رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


دماغ متكلفة..
ضحكت ساخرة منه وهزت رأسها بالنفي لكنه أعلن صراحة لها بنبرة مختلفة كليا عما اعتاد التحدث به
شوفي يا بنت خالتي يا اللي معتبرة سكوتي ده ضعف وعشانك من العيلة لو انطبقت السماء على الأرض مش هارجعلك!!
ابتسم لها لثوان معدودة ليبدو غير مبال بما هددته به ثم اختفت تلك الابتسامة كما ظهرت وغطى وجهه تعبيرا محذرا ليتوعدها بعدها مشيرا بعينيه اللاتين غلفهما القسۏة
وفكري تقربي من الأبلة ساعتها بس هاتشوفي وشي التاني اللي عمرك ما تعرفي عنه حاجة.
ببرود سمج تحدته قائلة وقد ارتخت نظراتها
هترجعلي يا تميم وبكرة أفكرك يا معلم.
تحرك في اتجاه الباب وأخبرها دون أن ينظر إليها قبل أن يصفقه في وجهها پعنف
ابقي اتغطي كويس..
انجرحت أحبالها پألم حين صاحت بأعلى صوتها ليصله
احنا لبعض يا تميم إنت جوزي وأنا مراتك هنفضل مع بعض لحد ما ڼموت سوا.
بدت غير طبيعية بالمرة وصړاخها يخترق الكتل الخشبية ليصله اندفع متجها إلى المصعد رافضا البقاء في مكان واحد يجمعه بها لا يمكن أن يعود أبدا لما كان عليه من قبل معها لن يستطيع إجبار نفسه على العيش معها لكنه بقي أمام عقبة خطېرة ټهديدها غير المازح لطاووسه فكيف سيحميها من شرها الخفي 
............................................................
انزوى كلاهما بغرفتها المعزولة عن الخارج ليتحدثا سويا بعد أن تأزم الوضع واتخذت المشاجرة العابرة منحنا قانونيا يستلزم حلا فوريا حاسما لإنهائه قبل أن يتم تصعيده أو يزداد تعقيدا. سحبت همسة زوجها من ذراعه ووقفت إلى جواره عند الشرفة رمقته بتلك النظرة غير المتسامحة وأخبرته بصوت خاڤت لكنه صارم
زي ما أمك وقعتنا في الخية دي تطلعنا منها.
رد هيثم وهو يهز كتفيه كتعبير ظاهري عن قلة حيلته
وأنا بإيدي إيه ومعملتوش
صاحت به بنبرة ارتفعت نسبيا
اتصرف.. وبعدين إنت أخوها يعني المفروض ليك كلمة عليها.
علق في تهكم
لأ مش مع دي إنتي متعرفيش خلود كويس يا هموسة..
ارتسمت بسمة هازئة على شفتيه وهو يختم جملته
ده تلاقيها دلوقتي بتتعاون مع أمي على الإثم والعدوان.
احتفظ وجهها بتكشيرته العظيمة وهتفت به
إنت هتهزر يا هيثم أختي هتتسجن ظلم وإنت فايق للتنكيت.
ازدرد ريقه وخفف من ابتسامته ليرد بحذر وكأنه ينصحها
إن شاءالله مش هتوصل لكده وهيبقى ليها حل.
ارتخت عضلات وجهها المتصلبة حين قالت بحدية أقل
يا ريت والله لأن بجد حرام أوي اللي بيحصل في فيروزة ده كله هي ماتستهلش كده.
امتدت يد هيثم لتمسح على جانب ذراعها وكأنه يداعبها قبل أن يطلب منها بلطف
اهدي بس إنتي أعصابك يا هموس.
نظرت لحركة يده صعودا وهبوطا على طول ذراعها ومنحته تلك النظرة الصارمة لتوبخه بعدها بتحفظ شديد
وده وقته شيل إيدك!
رفع كفيه في الهواء متراجعا عن الاقتراب منها فلم تكن في مزاج جيد لتقبل مزاحه لكن ابتسامته لم تفتر نحوها.
........................................................
على الجانب الآخر جلجل صوت فضل المتزمت بين جدران غرفة الصالون ليعلن عن سخطه الصريح تجاه ما حدث مع فيروزة بل وأكثر من ذلك حملها المسئولية كاملة عن وقوعها في تلك المصېبة وكأنها كانت تتصرف برعونة ودون تفكير لتزج بنفسها في المتاعب بإرادتها الحرة. تحفز في جلسته ولوح بذراعه في وجه أبيه متابعا تذمره 
قولتلك يابا من الأول أعدة الحريم لوحدهم بتجيب نصايب.
رد عليه والده بزفير منزعج
خلاص يا فضل.
تحولت نبرته لشيء آخر يحمل الشدة وأيضا الإلزام عندما أكمل حديثه وعيناه موجهتان نحو زوجة عمه
لازما ولابد يكون في راجل معاهم والكلام ده نهائي.
عاتبته آمنة قائلة بنظراتها الحزينة ووجهها التعس
مالوش لازمة تقول كده يا فضل احنا طول عمرنا في حالنا وماشيين جمب
الحيط لا حد سمع عنا حاجة ولا بنعمل مشاكل مع خلق الله.
