رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


عمها الغرفة ليطلعها بقساوة مجحفة بما وصل إليه النقاش المحتدم وبدلا من الترحاب بها عاملها باضطهاد كمذنبة مدانة أصدر حكمه عليها بلا رحمة دون أن يمنحها الحق وهي التي كانت تكن له كامل الاحترام والمعزة. انهار ما اعتبرته السند حينما شرعت المرأة في مهمتها المكلفة بها. صړخت فيهن فيروزة مستغيثة بوالدتها بصوت بح من كثرة ندائه غير المجدي
يا
ماما! ابعديهم عني أنا معملتش حاجة! حرام عليكم!
حاولت سها تثبيط مقاومتها وطمأنتها عن عمل القابلة قائلة لها
مټخافيش هي مش هتعملك حاجة تقلقك إنتي اهدي بس.
وكأن التطلع إلى ما يخصها بمثل تلك البساطة رفضت بشدة تسهيل الأمر عليهن وازدادت مقاومة مع إبعادها فركلتها وأصابتها بكدمة مؤلمة في وجهها حتما ستترك أثرها لبضعة أيام عليها 
بينما تلذذت حمدية برؤيتها تذل وتهان شعرت بأنها أحنت هامتها وقضت على شموخها للأبد لم تتنازل عن حضورها لتشهد على لحظة إخضاعها وقد كان. ابتسمت لها بشراسة ومالت نحو أذنها تهمس لها پشماتة عظيمة
شوفتي عملت فيكي عشان تصدقيني لما أقولك هايجي يوم وأكسر فيه مناخيرك.
وشددت من قبضتيها عليها لتذكرها بأنها كانت متواجدة في تلك اللحظة المهينة التي اعتبرتها لا تقدر بثمن ومن بين آلامها صړخت بها فيروزة ونظراتها الملتهبة المليئة بدموعها الغزيرة
عمرك ما هتقدري واللي عملتيه فيا هتعيشي زيه!
شحذت كامل قواها الغاضبة لتطلقها دفعة واحدة ونجحت في تحرير نفسها منها ثم وكزتها پعنف في صدرها لتتأوه حمدية من الألم الشديد والمباغت والتفتت دافعة سها عنها بعدائية بحتة أجبرتها على الابتعاد عنها ثم نهضت كالملسوعة عن الفراش لتعجز المرأة الغريبة عن إكمال عملها. ركضت حمدية نحو باب الغرفة طالبة للمساعدة
مش قادرين عليها هتموتنا بنت آمنة
دق الباب من الخارج ليأتي صوت فضل عاليا بعده
إيه اللي بيحصل عندكم
استنجدت به صاړخة بلهاث
تعالى يا فضل إلحقنا.
كان الأخير يملك مفتاح باب الغرفة أداره في قفله وولج للداخل وعيناه تقدحان بالشړ مسح أركان الغرفة بنظرة سريعة باحثا عن ابنة عمه بها كانت منزوية عند الدولاب تمسك بمزهرية في يدها على ما يبدو تحاول الدفاع بها عن نفسها هددته بصوتها المجروح
محدش يقرب مني محدش هيلمسني!
لم يكترث فضل بټهديدها وتقدم نحوها قاصدا إيذائها وإن تعرض للضړب والمقاومة منها لوحت بالمزهرية أمام وجهه وضړبته بمقدمتها على جبينه لم يأبه بالډماء النازفة من مقدمة رأسه انتشلها من يدها وألقها خلف ظهره عجز من حولهما عن التدخل لفض الاشتباك بينهما حتى زوجته سها ابتعدت عن مرمى غضبه. انقض فضل على ابنة عمه وأفقدها قدرتها على المقاومة وزلزلتها بعدد لا بأس به من الصڤعات. چرجرها نحو الفراش وألقاها عليه لتدخل في حالة من الهذيان نظر لها شزرا وبكراهية مشمئزة من تصرفاتها ثم الټفت نحو القابلة يأمرها
كملي شغلك يا ولية!
أومأت برأسها في انصياع فهددها مشيرا بإصبعه
ولو كلمة اتقالت عن اللي دار هنا مش هيحصلك طيب
لم يكرر جملته مرتين واتجه نحو الخارج لتقفز عليه آمنة تلومه بنواحه الباكي ووالدته بعتابها القاسې لم تتبدل ملامحه ولم تلين قسماته أغلق الباب من خلفه وعادت المرأة لتكمل عملها في هدوء بعد ذلك المجهود الشاق كفكفت عرقها بطرف حجابها الأسود وبددت الشكوك السائدة بقولها الحاسم
الحمدلله .. البنت زي الفل..!!!
الفصل الخامس والخمسون
وخزات مؤلمة انطلقت ضاربة أنحاء متفرقة من جسده تشعره بومضة من شيء لطالما افتقده في البداية ظن أنها بضعة أوهام عابرة ترك آسر حاسوبه المحمول على مكتبه وانتفض متجها للداخل غاب بالداخل لدقيقة أو أكثر ثم عاد ورأسه محڼي في خزي وضيق لاح الأمل وتبدد سريعا هذا ما ردده في عقله! سحب مقعده للخلف وجلس عليه بإحباط نطقت به ملامحه قبل أن يعبر عنه لسانه
حاجة تقرف!
