رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


فتحي حنقه الذي تعاظم بمجرد رؤية كلا من منذر ودياب وكيف تمت إهانته أمام العامة فحاول صب جم غضبه المشحون وتوجيهه نحو خليل لكن الأخير كان أذكى قليلا ليتجنب الانسياق ورائه تجاهله ليرد على صهره 
تسلملنا يا حاج اسماعيل.
..................................................
بكل ما فيها من حماس وشغف اضطرت أن تدعم موقف من اعتبرته أقرب أصدقائها رغم الفارق العمري في اهتمامه الواضح برفيقتها وبالرغم من كونها تكن له المشاعر النبيلة والغالية إلا أنها لم ترغب أبدا أن تكون سببا في تعاسته. اعتبرت حبها العذري له سريا مقدسا نقيا مترفعا عن أي أهواء ذي نوعية متفردة ولا يجب البوح به أبدا. لهذا لم تتردد في إظهار تعاطفها معه حين اعترف لها بانجذابه نحو فيروزة. قاومت مشاعرها وقررت مساعدته في التقريب بينهما دون أن تخبو رغبتها أيضا في أن يدرك ما تكنه له وطالما أنها تحتفظ بمكانتها المميزة في حياته لن تتوانى عن الوقوف بجواره. كانت أجدر الناس على قراءته حيث دوما يفضل اختبار العلاقات الغريبة عليه كما لو أنها تمنحه شعورا بالقوة والسيطرة لكنه لم يستمر في أي علاقة انخرط بها مطولا فقط نزوات عابرة تحت أي رباط رسمي لتنتهي مثلما بدأت في لمح البصر ولكونها تعرفه جيدا كانت واثقة أن ارتباطه برفيقتها لن يدوم سيشعر بجفائها وجديتها وسيضجر منها بعد بعض الوقت حسنا لتتركه يتذوق فقط نوعيتها المستعصية عليه قبل أن يلفظها كغيرها. جلست علا على مقربة من آسر لم ترفع عينيها عنه وراقبت وسامته بابتسامة رقيقة الټفت نحوها متسائلا بتوتر 
يعني أطلبها من خالها ولا أفاتحها الأول شوري عليا
رمشت بعينيها وقالت بصوت رقيق لكنه جاد 
على حسب معرفتي ب فيروزة مش هترضى بجو الفريند والحاجات دي وعشان يبان إن كلامك جاد ومش مجرد تسالي.
ضاقت نظراته نحوها متسائلا 
قصدك ماديهاش فرصة ترفضني
هزت رأسها مؤكدة 
أيوه.
ضغطت على شفتيه ليرد باقتضاب موجز بعدها والحيرة تملأ تعابيره 
أوكي..
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت نظرت إليه علا بين الحين والآخر في جلستها معه بنظرات تعكس رغبتها الشديدة في الانتباه لها لكنه كان أبعد حاليا من وضعها في تفكيره ابتسمت لنفسها في سخافة قبل أعوام كان ليكون أبعد شخص عن خيالها لتتمنى الارتباط به ولكن لشيء لا تعلمه تسلل حبه إلى قلبها وبات الوحيد الذي تهواه وإن كان لا يعلم ذلك. قطعت بغتة حاجز السكون لتقول بنزق عله ينتبه لأهمية وجودها في حياته 
تعرف.. أخويا لو مكانش واثق فيا مكانش واقف على صداقتنا دي.
لاحت ابتسامة عذبة على محياه ورد بعينين تحملقان في وجهها 
ماهر أنا قدامه زي الكتاب المفتوح وهو عارف غلاوتك عندي وأنا استحالة أضرك إنتي زي أختي.
غصة مريرة عصفت بحلقها مكانتها لن تتبدل أبدا وترتقي للمستوى الأعلى حافظت على ثبات بسمتها وتابعت ببطء حتى لا تظهر ارتباك صوتها 
أكيد ده غير إنه يهمني سعادتك.
امتدت يده لتمسك بكفها داعبها بأصابعه بالربت على أناملها أسبل عينيه نحوها وقال بعذوبة زادت من عڈابها الداخلي 
مش عارف أقولك إيه يا لولو.
سحبت بتمهل يدها من أسفله وهتفت بصدر مخټنق متحاشية النظر إليه 
لما خالها تلاقيه واقف لوحده اتكلم معاه.
هز رأسه موافقا وهو يرد 
تمام ..
الټفت لتبتسم له بعينين تلمعان بعبرات خفيفة وأكملت قولها 
و Good Luck
شكرها آسر في امتنان
ميرسي يا لولو
منحته نظرة دافئة من عينيها قبل أن تحدق أمامها لمحة خفية من الحزن طفت على صفحة وجهها الناعم رغم إنكارها ذلك لكنها كانت واثقة أن الأمر لن يصل للنهاية تحت أي ظرف. 
...................................................
