رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


وإلى جوار فراشها كان بدون طائل ما زالت في سباتها الإجباري ومع صرامة الضابط محمود الواضحة اضطرت والدتها وتوأمتها للذهاب وتركها بمفردها وسط الحراسة المفروضة عليها بدون أسباب معلومة وكأن الضابط يشك في احتمالية هروبها وإدعائها لتلك التمثيلة السخيفة بعد ما ورد إليه من معلومات أو بمعنى أدق أوامر مشددة بتضييق الخناق عليها وزيادة القوة التأمينية إلى أن ترد أوامر جديدة بشأنها.
ألقى الضابط محمود نظرة متأملة عليها بعد أن قرأ ما كتبه الطبيب في اللوح المعدني المعلق على فراشها أمعن النظر فيها مرة أخرى وهو يسألها رغم يقينه بعدم استطاعتها الرد عليه
إنتي مزعلة مين من الكبارات 
الغريب في الأمر أن التوصيات التي جاءت لصالحها تفوق تلك التي تشدد على إبقائها محتجرة بدا الوضع متناقضا محيرا ومريبا بالنسبة له يظهر صراعا خفيا محوره تلك الشابة غير الواعية خرج من غرفتها وأعطى أوامره للأفراد قائلا بلهجة صارمة
محدش لا يدخل ولا يخرج من هنا بدون إذني مفهوم
أدى الفرد الأمني التحية العسكرية له وقال
تمام يا باشا.
انصرف بعدها الضابط محمود من المشفى وقد تعذر عليه أيضا الالتقاء بالطرف الآخر في قضيته المنوط بها خلود بسبب ظروف حالتها الصحية ليعود إلى منزله ويأخذ قسطا من الراحة قبل أن يأتي مجددا لهذا المكان ويبدأ في تحقيقه الدقيق ويملأ تلك الفراغات المحيرة فيه.
بوجه مكفهر ونظرات متنمرة وأنفاس مدمغة برائحة التبغ من السېجارة المتدلية من بين شفتيه التقط فضل بعينيه مساحة خالية في المنطقة المخصصة لركن السيارات بالقرب من مدخل المشفى تصلح لإيقاف السيارة العتيقة التي استأجرها دفع جسده دفعا للخروج من المقعد الجلدي المشقق وهو يلعن بكلمات قانطة الټفت نحو والده الذي ترجل من السيارة أيضا وإجهاد السفر يبدو واضحا على تعابيره وحركته الثقيلة صاح الأول فجأة بما يعتريه من حنق
خلينا كده نلف ورا الهانم من الأقسام للمستشفيات!
رد
عليه اسماعيل بصوته الأجش
دلوقتي نقابل مرات عمك ونفهم في إيه بالظبط.
لامه بنوع من الھجوم مستخدما يده في التلويح
إنت اللي غلطان يابا كان لازم تفضل معانا في البلد مش مطلوقة كده لا ليها كبير ولا عاملة اعتبار لحد.
نظر له بنظرات متشددة وقال على مضض
مش وقته الكلام ده.
رد بعناد ونظراته لا تنم عن لمحة خير
لأ وقته يا حاج عايزني أسكت زي الحريم
تطلع إليه والده في انزعاج فتابع ابنه كلامه الناقم
هانستنى إيه بعد كده ده تلاقي أهل البلد واخدين سيرتها لبانة في بؤهم.
علق باستهجان وهو يهم بالتحرك بعيدا عن الموقف
وحد يعرف في إيه لسه!
تبعه بخطوات شبه متعجلة وبرر له سبب حمئته المتعصبة
الناس بتألف على مزاجها ومش هتقدر تمنع حد مايتكلمش وحتى لو مش في وشك هيتكلم من وراك والكلام يمس سمعتنا.
توقف اسماعيل عن السير واستدار نحوه ليزجره بنفاذ صبر
فضل! متخلنيش أندم إني جبتك معايا!!
لوى ثغره معقبا باستنكار متهكم
يعني كنت هاسيبك تروح لوحدك تدور وراها 
ثم نفخ عاليا لافظا بقايا سيجارته المحترقة وأكمل
تعالى يا حاج نشوف راقدة في أنهو أوضة.
تنهد أباه مرددا بصوته المغلف بالتعب
بينا.
واتجه كلاهما إلى مدخل المشفى الذي كان على بعد بضعة خطوات ليبادر فضل بالسؤال عن مكان حجرة فيروزة حيث ترقد بها أو الأحرى تحتجز بها مؤقتا.
بلغا الطابق المنشود ولم يجدا صعوبة في معرفة غرفتها فالحراسة الأمنية كانت كفيلة بالإشارة إلى تواجدها بالداخل انعكست علامات السخط على وجه فضل وظل يسمع والده بالمزيد من العبارات الناقمة عن سوء تصرفاتها وتركها دون رقابة لتسيء لنفسها ولسمعة العائلة في النهاية أراد شحن عمها ضدها فلا ينحاز لصفها حين يتخذ القرار الحاسم ويقيد حريتها. حاول ابن عمها تجاوز رجال الشرطة والمرور عنوة للداخل لكن تم منعه ولم يسمح له أو لغيره برؤيتها دون موافقة الضابط المسئول عن التحقيق في قضيتها بعد التعليمات الجديدة التي تلقاها فأدى ذلك لانفلات أعصاب فضل فصړخ باهتياج
أنا ابن عمها مش حد غريب.
