عمال يدفع ويصرف على البت دي.
شحذت خلود قواها الغاضبة لداخلها ونطقت من بين شفتيها تتوعدها 
أنا رايحلها أعرفها مقامها.
حذرتها والدتها بجدية وقد شدت على رسغها لتوقفها 
اوعي تعملي حاجة مچنونة يا بت ماتبوظيش الطبخة على شوية ملح.
استلت يدها من أصابعها وقالت بكل غيظها المتجمع بداخلها 
سيبيني يامه لازم أوقفها عند حدها.
اعترضت طريقها بجسدها وحذرتها من جديد بلهجة صارمة وهي تشير لها بعينيها الخبيثتين 
ماتخليش واحدة زي دي تعلي عليكي وتكسب الراجل ده.
صاحت بها في عصبية 
حاسبي يامه كله إلا جوزي.
دفعتها لتواصل تقدمها وشرارات الڠضب تنطلق من حدقتيها المشتعلتين دمدمت والدتها من ورائها 
استر يا رب.
نفخت كتل الهواء من جوفها طوال سيرها المتعصب نحو الدكان ثم استنشقت دفعة أخيرة بعمق لتحجم بها انفعالاتها الثائرة للحظة تداركت نفسها ومنعتها من التهور برعونة حاولت أن تبدو لطيفة طيعة ودودة حين قالت بابتسامة لطيفة 
سلامو عليكم إزيك يا عمي
استدار نحوها بدير ليتفاجأ بوجودها تساءل بعفوية 
خلود خير يا بنتي جاية هنا ليه
ضغطت على كل كلمة تتلفظ بها وهي ترد وعيناها تنظران إلى فيروزة پحقد رغم وداعتها المصطنعة 
جاية أبشرك بأخبار حلوة بس تميم جوزي فين عاوزاه يسمع معاك يا عمي.
أجابها بدير بتمهل 
وراه مصالح بيخلصها.. عاوزة تقوليلي إيه
احتدت نظرات بثينة التي أتت ركضا من خلفها همست لنفسها برجاء آملة في نفسها ألا تفسد ابنتها ما تخطط له 
اوعي يا بنت المچنونة! كده هتبوظي كل حاجة!
ماطلت خلود في حديثها قائلة 
أصل أنا كنت تعبانة اليومين اللي فاتوا دول أوي يا عمي مكونتش قادرة أقف على حيلي أبدا والحمدلله اطمنت وعرفت السبب.
انتبه لجملها الغامضة وتساءل والفضول مرسوم على ملامحه 
خير يا بنتي إن شاءالله مافيش حاجة خطېرة.
ابتسامة ماكرة احتلت شفتاها وهي توضح 
يا عمي كلها كام شهر وتبقى جد لحفيد من صلبك أنا قولت أبشرك قبل أي حد.. 
هلل بدير بفرحة حقيقية 
اللهم لك الحمد والشكر إنتي متأكدة يا بنتي
ردت بابتسامة أكثر اتساعا 
أيوه حتى جوزي الغالي لسه مايعرفش.
رددت فيروزة مع نفسها بنبرة متهكمة ساخرة منها وهي تصغي لكم الزيف في حديثها الأجوف 
أه طبعا جوزي حبيبي قرة عيني.
تابعت خلود حديثها قائلة بتملق مليء باللؤم 
البشارة يا عمي لازم تكون عندك الأول ده إنت الغالي عندي.
وكأن سعادة الدنيا قد تجمعت في نظراته نحوها بعد أخبارها المشوقة تلك امتداد اسم عائلته سيكون من خلال الحفيد المنتظر عبر بدير عن فرحته العارمة قائلا 
اللهم صلي على النبي.. هي دي الأخبار اللي تفرح يا خير ما عملتي.. ربنا يكملك على خير..
ربتت بثينة بيدها في قوة ملحوظة على كتف فيروزة تستحثها بنبرة ذات مغزى 
مش تباركلي
ل خلود يا حلوة.
نظرت لها الأخيرة شزرا من طرف عينها قبل أن توجه نظراتها نحو ابنتها السمجة وقالت باقتضاب 
مبروك.
ردت عليها خلود بترفع كأنها تجبر نفسها على الحديث معها 
متشكرة.
تنحنح بدير مقترحا 
ما تمشوش أنا هابعت معاكو حد يوصلكم البيت عشان پهدلة المواصلات وأول ما تميم يرجع هبعته عندك تفرحيه.
ردت خلود تشكره بتعبيرات مبتسمة 
كتر خيرك يا عمي.
