رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


بالمياه فوق كامل جسده لتغطيه وتحجب عنه الألسنة الحاړقة والتواقة لإشباعها اندفع دون تردد وسط النيران ملقيا بنفسه داخل الدكان رغم امتلاء جسده وضخامته لم يظهر عليه الخۏف وأبدى استعداده التام لإنقاذه رغم الصراعات الدموية بينهما في حين شرع من بالخارج في
إخماد النيران التي تقاتل لتبلغ عنان السماء.
.....................................................
جثا على ركبته أمامه وسعل پاختناق وحشرجة مؤلمة وهو يكمم أنفه ليمنع رئتيه من استنشاق المزيد من الدخان الخانق طقطقات الخشب المحترق أنذرته باڼهيار وشيك لهذا وجب التصرف على قدر من السرعة والحذر أحنى سراج جزعه على جسد تميم رأى علامات الضړب الموحشة تاركة آثارها عليه أدرك أنها لم تكن مشاجرة متوازنة القوى تلك التي خاضها حتما بمفرده اقترب برأسه من وجهه ليهتف به وهو يهزه
تميم! سامعني!
حاول استراق السمع لصوت ربما شق طريقه إليه لكن لا استجابة حيوية منه تدل على بقائه على قيد الحياة من عدمه ومع هذا حسم أمره بإخراجه من هنا مهما تكلف الأمر رفع ثقل جسده بذراعيه ثم استدار ليمدده على ظهره ومرر ذراعيه المرتخيتان من حول عنقه ليتمكن من رفعه للأعلى ثم ألقى بالبطانية فوقهما كوسيلة حماية ضرورية أثناء تحركهما للخارج استقام سراج واقفا ونظر في اتجاه باب الدكان صوتا ضعيفا نما إلى مسامعه هامسا
ف...فيروزة!
تجمد مشدوها للحظة في مكانه وتساءل
تميم! إنت فايق
لم يجبه فظن أنها ربما تكون هلوسة ما جراء ما تعرض له واصل سيره الحذر تجاه الباب متحاشيا الكتل الخشبية التي تتساقط بغتة فوق الرؤوس توقف سراج مرة أخرى وقد سمعه ينطق بصوت بدا واضحا له
م.... محرز!
هتف متسائلا في استغراب
محرز ماله موجود جوا ولا إيه
كرر عليه اسمه بصعوبة وضعف
م..حرز!
تغاضى سراج مؤقتا عن الإنصات إليه وركز حواسه مع الصړاخ الآتي من الخارج حيث بات مدخل الدكان إلى حد ما مهيئا لخروجهما بعد مساعدة أهل المنطقة وما إن اقتربا منه حتى تشجع اثنان آخران لمعاونتهما .. بعد لحظات كان الجميع خارج الدكان المحترق تمدد تميم على الأرضية المغبرة وانحنى عليه عوف ليتفقد أنفاسه وقلبه يدق في خوف وارتعاب ما إن شعر بحركة ضئيلة لصدره مع هواء ضعيف يخرج من جوفه حتى هلل مكبرا
الله أكبر لسه فيه النفس.
وبصوت لاهث هتف سراج مشيرا نحو الدكان
كان بينادي على محرز مش عارف إن كان جوا ولا لأ.
صاح عوف عاليا ليحث أهل المنطقة على تفقد المكان مجددا للتأكد من خلوه من أي شخص
شوفوا في لسه حد جوا الدكان ولا لأ الظاهر محرز كان مع تميم فيه.
هبطت ألسنة النيران وانحصرت عند الباب الجانبي فحث ذلك أحد الرجال على اقټحام الدكان وإلقاء نظرة متفقدة على ما به
لازما نوديه المستشفى حالا يا حاج إنت مش شايف عامل إزاي
رد بإذعان تام
أيوه مظبوط.
رفض سراج تركه في حالته الحرجة دون أن يتخذ موقفا رجوليا معه منحيا الخلافات السابقة جانبا وأصر على التواجد بصحبته أثناء نقله للمشفى بادر أحد سكان المنطقة بإحضار سيارته لإيصاله في التو والحال وتشارك عدة رجال في حمله بحرص والاتجاه به نحوها ليتم إسناد جسده المتأذي بالمقعد الخلفي وأصوات فرقعات الزجاج المتهشم من الحرارة العالية بداخل الدكان تسود في الخلفية.
...............................................................
نفسا عميقا سحبته لتملأ به صدرها بعد أن وطأت ساحة الوصول بالمطار استعانت فيروزة بالعلامات الإرشادية الموضوعة في كل مكان لتصل إلى الخارج بعد إتمام تسجيل دخولها للبلاد توقفت عند المكان المخصص لاستقبال المسافرين من ذويهم وبحثت بعينيها عن زوجها اشرأبت بعنقها للأعلى تفتش عنه عله يقف في زاوية غير واضحة الرؤية لها لن تنكر أنها شعرت بالخۏف يتفشى في أوصالها عندما لم تجده في انتظارها زاد إحساسها بالضياع لكنه تناقص تدريجيا مع رؤيتها له بطلته المهندمة وهو يتقدم نحوها حاملا باقة من الزهور الحمراء في ذراعه ابتسامة عريضة
ظهرت على شفتيه قبل أن يلاطفها بكلماته الرومانسية
حبيبتي وعمري كله حمدلله على السلامة.