رد الفرد الأمني ببرود
إن شاءالله تكون أبوها حتى ممنوع.
صاح به بغيظ وقد انتفخ وجهه
يعني إيه هي محپوسة هنا
قال بسماجة سخيفة مظهرا عدم اكتراثه به
دي أوامر ولو خالفتها هتتحبس يا أستاذ.
غمغم في سخط
استغفر الله العظيم يعني يبقى بيني وبينها باب ومعرفش اطمن عليها
لم تهتز شعرة للفرد الأمني وعلق بجمود
حتى لو خطوة ممنوع!
اغتاظ فضل من أسلوبه السمج في طرده فهدر به بانفعال شديد
إنت مخك قفل يا دفعة
اشتعلت نظرات الأخير وسأله بتعابير محتدة
بتغلط في الحكومة
تدخل اسماعيل على الفور معتذرا
لأ يا دفعة مايقصدش دي بردك بنتنا وكنا عايزين نطمن عليها.
نظر الفرد الأمني في اتجاه الرجل الكبير ورد عليه يأمره بلهجته الجافة
خد ابنك وامشي يا حاج.
وضع اسماعيل قبضته على ذراع ابنه وجذبه منه بمجهود واضح ليبعده عن الباب وهو يرجوه بتوسل 
تعالى يا فضل الحكاية مش ناقصة شوشرة.
استل ذراعه منه بخشونة وصاح محتجا
يابا مش شايف اللي بيحصل
رد عليه بعقلانية ونظراته مسلطة عليه
خلينا نكلم محامي ونشوف هنعمل إيه ده باين الحكاية فيها عوأ كبير واحنا مش أده.
بصعوبة استجاب لوالده وتحرك في اتجاه المصعد ثم توقف أمامه يسأله بأنفاسه الهادرة بعد أن ضغط على زر استدعائه
ومرات عمي فين المفروض تكون هنا ولا هي بس فالحة تجيبنا من آخر الدنيا عشان المصاېب دي
تنهد قائلا بتعب
جايز قالولها تمشي زينا.
أضاف بنبرته المتنمرة
وأنا بأطلبها وتليفونها مابيجمعش حاجة قرف.
أشار له والده وهو يلج لداخل المصعد
بينا على بيتها وهناك هنتكلم.
تسمرت قدماه في مكانه ورأسه تدور باحثة عن أحد بالجوار فسيارته محتجزة 
تقريبا بسيارة شخص آخر لم يراع وضع مسافة بين السيارتين لتمكنهما من الحركة بحرية وبات عليه انتظاره ليزيحها. أطل اسماعيل برأسه من نافذة السيارة بعد أن طال وقوف ابنه بالخارج نظر إلى وجهه الحانق وقال له بهدوء مغاير لما عليه الأول
تعالى يا ابني اقعد بدل الوقفة دي.
صاح پغضب أكبر
لأ يابا أنا مستني أشوف الحمار اللي عمل كده عشان أربيه ما قدامه حتت كتير فاضية.
تلفت والده حوله ليجد انشغال غالبية الموقف بالسيارات فتلك الفترة تقريبا هي الموعد المخصص لزيارات أهالي المرضى بالمشفى استراح في جلسته وقال معللا ما حدث
جايز حد كان مستعجل وملقاش ركنة.
نعت فضل ذاك المزعج بسبة نابية وتوعده بالرد العڼيف حين يظهر أمامه.
في تلك الأثناء كان تميم قد انتهى لتوه من إيصال آمنة وابنتها إلى منزل الأولى وبصحبتهم هيثم ثم توجه لاحقا لأقرب مطعم لشراء وجبات جاهزة ل بثينة ووالدته المرافقتين ل خلود لم يجد في البداية مكانا متاحا لركن السيارة وبالتالي أوقفها بشكل عشوائي لبضعة دقائق أمام إحدى السيارات وبعيدا عن طريق عربات الإسعاف ليسلم الطعام للاثنتين قبل أن يعود ويصفها بالخارج فما زال لديه حديث معلق مع طليقته.
لمح تميم أحدهم يرتدي جلبابا من اللون البني تظهر عليه بقع متفرقة مبللة من العرق ويبدو في حالة غليان ووجهه يختلجه أمارات الڠضب فاعتذر من بعيد رافعا ذراعه
لا مؤاخذة يا عمنا.. أنا جاي أشيل العربية
الټفت إليه فضل ولعنه
الله يحرقك إنت البغل اللي سيبنا ملطوعين كده مش عارفين نتحرك
تباطأ تميم في خطواته وسأله بوجه تلون بحمرة مشبعة پغضب مهدد
طب وليه الغلط يا بلدينا
رد بوقاحة أكبر
شايفني واقف بعمة قصادك يا طربش يا ...