كان محنكا في اختيار نوع الضحېة التي سيرتبط بها أرادها معډومة الخبرة فيما يخص الشأن الرجالي غير اجتماعية تقريبا لا أصدقاء لها محدودة العلاقات حتى في النطاق الأسري. باتت فيروزة الخيار الأنسب بمجرد أن جمع المعلومات التي احتاجها عنها وتبقى له فقط القيام بالخطوات الجادة لإتمام الأمر. لم يكن آسر غبيا كي لا يلاحظ مدى اهتمام شقيقة رفيقه به علا. أدرك شغفها به منذ اليوم الأول من وقت تبدل طريقة تعاملها معه وتحولها لنوع من الحميمية الزائدة حتى في توافه الأمور ومع هذا عمد إلى تجاهل كل ما يصدر عنها وحصرها في منطقة الصداقة الأخوية حفاظا على الروابط الأسرية مع عائلتها كما أنها تبعد كل البعد عن مخططاته بشأن عروسه المستقبلية. وباستشارات ساذجة ملحة مع علا للحصول على مبتغاه من صديقتها حقق نتائج باهرة في استقطابها لصالحه.
تهادى في خطواته وهو يتجه نحو خليل كان الأخير مقروءا بالنسبة له حفنة من النقود ربما تذهب عقله الطمع أسمى أهدافه ما عرفه من علا عن طريق الحديث العفوي بين الصديقتين كان كفيلا ليرسم صورة تمهيدية عنه ويستنتج الباقي بسهولة. وببسمة واثقة استطرد يقول له حين أصبح في مواجهته وهو يمد يده ليصافحه 
مساء النور
صافحه خليل على عجالة ثم رمقه بنظرة مستطيلة متفحصة قبل أن يرد متسائلا 
مساء الخير أيوه في حاجة
قال آسر بنفس الصوت الهادئ المليء بالثقة 
هو حضرتك مش فاكرني يا أستاذ خليل
بوجوم رد عليه الأخير 
لأ.. 
تابع موضحا حتى يساعده على التذكر 
احنا كنا اتقابلنا قبل كده في المطعم أنا المحامي آسر وهبة.
عقب عليه بسخافة 
طيب.. تشرفنا وعاوز إيه
تنحنح قائلا بربكة مصطنعة 
احم .. أنا كنت عايز حضرتك في... موضوع شخصي يخص الآنسة فيروزة.
اتسعت حدقتاه على الأخير ورد مدهوشا بقلق 
فيروزة! مالها
لاحظ تعابيره المنزعجة وقال مطمئنا إياه 
متقلقش يا فندم ده كل خير.
تقلصت عضلات وجهه في امتعاض بينما تابع آسر حديثه مسهبا 
أنا عارف إن الظرف مش مناسب بس فكرت إنها فرصة إني أتشجع وأتقدم وأطلب من حضرتك إيد الآنسة فيروزة
استنكر ما تفوه به وزجره بحدة 
نعم .. بتقول إيه على كده بتقابلها من ورانا وآ...
قاطعه على الفور بعد أن اتجه تفكيره بابنة أخته لشيء آخر قد يفسد ترتيباته وهتف موضحا 
مش عايز حضرتك تسيء الظن هي متعرفش أصلا بطلبي ده أنا جاي من نفسي أكلم حضرتك.
هتف في استهزاء رافضا تصديقه 
يا سلام!
أكد عليه بثبات وثقة 
أيوه يا فندم حضرتك اللي قصاد ده محامي كبير ليا لي اسم وسمعة مش حد عادي والسلام.
لانت ملامح خليل قليلا استشعر جديته في تلك المسألة وانتابته حالة من الانتشاء في حين استرسل آسر مادحا إياها 
كمان الآنسة فيروزة مثال للأدب والأخلاق العالية.. وكل الحكاية إنها صاحبة علا قريبتي وكنت شوفتها معاها وسألتها عنها وعرفت هي مين وده شجعني أتقدم لها بشكل رسمي لأن عارف إن مالهاش لا في اللف ولا الدوران.
عزز خليل من مكانته ليقف مستقيما بشموخ زائف وكتفاه منتصبان نوعا ما ثم قال بقليل من العنجهية 
شوف يا أستاذ آ...
توقف عن إكمال جملته لتحرجه من عدم تذكره لاسم من يحاوره كان في هذا نوعا من عدم اللباقة فساعده آسر على
ذلك معرفا بنفسه مرة أخرى 
آسر وهبة يا فندم..
رد بنبرة شبه هازئة 
تشرفنا..
وتابع بعد توقف دام للحظة 
بس عاوز تتقدم لبنت أختي يبقى تمشي حسب الأصول مش كلمتين على الواقف كده!!
رد عليه يؤيده 
تمام وده اللي بأعمله جيت أتكلم مع حضرتك.
أردف موضحا أكثر ونظراته تحولت تلقائيا نحو اسماعيل 
لأ معلش أنا صحيح خالها بس عمها موجود وهو المسئول عنها.
لم يظهر آسر اعتراضه وبدا متشجعا وهو يقول 
معنديش مشكلة وأنا جاهز أتكلم معاه.