ابتعد بدير للحظات لتفرغ الساحة لثلاثتهن حيث تتكشف الأقنعة وتظهر الأوجه الحقيقية ألقت خلود نظرة احتقارية شملت فيروزة من رأسها لأخمص قدميها قبل أن تنطق بوقاحة 
عقبالك إنتي وأختك... ولو إن مافيش حاجة مضمونة اليومين دول صح يامه
دعمتها بثينة في حديثها السمج وقالت 
أيوه.. كله مغشوش يا بت وياما كتير اتغفلوا أونطة
تحفزت فيروزة في وقفتها لتنظر لكلتيهما باستخفاف دلت كلماتهما على حقدها الدفين بدت أكثر ثباتا وغرورا عن زي قبل وهي تعمق من نظراتها نحوهما ثم علقت حقيبتها على كتفها لترد ببرود استفزهما 
معاكو حق.. حتى الحامل نفسها مش مضمون يكمل حملها ولا لأ.. وخصوصا لو كانت منفسنة وبتغل في نفسها كتير.
استشاطت خلود ڠضبا وردت عليها بحدة وكأن الډماء تكاد ټنفجر في عروقها 
إنتي بتقولي إيه
تابعت فيروزة القول بنفس البرود الهادئ دون أن تتبدل تعابيرها 
خافي على صحتك يا .. مدام وبلاش هري كتير مش كويس عليكي.. إنتي لسه في الأول!
أتبعت جملتها بضحكة مستهزأة بها فاغتاظت خلود أكثر من نبرتها الهازئة وهمت بلعنها بصوت محتد 
يا بنت ال .....
منعتها والدتها من التفوه بحماقة لتهمس في أذنها 
اهدي يا خلود ليها يومها
ردت عليها بنظراتها المشټعلة 
إنتي مش شيفاها يامه
توعدتها بكلمة حاسمة كانت واثقة أنها ستنفذ ما تنتويه 
اصبري ماتبوظيش الدنيا.
ضغطت خلود على أسنانها هامسة بسخط 
عقبال ما نعزي فيها قريب.
خطت فيروزة مبتعدة عن الاثنتين قبل أن تتورط معهما في مشكلة حتما ستنتهي في القسم الشرطي بعد ضربهما بشراسة اتجهت إلى داخل الدكان لتقول ل بدير الذي كان مشغولا بالحديث في هاتفه 
هامشي أنا يا حاج عشان لسه ورايا شغل.
أبعد الهاتف عن أذنه ليرد 
استني ده أنا جاي أقعد معاكي.
اعتذرت بلطف 
تتعوض وقت تاني ومبروك .. 
قال في ابتهاج 
الله يبارك فيكي.
تعمدت فيروزة أن تخرج من الباب الآخر للدكان لتتجنب رؤية تلك الوقحة وأمها اتجهت صوب الشارع الفرعي لتختصر المسافات لتعود إلى عملها في حين انتظرت خلود بالخارج وحقدها متفشي فيها تساءلت في مكر محاولة إخفاء ڠضبها حين عاد إليها حماها 
أومال أخت عروسة أخويا جاية ليه
رد بدير متهربا من الإجابة لكون الأمر لا يعنيها 
كانت جاية في مصلحة كده وانتهت.
ابتلع ريقها على مضض وقالت ونيران غيظها تكاد تنفث من أذنيها 
أنا هاقوم يا عمي هارجع بيتي بقى لأحسن تعبانة.
رد في تفهم 
ماتعمليش حاجة وأنا أول ما تميم يرجع هابعته عندك.
ابتسمت بود زائف وهي تقول 
بإذن الله.
استندت على ذراع والدتها لتسير معها وقد تبددت اللطافة الظاهرة عليها وبختها بثينة بوجهها العابس 
اتسحبتي من لسانك وقولتي قصادها ليه دي ممكن تحسدك!
نفخت قائلة في سأم 
أهوو اللي حصل..
ما لبث أن تحولت نبرتها للحقد عندما تابعت 
وبعدين كان لازم أوقف البت دي عند حدها يامه عشان لو بترسم على جوزي.
زجرتها أمها قائلة 
وأنا مليون مرة أفهمك جوزك مالوش في الملاوعة وشغل الحريم الصيع.
ردت بإصرار وقد امتلأ صدرها بأضعاف مضاعفة من الغل والكراهية غير المبررة ناحيتها 
لأ يامه إنتي مش فاهمة البت دي...
غامت عيناها أكثر وعكست حدقتاها ظلاما واضحا
عندما أكملت 
زي الحرباية بتتمسكن لحد ما تتمكن!
...........................................