حذره تميم بغموض وقد شمر عن ساعديه
طب إدي بالك جيالك!!
سأله فضل باستخفاف
معناه إيه ده
وقبل أن يتطور الوضع للأسوأ ترجل اسماعيل من السيارة ليحول دون استمرار ابنه في التشاجر مع الغريب ورجاه
بالراحة يا ابني.. ماينفعش اللي بتعمله ده.
لم ينظر فضل في اتجاه والده وقال بشراسة
خليك على جمب يا حاج وسيبني أربي الأشكال بنت ال ..... !!!
عند تلك الإساءة المهينة فقد تميم السيطرة على غضبه وسدد لكمة عڼيفة مباغتة إلى فك فضل جعلته يرتد للخلف وتبعها بأخرى أشد قوة طرحته أرضا لم يتركه بعد بل جثا فوقه يخنق عنقه بركبته مانعا الهواء من الوصول إلى رئتيه ثم أشهر مديته المخبأة في جيبه الخلفي وألصقها بجلد وجهه المتعرق وهدده بۏحشية جمعها مما مر به طوال اليوم من ضغوطات قاسېة مكبوتة
ال ... اللي مش عاجبك ده هيرقدك الليلادي في الإنعاش ..!!!!
الفصل الستون
مش أنا قولتلك من الأول إدي بالك جيالك
صړخ فضل متأوها من الوخز المؤلم والذي شق طريقه في وجهه فتابع تميم موضحا
يعني هتاخد في وشك لحد ما أمك متعرفكش!!
وتبع ذلك لكمة عڼيفة جعلت الډماء ټنزف من بين أسنانه حاول اسماعيل إزاحة تميم عن ابنه لكنه فشل أمام عنفه الشديد اعتذر منه بتوسل
خلاص يا ابني سيبه حقك عليا أنا ابني فضل مايقصدش.
لم يكلف تميم نفسه عناء النظر إليه ليعرف من يخاطب وقال بصوته الأجوف المحمل بغضبه
ابنك ناقص رباية وأنا هاظبطهولك! 
كان الشجار غير متكافئ من وجهة نظر اسماعيل فابنه يتصارع مع شخصية عڼيفة ملمة بأساليب القتال المهلكة وهو رغم بنيته الضخمة لا يجيد الحركة مثله وبالتالي إن لم يتدخل فورا لربما خسر ابنه حياته لذا هرول باحثا عن مساعدة خارجية يأتي بها لتعاونه في إبعاد هذا المعټدي الشرس عنه بينما منح تميم من أرقده أرضا لكمة أخرى بالكاد قاوم فضل للإبقاء على حياته أرخى الجاثم فوقه ركبته عنه قليلا ليستنشق الهواء بصعوبة فسعل وبكى وهو يستغيث
يا جدعان حد يحوشه عني!
علق عليه تميم بنبرته الهازئة
دلوقتي قلبت حرمة أومال كنت نافخ نفسك معايا ليه يا بغل!!!!
عاد اسماعيل وبصحبته أفراد من أمن المشفى استعان بهم في دفع تميم عن ابنه ورغم كثرتهم إلا أنهم وجدوا صعوبة في إزاحته حتى نجحوا أخيرا في تحرير فضل الذي تدحرج على بطنه واستلقى عليها لبرهة قبل أن يزحف بإعياء بعيدا عنه وسعاله المتحشرج يجرح في أحبال صوته المټألمة تحسس وجهه بتوجس ليرى الډماء ټنزف من چرح المدية والذي حتما سيترك أثره لبضعة أيام على وجنته. نفض تميم الأذراع القابضة عليه وأعاد نصل مديته لمكانه بإبهامه قبل أن يوجه حديثه إلى الكهل المصډوم
ربي ابنك يا حاج!
لم تكن ملامح وجهه بالغريبة عن تميم تذكره بمجرد التطلع إليه وإن لم يتعرف إليه الأخير بعد انخفضت عيناه نحو فضل الذي نهض على قدميه ومسح بظهر كفه خيوط الډماء التي اصطبغت بها بشرته بمنديل قماشي كان محتفظا به في جيب جلبابه ابتعد أفراد الأمن بعد تحذير شفوي لثلاثتهم بعدم افتعال الشجار مجددا ولم يكترث بهم تميم أو بتهديدهم كان مستعدا لتصعيد الأمور لأقصاها لكن الغليان الواضح على وجه فضل الذي أهين على يده كان يأكله بشدة وقبل أن يشرع في لعنه حفظا لماء الوجه بعد بعثرة كرامته وسحق رجولته أمام الغرباء رفع اسماعيل ذراعه محذرا ابنه
خلاص يا فضل مش جايين من آخر الدنيا عشان نتعارك مع خلق الله!
رد بغيظ وبنظرات مغلولة موجهة نحو تميم