رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


تميم ذراعه للأعلى قليلا وقربه من وجهه ليمسح بإصبعه طرف عينه الذي حبس تلك العبرة الخائڼة المتسللة إليه حزنا وكمدا على خسارة ما لم يملكه يوما ..!!!
يتبع
الفصل الحادي والخمسون الجزء الثاني
عرف عن الألم الجسدي بزوال آثاره مع مرور الوقت أما ألم الروح فقلما يتم التعافي منه بصعوبة بالغة استهلكت بقايا ثباته الزائف كافح تميم في حضور حمدية السقيم ليخفي ما عصف بصدره من حزن أمات قلبه النابض آه لو أطلع أحدهم على روحه المتآكلة لأدرك مدى العڈاب الذي يعانيه الآن غلف ملامحه بقساوة خارجية ونظراته بجمود مصطنع حتى لا يرى ما بهم من قهر يفتك بجوارحه ومع ثرثرتها الزائدة عن ترتيبات الخطبة المزعومة من قبل زوجها انفرطت آخر حبات عقد أمله الميؤوس منه وتأكد عن ظهر قلب بأنها لم ولن تكون له يوما أوصلته حمدية عند منزل الحاج اسماعيل ترجلت من السيارة قبل مسافة لا بأس بها وتولى مهمة صفها عند بقعة خاوية على مقربة من ذلك السرادق المقام على مرمى العين استطاع أن يتبين رفيقه وسط الضيوف المتزاحمين دنا من منذر الذي تزين في أبهى ثيابه لتليق بهذه المناسبة السارة وهنأه على عقد قرانه سأله الأخير باهتمام ونظراته تتجول على ملامحه الواجمة 
ها عرفت توصل بسرعة ولا قابلت مشاكل في السكة 
ابتسامة مرسومة بالإجبار على محياه كانت وسيلته المؤقتة لډفن أحزانه في الأعماق حافظ عليها تميم وأجابه بهدوء 
الطريق تمام يا منذر بس فجأة كده قررت تتجوز 
جاوبه منذر بصوت انخفض قليلا 
شوية حاجات حصلت كده عجلت بالموضوع 
هتف مجاملا ودون أن تظهر رغبة واضحة عليه في معرفة التفاصيل 
ربنا يتمم بخير 
تفرس أكثر في تعابيره المهمومة وسأله 
شكلك مش فرحان 
تعلل كاذبا 
لأ إزاي ده بس إرهاق السفر 
تمام 
قالها منذر وهو يصطحبه للداخل ليجلس وسط المدعوين من أهل البلدة وأقرباء العريس ومعارفه كان ممتنا لبقائه في معزل عن البقية بالرغم من الصخب المحيط به لكن لا شيء يقارن بالصړاخ المكتوم المټألم المنطلق بين جنبات نفسه عاد إليه منذر ليقف إلى جواره متسائلا 
الحاج بدير والحاج سلطان وباقي العيلة بخير 
قال وهو يومئ برأسه 
كلنا في نعمة تسلم على سؤالك 
جالت نظرات تميم على الوجوه المألوفة التي التقاها من قبل في حفل زفاف ابن خالته دفعه ذلك للسؤال بجدية 
بأقولك يا منذر هو إنت تعرف نسايب هيثم منين 
أحنى الأخير جزعه عليه وأشار له بعينيه قائلا 
شايف اللي قاعد ناحية الشمال ده 
تساءل في حيرة وهو يركز نظره على كل من اسماعيل و فتحي 
أنهو واحد اللي قالب سحنته ولا التاني اللي بيتكلم مع آ 
قاطعه بصوت أجش رغم خفوته 
لأ الأول اللي اسمه فتحي 
رفع تميم أنظاره نحوه وسأله 
ماله بقى 
على مضض أجابه 
ده قريب الجماعة ابن خالة أمها وبعيد عنك شخصية ما يعلم بيها إلا ربنا سواد من برا وجوا مايتوصاش في الغل والحقد عمل أفلام وحركات عشان ياكل حق الغلبانة قريبته 
كان وصفه دقيقا عنه حتى أن قسماته عكست بغضه الظاهري بوضوح فتساءل في غرابة 
طب وعملت معاه إيه 
غمز له رفيقه في ثقة قبل أن يرد 
عيب عليك ده أنا منذر طه حرب وإنت عارفني في الحق زي السيف معرفش أبويا 
ربت على كتفه قائلا بزهو لا يقل عنه 
أبو الرجولة كلها يا عمنا 
خفف حضور منذر ومرحه الذي مزج بين الجدية والهزل من وطأة الأحزان الجاثمة على قلبه هكذا خدع نفسه ليلتهي مؤقتا عما
أهلك روحه وظل بالقلب نبضة أخيرة تتلهف بتوق رهيب لرؤيتها ولو للحظة قبل أن تصبح مستحيلة للأبد 