ألقت بنفسها في أحضانه بمجرد أن عاد إلى المنزل بعد يوم مرهق كالعادة مغلقا الباب من خلفه مرغت خلود رأسها في صدر زوجها وضغطت عليه بذراعيها لتشعر نفسها بأنه يحتويها ويضمها إليها رغم كونه لا يزال جامدا في مكانه رفعت رأسها لتنظر إليه بعينين يملأوهما الشغف ابتسمت قبل أن تتنهد بعمق لتقول له باشتياق 
حبيبي وحشتني أوي.
هز تميم رأسه مبتسما وكأن الكلمات تأبى الخروج من جوفه لتنطق كڈبا معبرة عن مشاعر لا يشعر بها نحوها ما زال عالقا في منطقة الحياد فيما يخص أمرها .. خللت أناملها في أصابعه لتسحبه خلفها وهي تتابع بحماس 
تعالى عشان هافرحك.
تساءل في اهتمام قليل وهو يتبعها 
خير أبويا قالي إنك عاوزة تقوليلي حاجة مهمة.
أجلسته على الأريكة القريبة وجلست في حجره مسحت بيدها على ذقنه النابتة وعيناها المسبلتان تتجولان على تفاصيل وجهه بادلها نظرة حائرة مستغربا مما تفعله فاستطردت تقول بابتسامة عريضة أظهرت نواجذها 
أنا .. حامل.
تأهب في جلسته وردد مصډوما 
حامل!
أومأت برأسها مسهبة في الحديث معه 
أيوه روحت للدكتور واتأكدت والحمدلله ربنا كرمنا وهتبقى أب يا حبيبي.
للحظة ظل على حالة من الذهول الصاډم مزيح من المشاعر العجيبة اقتحمته فجأة حلما لم يكن تحقيقه في الحسبان بعد لم يعرف كيف يعبر عما انتابه في تلك اللحظة أو حتى يوصف حالته في مثل ذلك الموقف.. راقبت خلود ردة فعله الفاترة وسألته بتوجس وقد خبت سعادتها نسبيا من صمته المستريب 
هو إنت مش فرحان ولا إيه
أخفض تميم يده نحو بطنها ومسح عليها برفق ثم نظر إليها مبررا ربكته 
فرحان طبعا أنا بس مش مصدق يعني مش عارف أقولك على اللي جوايا بس أنا مبسوط يا حبيبتي.
رغم انزعاجها من رده العادي الذي خالف ما تخيلته في عقلها من حماس مفرط فور تلقيه ذاك الخبر السار أو حتى قيامه بالرقص ابتهاجا وتعبيرا عن فرحته وربما تقبيلها بعشرات القبل إلا أنها أخفت ضيقها منه ابتسمت مستأنفة حديثها معه 
ولسه لما تشيله بين إيديك مش هتصدق نفسك هيبقى حتة منك.
لجأت كذلك للحيلة لتطلب منه 
مش عاوزاك تزعلني بقى الزعل مش حلو على اللي زيي وإلا هاشتكيك لعمي بدير .
سألها في اهتمام 
أبويا عرف
ردت مؤكدة وذلك البريق الغريب يكسو نظراتها 
أيوه وطاير من الفرحة ده الحفيد اللي بجد يا حبيبي.
هز رأسه في حبور قبل أن تكمل بمكرها الخبيث المغلف بمعسول الكلام 
طبعا ده حفيده اللي هيشيل اسم العيلة من بعد عمر طويل ولسه لما جدي سلطان يعرف.
مسح على وجنتها قائلا 
ربنا يباركلنا في عمرهم.
أسبلت خلود عينيها نحوه لتقول بغير احتراز 
إنت مش عارف أنا كنت مستنية اللحظة دي إزاي زي ما يكون حلم واتحقق ده أنا كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان أخلف منك.
بدت جملتها الأخيرة نزقة بعض الشيء فسألها مستوضحا 
مش فاهم تعملي إيه بالظبط
أدركت زلة لسانها وقالت مراوغة لتغطي على غبائها 
ده أنا حاسة إني بأحلم عاوزة أملى البيت ده كله عيال يكونوا شبهك في كل حاجة.
تغاضى عن ردها الغريب ليمازحها 
هيتهد حيلك معاهم.
هتفت غير مبالية وقد بدت أكثر حماسة عن ذي قبل 
مش مهم كفاية إنهم منك وهيشيلوا اسم العيلة.
أزاحها تميم برفق عنها ليتمكن من الوقوف نظر لها بتفاؤل وهو يعقب عليها 
قومي من الحمل ده على خير الأول وبعد كده ربك يسهل.
احتضنته من جديد لتقول بتنهيدة عميقة ورأسها مستند على كتفه
يا رب.
عند تلك اللحظة الفاصلة قرر تميم أن يغالب تلك المشاعر غير الاعتيادية التي غزت وجدانه أن يوأدها في مهدها أن يقتلع جذروها قبل أن تتغلل أكثر