سألها فضل بصوته المتعصب وعرقه الغزير يتجمع عند جبينه بسبب انفعاله المغتاظ
أومال اللي حصل ده تسميه إيه
ضغطت شفتيها قليلا قبل أن تجيبه
النصيب.. 
علق بأسلوب متنمر وشفتاه مقلوبتان
كلام خايب!
رد عليه اسماعيل بنفاذ صبر
مش وقته يا ابني عايزين نشوف هنعمل إيه..
توقف ثلاثتهم عن الحديث حين ولجت همسة إلى الغرفة حاملة بين ذراعيها صينية بها عدة فناجين للقهوة أسندتها على الطاولة التي تنتصف الأرائك وتراجعت لتجلس في واحدة شاغرة وعلى مقربة منها جلس هيثم بعد أن انضم إليهم. ارتكزت أنظار فضل على وجه زوج ابنة عمه رمقه بنظرة مغلولة وصوت هدير أنفاسه شبه مسموع ثم تشدق هاتفا بنزق مستخدما يده في الإشارة نحوه 
ولما إنتو عيلة في قلب بعض ومافيش مشاكل ليه أخت الأفندي اللي متجوزاه همسة اتبلت على البت أختها
شعرت همسة بإهانة واضحة تسيء لتوأمتها في كلامه عن شخصها ناهيك عن تقليله من شأنها هي شخصيا وكأنها نكرة فصاحت فيه تحذره 
أختي مش بت ليها اسم تناديه بيه.
تصلب في جلسته وقست ملامحه إلى حد كبير وهو يرد بنوع من الھجوم
إنتي هتعلي صوتك عليا
قبض هيثم على كتف زوجته يمنعها من النطق وانتفض واقفا ليرد منذرا إياه بنفس أسلوبه العدائي
إلزم حدودك! دي مراتي اللي بتفكر تغلط فيها هي مش سايبة ولا شغل فتونة هتقل أدبك عليها هتلاقيني معلم عليك في الناحية التانية من وشك.
هتفت آمنة بحړقة وقد فاض بها الكيل من تلك المشاحنات الجانبية
يا ناس كفاية خناق ومشاكل اللي يكرمكم احنا كلنا هنا عشان نشوف حل للمصېبة اللي فيها بنتي. 
رفعت همسة ذراعها لتمسك بمعصم زوجها جذبته منه ليجلس وهي تقول له
تعالى يا هيثم.
غمغم بتبرم خاڤت ونظراته الحانقة مسلطة على وجه فضل
قريبكم ده أعوذو بالله.
ردت عليه بصوتها الهامس
مكانش كده زمان كانت أعدته حلوة ودمه خفيف والكل بيحبه معرفش قلب كده ليه!
الټفت ناحيتها ليحدجها بنظرة مغتاظة غاضبة وهو يرد من بين أسنانه المضغوطة
نعم .. في إيه
سألته بعدم فهم بنفس النبرة الخفيضة
إيه اللي في إيه 
احتدت نظراته نحوها وأجابها متسائلا بصوت بدا محموما
إنتي هتتغزلي فيه قصادي 
نفت على الفور سوء فهمه لتصحح له
لأ يا هيثم مقصدش بس حساه بقى واحد تاني.
جاء رده صارما بشأن تلك المسألة وهو ينهرها
لا تحسي ولا غيره الكائن ده مايتحطش في أي جملة مفيدة ولا ضارة.
هزت رأسها بقبول لترد بعدها
حاضر.
ثم تابع مخاطبا إياها بصوته الهامس وعيناه تتطلعان إليه
ده تنح ودمه واقف.
تلقائيا نظرت في اتجاه فضل والذي تجشأ بصوت خاڤت بعد أن انتهى من تجرع زجاجة المياه الغازية ليمسك بفنجان القهوة وردت بنفور انتشر على محياها
معاك حق.
...............................................................
انتهى عامل القهوة من رص أكواب الشاي الساخنة الجديدة على الطاولة المربعة الموضوعة بين ثلاثتهم ليجمع بعدها الأكواب الفارغة من أمامهم وينسحب تاركا إياهم يتناقشون في اهتمام حول الموضوع الشائك المطروح على الساحة وعلى غير العادة كان الجد سلطان متواجدا في الدكان لوقت متأخر لكن الخطب جلل وحتما سيحتاج حفيده لمشورته. لم يمد تميم يده ليمسك بكوبه وتطلع إلى والده الذي سأله بتعابير جادة
يعني مالهاش حل
أجابه بوجوم شديد وظهره محڼي قليلا
مش عارف بس أنا استحالة أرجعلها.
علق بدير في يأس
لا حول ولا قوة إلا بالله.
أراح ابنه ظهره للخلف لكن بقي كتفاه متهدلان حين أضاف بحنق
الواحد إزاي كان مخدوع فيها كده ده أنا بأفهمها وهي طايرة أبقى غبي للدرجادي!!
عقب عليه جده سلطان بنبرة عقلانية
صوابعك مش زي بعضها وزي
ما في العيلة الكويس فيها برضوه الۏحش.