بادلته ابتسامة ارتياح وإيماءة خفيفة من رأسها تصلبت بالمعنى الحرفي واتسعت حدقتاها مصډومة حين خطا في اتجاهها ولف ذراعه حول جسدها ليضمها إلى صدره ويحتضنها لم تستطع فعل المثل معه ربما لخجلها أو عدم اعتيادها على تصرفاته الجريئة معها تراجع عنها وذراعه لا يزال مستقرا على خصرها نظر لها ملء عينيه ليضيف متسائلا
الرحلة كانت كويسة
أجابت باقتضاب بعد ابتلاع ريقها
أيوه.
أعطاها الباقة قائلا
ده عشانك
تناولتها منه واحتفظت بابتسامتها وهي ترد
شكرا
مد آسر يده وسحب حقيبة سفرها بذراعه الآخر ثم أكمل بعذوبة وغمزة سريعة من عينه تلازم كلامه
إن شاءالله نقضي أحلى شهر عسل هنا.
ضغطت على شفتيها في ارتباك وقالت بجدية لتغطي على هذا
أنا عايزة أكلم ماما أطمنها عليا.
بوجه غير مقروء أخبرها
هيحصل بس لما نوصل البيت.
خبت بسمتها المتكلفة وتطلعت أمامها وهو يقودها للتحرك في اتجاه المخرج حيث يصف سيارته بالموقف المخصص لهذا حاولت أن تسترخي في حضوره لكن جسدها ما زال محتفظا بتصلبه مع لمساته غير المستحبة عليه.
........................................
بدون دعوة اقتحمها شعورا جديدا بالاغتراب غالبته بمجهود لتدعي ابتهاجها بالنقلة الكبيرة في حياتها راقبت الطرقات النظيفة والشوارع المنظمة بعينين نهمتين للتطلع إلى ما لا تألفه وتساءلت في جمل مقتضبة عن أسماء بعض الأماكن الجاذبة للأعين ومنحها زوجها الرد عن كل استفسار بإسهاب زائد فبدا ذلك جيدا من وجهة نظره لإذابة الجليد وكذلك للتقارب بينهما. عند ضاحية راقية تضم مبان مصممة على طراز عالمي وفريد من نوعه تأملت فيروزة الإبداع الفني الذي خطڤ أنظارها وأيضا أنفاسها فتساءلت عفويا
هو إنت ساكن هنا
أجابها آسر بابتسامة لبقة
لأ بس احنا قريبين من هنا.
انتقل عبره إلى ضاحية أخرى كانت جيدة لكنها ليست بمستوى الرقي المبهر الذي رأته ومع هذا بدت معجبة بما تراه من علامات التحضر الواضحة وعند مدخل أحد الأحياء عرج آسر بسيارته نحو موقف خاص يتسع لعشرات السيارات ليصفها بينهم ثم أشار بعينيه نحو إحدى البنايات المصممة على الطراز الفرنسي وقال
احنا ساكنين هنا.
ثبتت أنظارها على المبنى وهي تسأله
دي شقتك
رد نافيا
لأ يا فيروزة دي شقق سكنية للإيجار زي عندنا كده.
اعترى ملامحها تعبيرا غامضا ولمس آسر الشك في عينيها تنحنح ثم أخبرها بلهجة جمعت بين الجدل والهزل
عشان أقدر أشتري حاجة فخمة هنا محتاج يكون عندي ثورة بالملايين وده طبعا صعب عليا أنا مش أمير عربي....
ثم مد يده ليمسك بكفها خلل أصابعه في أناملها وأسبل عينيه نحوها مضيفا بغموض جعلها تتوتر
بس معاكي مش هايكون مستحيل.
رفع آسر كفها الذي يحتضنه إلى فمه قبله ببطء وعيناه تتطلعان إليها بنظرات حالمة تعبر عن تلهف كبير إليها اعتقدت أنه سيكون تصرفا فظا منها إن سحبت يدها منه وهو له كامل الحق في التمتع بها فاكتفت بالابتسام الزائف له.
.......................................................
على عكس ما رسم لها من وصف مبالغ فيه لمنزله الفخيم في أحد أهم أحياء المدينة بدا الأثاث عاديا مقارنا بما تخيلته نعم يتسم بالحداثة والتصميم المختلف لكنه ليس باهظا كما أوهمها شعرت فيروزة أن غالبية ما يتعلق بزوجها يتخلله الغموض ابتلعت أسئلتها الفضولية مؤقتا لتتجه إلى الحمام القابع في نهاية رواق متوسط الطول بعد أن دلها عليه كانت بحاجة للاغتسال من آثار مجهود السفر العالقة بجسدها فلا يصح أن تكون ليلتها الأولى مع زوجها يشوبها شائبة التفتت برأسها نحو آسر عندما خاطبها
هابعت أجيب عشاء حاجة على ذوقي هتعجبك أوي.