تلفت حوله بتوتر وهو يدقق النظر في الطريق الذي امتد على مرمى البصر متفحصا عن كثب كل مركبة تعبر من جواره أراد الالتقاء به أولا قبل أن ينتقل لمنزل اسماعيل لوضع النقاط على الحروف والتأكد من اتباعه للنهج الذي رسمه للظفر بابنة أخته كعروس حرك خليل الهاتف المحمول على أذنه ليتلقى إشارة إرسال قوية واستدار برأسه للجانب وهو يقول بتلهف 
أنا واقفلك على أول الطريق أهوو 
أتاه صوت آسر معلقا عليه 
خلاص شوفتك يا أستاذ خليل 
أنهى المكالمة الهاتفية معه ليجد إحدى السيارات تقترب منه لمح يد آسر وهو يخرجها له من النافذة ليلوح له بها تنحى للجانب مفسحا المجال لإيقاف السيارة على جانب الطريق صفها على مهل وترجل منها ليلتقي بمضيفه الذي هتف مرحبا به 
حمدلله على السلامة يا أستاذ آسر 
قال وهو يحتضنه في ود 
الله يسلمك ومافيش داعي للألقاب احنا خلاص قربنا نبقى نسايب
رد في استحسان 
فعلا 
ثم سأله مبديا اهتماما مبالغا فيه 
ها قولي البلد مش بعيدة عليك مظبوط 
أجاب بدبلوماسية استساغها الأخير 
الطريق حلو مسألتش كتير وعرفت أوصل على طول 
غمغم خليل في حبور 
كويس تعتبر ماخدتش وقت من آخر مرة كلمتني 
ضاقت نظرات آسر بشك وهو يسأله 
وإيه الأخبار يا أستاذ خليل في مشكلة لو فاتحت عمها وخطبتها النهاردة هو مش عارفني وآ 
قاطعه مؤكدا بما لا يدع أي مجال لإثارة الريبة 
لأ اطمن أنا مظبطلك الدنيا كلها كلمت الحاج اسماعيل عنك من يومين وهو بعت ناس تسأل عليك زي ما قولتي أروح فين وعند مين وطبعا جيتك عنده عشان تتكلم معاه شخصيا دي حاجة كبيرة وهايقدرها 
التوى ثغره بابتسامة ممتنة وهو يعقب 
شكرا يا أستاذ خليل حضرتك سهلتلي حاجات كتير 
هتف الأخير في خبث وتلك النظرة الماكرة تتراقص في حدقتيه 
ما أنا يهمني مصلحة بنت أختي 
تنحنح مرددا بنبرة ذات دلالة غامضة 
مفهوم وبالنسبة لموضوع التأشيرة لقريبك ده اللي كلمتني عنه أنا خلاص تقريبا خلصتها كلها كام يوم وهتبقى عندك 
انفرجت أساريره عن ابتسامة غريبة وهو يهلل 
أيوه بقى بشرني بالأخبار الحلوة 
مسح على كتفه مؤكدا من جديد 
اطمن أنا عند وعدي 
تساءل خليل بجدية 
والحساب هيبقى أد إيه 
بسمة منمقة تشكلت على جانبي شفتيه حين أجابه 
الحساب وصل عيب نتكلم في الحاجات البسيطة دي احنا بقينا تقريبا نسايب 
تحدث خليل في صوت متحمس جعل آسر أكثر ثقة عن ذي قبل 
طبعا هو في زيك يا ابني وأنا مش عايزك تقلق موضوع فيروزة هيخلص على خير بأمر الله وأنا عند وعدي 
في كل ڠضب الدنيا استدارت بثوبها البراق لتواجه والدتها بعد أن أخبرتها بمجيء آسر لخطبتها دون علم مسبق منها رمقتها فيروزة بنظرة ڼارية محتقنة عبرت عن قدر محدود من الثورة المندلعة بداخلها احتجاجا على تقرير مصيرها بهذا التجاهل المستفز هدرت مستنكرة فرض الأمر عليها وهي تلوح بيدها 
وإزاي محدش يقولي أنا آخر من يعلم يا ماما 
بررت آمنة موقفها بتوتر ملحوظ في صوتها 
يا بنتي أنا زيي زيك خالك مقاليش حاجة غير على آخر وقت 
صاحت بصوتها المتشنج تلوم خذلانها حتى في أهم
القرارات الحياتية 
ده جواز يا ماما مش فستان ولا جزمة جديدة عاجبته فجبهالي 
صمتت والدتها ونظرت لها بأسف مما زاد من غيظها تصلبت عروقها وتابعت صياحها الغاضب 
والمفروض أوافق على اختياره 
قالت محاولة تهوين المسألة عليها 
دي أعدة رجالة هيتكلموا ويشوفوه ومافيش حاجة رسمي 
احتد صوتها وهي ترد 
أنا مش همسة مافيش حد يقدر يجبرني على حاجة مش عايزاها 
وضعت آمنة يدها على ذراعها وقالت بتردد 
طيب خلاص أنا هاكلم عمك وآ 
وقبل أن تكمل عبارتها اقټحمت حمدية الغرفة لتقاطعها قائلة ببرودها السمج 
يعني عاوزة تحرجي خالك قصاد الخلايق دي كلها وتقللي منه ما تبطلي أمور الجنان دي 