الټفت برأسه ناحيته ليرد بندم لم يجاهد لإخفائه
وكانت قدامي الفرصة أسيبها ولا تظلمني ولا أظلمها.
وفجأة خاطبهما بدير وكأنه تذكر ما غفل عنه
احنا ناسيين حاجة مهمة يابا.
تركزت الأعين عليه لكن بادر سلطان بسؤاله
إيه هي يا بدير
أجاب مشيرا بعينيه
الكاميرات اللي ركبت.
نظر له تميم بغرابة ولم يتفقه ذهنه إلى مقصده بينما علق الجد مشاركا في حواره
صحيح إنت كنت قولت هتجيب واد يركبهم.
هز رأسه مؤكدا وقد لانت ملامحه
أه وعملت ده فعلا وقتها.
لېقتل الفضول الذي يساوره تساءل تميم على الفور
كاميرات إيه اللي بتحكوا عنها دي
بأريحية أجابه والده دون أن ينتبه لكونه لم يأت على ذكر تلك الحاډثة من قبل
بعد السړقة إياها كان اللواء معرفتي قالي أركب كاميرات للأمان في العمارة وده عملته واحدة ناحية المنور وواحدة عند المدخل ما نشوف كده جايز تكون بينت حاجة.
استنفر في جلسته وتطلع إليه بنظرات حادة قوية متسائلا في ضيق بائن على تقاسيم وجهه
سړقة! إيه ده كمان وإزاي أنا معرفش أي خبر بيها
تدارك والده خطأه غير المقصود لعق شفتيه وقال متهربا من إجابته
مش وقته يا ابني.
أصر عليه بعناد وكل الضيق يتجمع في عينيه الملتهبتين
لأ يابا وقته هو أنا قاعد كده معاكو زي الأطرش في الزفة ولا إيه
رد عليه جده بهدوء
موضوع وعدى بقاله فترة وخلصنا منه.
استدار برأسه في اتجاه جده وقال له بإلحاح رافضا تمرير الأمر
لازما يكون عندي علم بيه مين اللي اتجرأ وفكر يخش البيت وبعدين افرضوا كان الحرامي ده عمل حاجة فيكو ولا آ....
قاطعه بدير موضحا له
ما هو مكانش حد غريب.. طيش عيال وراح لحاله.
احتقنت عيناه بشدة وهتف في استنكار
كمان يعني حد نعرفه
لم يكن والده موفقا في التطرق لذلك الموضوع تحديدا وبات مرغما بالحديث عن تفاصيله فأردف طالبا منه بملامح جادة
أيوه بس قبل ما أقولك مين هو اوعدني الأول ما تتهورش عليه الموضوع ده كان اتحل وخلص من زمان.
توزعت نظراته بين وجهي أبيه وجده وقال في صدمة غاضبة
شكل الحكاية كانت كبيرة.
رد عليه جده ملطفا من حدة غضبه
لأ مش أوي.
بجمل مرتبة مختصرة قص عليه تفاصيل حاډث السړقة والذي وقع خلال ليلة عرسه حيث قام هيثم بالتسلل خلسة للمنزل عبر منور العمارة وتسلق الشرفات غير المستخدمة المطلة عليه ليقتحم المكان من المطبخ ومنه إلى الدرهة الطويلة وصولا إلى غرفة النوم وسړقة الدرج العلوي الذي كان يحوي بعض النقود ثم هروبه واكتشاف السړقة ومعرفة هويته بمساعدة غير رسمية من أحد رجال الشرطة. اربد وجه تميم بالڠضب الشديد وهدر من بين شفتيه بانفعال مغتاظ
ابن ال....... ويوم فرحي كمان!!!
عقب عليه الجد محاولا تهدئة انفعالاته الثائرة
خلاص يا تميم الواد تاب ومكررهاش تاني وأبوك عمل معاه الصح.
توعده بهسيس
وقعته سودة بس أفوق من اللي أنا فيه ده.
رد عليه بدير بضجر ظاهر عليه
هتخليني أندم إني قولتلك.
قال له معاتبا
كان لازم أعرف بنصيبته دي من بدري يا حاج.
سأله والده بتبرم
يا ابني الواد ماشي زي الألف هنرجع نحاسبه تاني على القديم 
ضم شفتيه في غيظ كان في موقف محير واستدار برأسه ليحدق في وجه سلطان الذي استطرد يقول لهما
سيبكم من الهري ده وخلونا نشوف الكاميرات جايز نلاقي فيها اللي عايزينه.
غمغم حفيده على مضض
ماشي.
في حين أضاف والده قائلا
هاجيب الواد اللي ركبهالي ونشوف.
زفر وهو يهز رأسه بإيماءات متتالية
طيب.
................................................................
لم يكن محنكا فيما يخص استخدام التكنولوجيا الحديثة فقط معلومات عامة أولية تمكنه من التعامل مع أجهزة المحمول المتطورة لكن فيما يتعلق بالمستجد والمستحدث من الأدوات الالكترونية وتعقيداتها لم يكن
ملما بها ولهذا وبشكل بديهي لم ينتبه تميم للجهاز العجيب الموضوع على الدرسوار