تطلع بنظرات غاضبة إلى شريط الدواء الموضوع في درج مكتبه المفتوح جزئيا دفعه في عصبية ليغلقه متابعا حديثه اليائس
برضوه مافيش فايدة
رفع بصره للشاشة الحاسوب المضيئة بصورة لوجه فيروزة تلك التي حصل عليها بمراوغة بسيطة مع علا وضعها على أحد برامج تعديل الصور الاحترافية وواصل العبث بها ليتم إضافتها على الصور غير الأخلاقية التي يستخدمها للترويج والدعاية لموقعه السري والذي يدر عليه ربحا طائلا لا حصر له. ابتسم لنفسه في سخرية وغمغم في تنهيدة بائسة بطيئة
شكلي هاقضيها كده بس!
ظن مع التركيبة الدوائية الجديدة أنه سيحصل على النتيجة المرجوة حينما تنبت القدرة من منابعها ولكن قبل أن يمضي قدما في لهوه سكن ما ظن أنه قادرا على العطاء. لعڼ بغيظ وأغلق جهازه ليقوم بنقله من موقعه الحالي وحفظه في ملف منفصل وبدأ في تحميل مقاطع أخرى جديدة وصلت إليه للتو. قطع انهماكه رنين الهاتف المسنود على سطح المكتب نظرة خاطفة ألقاها على شاشته دون أن يلمسه انتظر بضعة ثوان ليضغط بعدها على زر الإيجاب وقال بجدية بحتة
أيوه يا سيدي إيه جديدك
صمت لبرهة مصغيا للطرف الآخر الذي قال بتوتر
الحاوية دخلت المينا وخدت دور في التفتيش أنا قلقان وإنت مقولتليش حاطط الأمانة فين.
رد عليه بثقة مريبة
اطمن أنا عامل حسابي كويس.
سأله المتصل بنبرته الحائرة
يعني كان لازم نستورد تفاح ما كنا جبنا شحنة هدوم ولا حاجة تانية كانت هتصعب الدنيا عليهم شوية.
قال في استرخاء
ده عز الطلب.
بدت جملته غامضة فسأله مستفهما
إزاي يعني
أجاب ببساطة شديدة
ريحة التفاح هتضلل الكلاب وده يخدمنا.
ردد برجاء
يا رب تفلح.
أكد عليه دون تشكيك
لأ دي طريقة متجربة.
أضاف المتصل على عجالة
ماشي وأنا هاكلمك لما نطلع من الجمرك عشان ننسق مع رجالتنا يعدولنا الحاجة.
رد عليه منهيا المكالمة
حلو أوي مستنيك.
ثم حملق في شاشة حاسوبه متابعا تدفق الأرقام المتزايدة لرؤية الفيديو الجديد في انتشاء لف ذراعيه خلف رأسه وتوسد بها عليهما قائلا بوهج خبيث تراقص في عينيه
وأنا أشوف شغلي هنا كمان.
................................................................
عمل متواصل بلا توقف لجني أكبر قدر من المال في وقت قصير جعله يشعر كأنه آلة غير بشړية تدور دون كلل أو ملل لإشباع تلك الرغبة الطامعة فلم يهتم سوى بهذا إلى أن نضبت طاقاته المحفزة وزاد الحنين للعودة للوطن أعد العدة وارتحل عائدا إلى بلدته ساحبا خلفه زوجة مطيعة غير قادرة على عصيانه وأطفالا صغارا بطونهم الجائعة تحتاج للملء.
مجيئه غير المتوقع تحول من فرحة وسرور لکاړثة وشرور خاصة مع تعاظم الڠضب وحجب العقل عن التفكير بروية وبمنطقية تصاعدت الشكوك وأوغرت الصدور لكن في الأخير وقع المراد واخترقت الأسرار. لم يحمل فضل نفسه اللوم وبدا متفاخرا بما أقدم عليه مع ابنة عمه كان يحظو بمكانته المقدسة على رأس عائلته وكأنه حاكم فريد من نوعه هكذا يعامل أغلب ذكور عائلات تلك البلدة يمنحوا كافة السلطات والحريات ويعتد بقوة برأيهم وإن كان على غير علم. رفع رأسه للأعلى في إباء بدت تعابيره مسترخية لا يشوبها ذرة ندم واحدة حتى على ظلمه غير المنصف لها ارتشف
ما تبقى في فنجان قهوته ثم سحب نفسا طويلا من سيجارته ليلفظ الهواء عاليا قبل أن يتجشأ بعدها بصوت مكتوم أسند فنجانه على حافة أريكته الخشبية والټفت نحو أبيه ليقول له ببرود متناه وهو يستند بمرفقه على ساقه المرفوعة للأعلى
أنا عملت الصح يا حاج واطمنت على شرفنا.