اكتسبت نبرته إيقاعا مختلفا يميل للترحيب حين رد عليه 
حلو .. يبقى تسيبلي رقم تليفونك وأنا هاكلمك بمعرفتي.
تبادل كلاهما أرقام الهواتف قبل أن يعلق آسر في حبور 
تمام يا أستاذ خليل وهستنى أسمع منك قريب.
لم تذبل ابتسامة الأخير وهو يرد متحمسا 
إن شاءالله طبعا.
أومأ آسر برأسه خاتما حديثه معه 
ومبروك للعرسان.
قال وهو يمد يده لمصافحته كنوع من المجاملة 
الله يبارك فيك.
..........................................................
تكتلات بشړية تجمعت في حيز السرادق المقام به حفل العرس مع استمرار فقرات الحفل لساعات طويلة بعد عقد القران. انسحب منذر ودياب مبكرا لاضطرارها للسفر باكر لأجل بعض الأعمال وإن كان يشك تميم في وجود ما يخفياه عنه بينما امتدت تلك السهرة لمنتصف الليل تقريبا وتخللها عشاء وفيرا يكفي لمئات الأفراد. بقيت فيروزة خلف توأمتها معظم الوقت على الكوشة راقبت المشهد من زاويتها كانت نظرات خلود الحاقدة مسلطة عليها لم تخف الأخيرة مقتها الشديد نحوها ومع هذا لم تول لها أي اهتمام وركزت انتباهها مع المتوترة الجالسة قبالتها أما والدتها كانت من حين لآخر تعرج عليها لتشد من أزرها وتشجعها على تبديد أي رهبة تنتابها بشأن هذا اليوم أما العريس فقلما جلس سحبه رفاقه للرقص باستخدام العصي تارة وبالأسلحة البيضاء تارة أخرى وكأنها مبارزة رجولية بحتة. 
اتجهت عينا هيثم نحو تميم وهما يرقصان سويا أظهر الأول احترامه لابن خالته لصراحته الواضحة معه فبعد مشاجرتهما الأخيرة التقى به في نفس اليوم بالدكان بحضور الجد سلطان ليعتذر منه أولا على تهوره ثم ليعده بإصلاح ما أفسده وإن كان في ذلك عدم رضائه. قدر مشاعره النبيلة تجاه شقيقته وتجاوز كلاهما بوادر تلك الأزمة العائلية دون الإفصاح علنا عن تصالحهما.
أشهر تميم مديته رفعها أمام وجه العريس يتحداه 
جاهز يا عريس ولا هتكسفنا
تناول هيثم من ناجي الواقف على مقربة منه خاصته وأشهرها معلنا قبوله 
الكسفة دي للحريم
هلل في انتشاء ليستحثه على مبارزته 
طب ورينا الجدعنة يا رجولة!
تشكلت حلقة دائرية حول كليهما ليبدأ الاثنان في الاستعراض بقدراتهما على استخدام المطواة باحترافية ومهارة عالية خلال بعض الحركات الراقصة وتعالت الصافرات والهمهمات الذكورية المتحمسة. سدد تميم بمديته ضړبة قاټلة في اتجاه ابن خالته دون أن يمسه لمجرد إرهابه أبدى هيثم إعجابه بسرعته وقال 
معلم طول عمرك.
أخفضها تميم حتى لا يتسبب في إحراجه بالرغم من تركه له في بعض الأوقات الأسبقية للتفوق عليه لكنه لم يكن بارعا مثله ومع استمرار القتال الزائف بينهما سيبدو ضعيفا وغير قادر على مجابهته تراجع للخلف تاركا لبقية الشباب مهمة إحاطة العريس والاحتفال معه وقف عند الجانب يلتقط أنفاسه وفي نفس الآن ېختلس النظرات نحوها لم ينكر أنه في بعض الأوقات وجد صعوبة في التركيز لاحتلالها بطلتها الفاتنة مشهد الكوشة لو لم يكن في مأزق مع زوجته الحالية لاختلفت الأمور كثيرا. أخرج علبة سجائره والتقط منها واحدة ليشعلها حرر دخانها الحارق من صدره دفعات متتالية. لمحته خلود وهو محدق ب فيروزة بنظرات شبه
مترددة فاشتعلت نيران الغيرة بها إنها زوجته ومن حقها ألا يرى غيرها وإلا لماذا انتظرت كل تلك السنوات لتحظى به في الأخير وبكل وقاحة اقتربت منه تسأله 
إيه عجباك 
تنفس بعمق حتى لا يتصرف بردة فعل غير محمودة أمام جملتها المستفزة. اعتبرت صمته نوعا من التأكيد على مزاعمها وهتفت مقترحة بمرارة 
طب ما أروح أطلبهالك من قرايبها مش فكرة برضوه
قال ببرود وبعبارات موحية وتلك الابتسامة المتسلية تعلو زاوية فمه وكأنه يحرقها حية بكلماته 
روحي.. أنا مش ممانع وأقدر أفتح