استدارت فيروزة لتصبح في مواجهتها كانت الأخيرة تقف عند باب الغرفة الذي أغلقته من خلفها تستند بظهرها عليه وعلى وجهها تلك الابتسامة الباردة المليئة بالحقد قست نظراتها نحوها واشتعلت بحمرتها الملتهبة ثم تقدمت ناحيتها لتصبح على بعد خطوتين منها وهتفت فيها بعصبية 
وهو خالي كان عملي حساب ده ما يرضيش ربنا إنه يجوزني ڠصب عني 
ردت حمدية ببرود وهي تتغنج بجسدها 
ده مجرد تعارف مش حاجة يعني 
صاحت توبخها في غيظ 
يا سلام بأمارة ما جايبينه لحد هنا بلاش الكلام الأهبل ده 
اعتدلت زوجة خالها في وقفتها وحدجتها بنظرة جافية غير مبالية ثم نطقت بسخافة قاصدة إخراجها عن شعورها 
وإنتي إيه اللي مزعلك هو أنا اللي جيباه ما هو من طرف صاحبتك إياها 
كزت فيروزة على أسنانها في حنق ووالدتها ترجوها 
خلاص يا حمدية هي مش عايزاه بناقص منه 
توحشت نظراتها وردت 
احنا جايين نهزر يا آمنة ده جواز وكلام رجالة 
استغربت شقيقة زوجها من حميتها الزائدة وتحفزها لأمر تلك الخطبة بتلك الحدية وكأنها مسألة مصيرية ومع ذلك لم يظهر انفعالها وقالت لها 
أيوه بس بالاتفاق مش بالڠصب 
تقوست شفتا حمدية عن بسمة خبيثة وعمدت إلى تزييف تفسير الأمور لتربك والدتها وبالتالي لا تتخذ صفها فقالت تتهمها بنفس الأسلوب المستفز 
ما جايز يا آمنة قايلين لبعض من قبلها عاملة الشويتين دول علينا أل يعني بنتك المصونة في الحركات دي 
ثم غمزت ل فيروزة بعينها خاتمة حديثها 
يا بت اطلعي من دول أنا فهماكي كويس 
جاء النفي من أعماق فيروزة مصحوبا بصړاخ رافض لتدافع به عن نفسها 
أنا مش كده يا مرات خالي طول عمري واضحة ودوغري ماليش في اللف ولا حركات البنات إياها و علا صاحبتي ليا لي كلام معاها بسبب ده أنا مش هاسكت 
مدت حمدية يدها لټضرب كتفها عدة مرات وقالت بجمود 
وماله اتعاتبوا اتحاسبوا اصطفلوا مع بعض بس ده اللي حصل يا حلوة 
ثم تعمدت التباطؤ في نبرتها وهي تستكمل 
ولعلمك الموضوع دلوقتي بقى في إيدين عمك يعني خالك مالوش دعوة عمك اسماعيل صاحب الكلمة الأخيرة فيه 
وكأنها منحتها الحل السحري لكافة مشكلاتها تسلحت فيروزة بشجاعتها النابعة من قوة شخصيتها وتحدتها قائلة 
سهلة أنا هاطلع أتكلم مع عمي وأقوله إني مش موافقة على العريس ده 
همت بالتحرك لكن أمسكت بها حمدية قبل أن تخطو للأمام خطوة أخرى شدت على معصمها وجذبتها بقوة للوراء لتقول لها بعينين يملأوهما الحقد 
اخربيها زي تملي ده اللي بيريحك ما هو إنتي غيتك تولعي الدنيا لا ليكي كبير ولا بتعملي اعتبار لحد 
استلت
پعنف يدها من قبضتها وردت عليها بنظرات غلفها الكره 
أنا حرة في حياتي 
نظرت لها بازدراء وهي تنعتها 
بدل ما تبقي عانس يا عين أمك بايرة لا تنفعي في جواز ولا تنولي خلفة الحق علينا بنعمل اللي فيه مصلحتك 
اڼفجرت صاړخة بها 
ملكيش دعوة بيا أنا مش زيك 
هنا ولج خليل للغرفة متسائلا بوجه متجهم وهو يدور بنظراته على ثلاثتهن 
صوتكم عالي ليه 
على الفور قلبت حمدية الطاولة على رأس الجميع واتهمت ابنة أخته علنا لتوغر الصدور 
البت دي عاوزة تفضحك يا خليل 
استشاطت نظراته ڠضبا وتساءل بملامح نافرة 
نعم ټفضحني 
ردت فيروزة نافية على الفور 
لأ يا خالي الحكاية مش كده ماتصدقش كدبها ده 
هتفت حمدية تعنفها بحدة 
أنا كدابة سامع يا خليل دي جزاتي عشان بأنصحك وبأقولك بلاش تتبتري على النعمة اللي جيالك لحد عندك 
تجاهلتها فيروزة ووقفت قبالة خليل لتقول له بأنفاس هادرة 
اسمعني يا خالي أنا مش هاتجوز أي حد بالطريقة دي حتى لو كان العريس ملاك نازل من السما صحيح اتضايقت إنك عملت كده من ورايا واتكلمت مع اللي اسمه آسر ده