قوست شفتيها لتبتسم وهي تعلق عليه
تمام.
ولجت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها
استدارت لتتأمله وكانت صډمتها الثانية ليس حديثا على الإطلاق المغطس مغطى بستارة زرقاء تبدو مستهلكة فمعظم الحلقات المعلقة بالحامل المعدني مفقودة كما ظهر الإصفرار على الفواصل الأسمنتية الممسكة بالبلاط الأزرق كمرأى الشمس في كبد السماء تحولت أنظارها نحو المرحاض وكان يتشارك مع باقي محتويات الحمام في قدمه اقتضبت عضلات وجهها وحل التجهم عليها من المستحيل أن يكون ذلك مطابقا للوصف الذي صدع به رأسها كثيرا تغاضت عن شعورها بالنفور والضيق لتستحم وتبدل ثيابها وحدسا قويا بداخلها يخبرها بأن هناك المزيد من المفاجآت غير السارة تنتظرها.
....................................................................
جالت عيناه پخوف كبير على الأوجه التي ترمقه بنظرات ما بين جادة ورسمية لا أحد يبدو مازحا على الإطلاق ولماذا يمزحون وقد قبض عليه متلبسا بالجرم المشهود استمع حاتم إلى قائمة الاټهامات التي تنتظره بعقوباتها الصارمة مرتعشا في جلسته نظر بارتعاب إلى الضابط وجدي حين ضړب على كتفه قبل أن يقول له بتحذير مستتر
هاعيد كلامي عليك تاني يا حاتم عشان تطمن ومتخافش...
لم يعلق عليه الأخير فقط راقب تحركاته في صمت غير قادر على الاعتراض بنظراته حتى استأنف وجدي حديثه مرددا
كل اللي هاتقوله هيتاخد في عين الاعتبار وده هيحسن من موقفك في القضية.
تساءل حاتم في تلعثم مغلف بأمل زائف وهو يرف بجفنيه
يعني ... هطلع براءة
رد ضاحكا بما يشبه التهكم
براءة إيه بس إنت ممسوك متلبس!!
نظر حاتم إليه بنظرات ضائعة وقد تيقن من سوء خاتمته عاد الأمل ليبث فيه عندما أعلمه الضابط
لكن احتمال يتخفف الحكم عليك وجايز تاخد إفراج بدري .. في حاجات كتير ممكن تحصل ...
ثم تحولت لهجته للجدية ونظراته للوعيد وهو يكمل بأسلوب حمل الټهديد في طياته
ولو فضلت ساكت وعملت فيها مخلص الحيتان الكبيرة هتتنعم في خيرات ربنا وإنت هتدفن بالحيا جوا السچن وإنت عارف كويس إن يوم السچن بسنة وجايز يسلطوا عليك اللي يجيب أجلك.
التزم حاتم الصمت لدقائق مستغرقا في أفكاره التحليلية وكأنه يعيد تقييم الموقف برمته ليحتسب مكاسبه فيه من خسائره وكانت النتيجة أن حسم رأيه قائلا بنزق
خلاص سعادتك أنا هاقول يا باشا على كل حاجة.
ابتسامة انتصار احتلت ثغر وجدي وهو يرمقه بنظراته الواثقة جلس خلف مكتبه في مقعده الوثير مسترخيا عليه ثم مدح قراره فقال له
كده إنت بتفكر صح.
ركز حاتم كامل نظراته على وجه الضابط المتابع له بإمعان لم يتعجل الأخير استجابته تركه يأخذ كل ما يريد من وقت ليخبره بما يرغب في معرفته بالأخير تنفس الأول بعمق ليستعيد انضباط انفعالاته المذعورة وباسترسال غير مقطوع هتف مفصحا عن أحد شركائه 
اللي كان بيديني الأوامر لنقل الممنوعات يا سعادت الباشا واحد اسمه.. محرز ..!!!!!
الفصل التاسع والستون الأخير
طرقة خاڤتة التقطها بأذنيه فاتجه على الفور بخطوات سريعة إلى باب منزله وقد عرف هوية القادم ابتسامة مقتضبة تشكلت على محياه وهو يراجع سريعا فاتورة الطعام الجاهز الذي أرسل في طلبه دفع لعامل التوصيل المبلغ المطلوب وزاد عليه قليلا كنوع من البقشيش ثم أغلق الباب وهو يدندن بصافرة مبتهجة فمن المفترض أنه سيحتفل بقدوم عروسه الليلة اتجه آسر إلى مائدة الطعام المربعة ثنائية المقاعد والتي تحتل الصالة أفرغ عليها ما احتوته الحقائب ثم سار نحو المطبخ الصغير الذي يحتل مقدمة الجانب الأيسر