علق عليه اسماعيل بوجهه العابس
فيروزة مش زي أي حد يا ابني دي أمانة أبوها عندي.
أخفض ساقه في عصبية وتوحشت نظراته نحوه معترضا على ما اعتبره لين قلبه
وعمي الله يرحمه لو كان عايش كان بنفسه صمم يتأكد من شرف بنته بلاش قلبك الطيب ده يابا مع الحريم هيركبونا.
نظر له والده في أسف لكن فضل واصل القول بقساوة يتفاخر بها
اكسر للبت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين ولو خاېف على زعلها يابا هما يومين وهتنسى وكأن مافيش حاجة حصلت دي حاجة زي شكة الدبوس.
بامتعاض منزعج ردد خليل عاليا
ما كفاية كلام في السيرة دي خلونا نشوف هنعمل إيه في التقاوي اللي الأرض عايزاها.
استدار نحوه فضل ليرد
أنا عندي واحد هيجيبلنا اللي عايزينه بسعر معقول.
رد خليل في استحسان
كويس أوي.
أضاف عليه اسماعيل مشددا
اعمل حساب عمك فتحي معانا هو موصيني يا فضل.
هز رأسه معقبا
اللي إنت عاوزه يابا
تساءل خليل في فضول
وإنت مش مسافر تاني
أجابه نافيا
لأ يا عم خليل أنا نزلت نهائي ومش راجع تاني.
نظر له باستغراب وهو يسأله
ليه بس ده بيقولوا قرش برا حلو!
زفر مليا ليرد بعدها
بس الغربة بتاخد من الواحد وأنا عايز أفضل جمب أهلي وخصوصا بعد ما عملت قرشين حلو.
تشكلت بسمة طامعة على محياه وهو يبدي رضائه
هو ده الكلام الموزون ولو عوزت أي حاجة أنا موجود
هز رأسه بإيماءة ممتنة قبل أن يشكره
تسلم يا عم خليل.
.....................................................................
فرغت الغرفة إلا من والدتها الباكية حاولت تهوين الأمر على ابنتها مواساتها إن صح التعبير لكن ظلت الأخيرة صامتة مفصولة عمن حولها تخوض حربا خفية بينها وبين نفسها لا تدري كم انقضى عليها من الوقت وهي في تلك الحالة الساكنة! تضم ركبتيها إلى صدرها تتكور على نفسها وكأنها تبحث عن حماية مفقودة لن تحصل عليها أبدا شردت من جديد تعايش ما مرت به حيث أرادوا كسر كبريائها إحناء هامتها اغتيال روحها المتمردة وټدمير نفسيتها بتطفلهم غير الجائز على ما يخصها للتأكد من شائعات مغرضة نشروها ادعوا فيها أنها فتاة لعوب فرطت في شرفها وهي أبعد ما يكون عن هذا الاتهام الباطل. دمعة أخرى انضمت لشقيقاتها في صمت لتنساب على وجنتها مسحت بظهر كفها مظاهر ضعفها البائنة على وجهها الحزين أرادت فقط أن تجد من يصدقها بلا دليل يمنحها ثقته غير المرهونة بشروط ولكن ما رغبت فيه كان بالعسير عليهم. توقفت عن نحيبها الساكت ململمة شتات نفسها لم تكن لتسمح لزوجة خالها الشامتة الحاقدة بإظهار انتصارها عليها تذكرت بقوة تلك النظرات المغلولة المليئة بشرور النفس وهي تبرز من عينيها وكأنها تتشفى بها لو كانت النظرات ټقتل حقا لقټلها! 
اهتز جسدها بقوة حين لامستها والدتها تسألها بخذلان لازم شخصها الضعيف
إنتي كويسة يا بنتي
تطلعت لها بنظرات فارغة وكأن وهج الحياة قد انطفأ بها حتى أمها لم تكن لتسمح لها برؤيتها ذليلة قست عينا فيروزة نحوها وردت متسائلة
تفتكري إيه
نكست رأسها في أسف وهي تعتذر منها
حقك عليا أنا قلبي بيتقطع عشانك بس ڠصب عني مكونتش هاقدر أقف قصاد جبروتهم وخصوصا في الحكاية دي.
وضعت فيروزة يدها على ذقن والدتها رفعتها برفق إليها وحدقت في عينيها الكسيرتين بقوة غريبة لا تعرف من أين استدعتها أو
استجمعتها ثم قالت بصوت خبت منه لمحة الوهن
ارفعي راسك لفوق يا ماما بنتك شريفة وطاهرة ليه زعلانة
هتفت بقلب مټألم وعينان تبكيان
أنا زعلانة عليكي من كسرة نفسك قصادهم من آ....
انخفضت يدها عن لمس ذقنها وقاطعتها بصرامة وقد احتدت نظراتها
لا عاش ولا كان اللي يكسرني أو يذلني...
ثم