رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


لجأت إلى أسلوب الاستجداء وتسولت عواطفه بنحيب مكشوف
وبعدين أختك غلبانة وحالها يصعب على الكافر يرضيك اللي هي فيه
استنكر ما تطلبه منه وأصر على رفضه بعناد
لأ مش هاعمل كده وده اختيارها وأنا مش هاقول غير الحق
اختفت ملامح اللين من وجهها واربد بالڠضب وهي تعنفه
إنت جاي تتوب دلوقتي يا عين أمك ده إنت مكونتش بتعمل إلا الحړام طول حياتك!
ورغم لسانها السليط إلا أنه قال مبتسما ليستفزها وهو يقبل ظهر كفه وباطنه بفمه
والحمدلله يامه ربنا هداني جاية تبوظي ده تاني بدل ما تدعيلي بالثبات
قالت بوقاحة ونظراتها الحانقة مسلطة عليه
لأ أنا هادعي عليك طالما بتعصاني ومش عايز تسمع كلامي.
ردد مذهولا
إيه اللي أنا باسمعه ده في أم كده
عقبت عليه بثينة ببرود مستفز
أه ياخويا وبعدين يرضي مين ما تدافعش عن أختك
أجابها بصدق
عشان خاېف من ربنا.
ردت باستهجان وقح
وهو أنا قولتلك اكفر لا سمح الله دي كدبة بسيطة لا راحت ولا جت.
هز رأسه في استياء شديد وتعابيره تنطق بلسان حاله
حقيقي يامه مش عارف أقولك إيه.
وضعت يدها على كتفه تستحثه على الرضوخ لها
وافق يا هيثم عشان أرضى عنك ويتفتحلك أبواب الخير.
قال في سخرية
ده كده هتتقفل في وشي بالضبة والمفتاح.
لكزته بغلظة وصاحت فيه بتشنج وقد فاض بها الكيل من رفضه العنيد
قوم ياض غور من هنا
قلبي مش راضي عنك واعرف إن كل مصېبة هتجرالك بسبب إني مش مسمحاك.
نهض من جوارها وأضاف وهو يضرب كفه بالآخر
لا إله إلا الله! هو في كده
بصقت في وجهه كتعبير عن ازدرائها المستحقر له لكنه رد بنوع من الممازحة
ده لو الشيطان كان واقف مكاني هنا وسامعك وإنتي بتوسوسيله كان اعتزل الشغلانة من زمان وسبهالك.
مدت بثينة يدها لتمسك بالكوب البلاستيكي المليء بالماء قذفته به في وجهه فأغرقه وتناثر على كامل ثيابه قبل أن تطرده من الغرفة پغضب أكبر استبد بها
امشي من هنا!
غمغم في تهكم وهو يمسح الماء عن وجهه
يعني بأطرد من الجنة أنا طالع من غير قلة قيمة.
نعتته بسباب من خلفه لكنه لم يستدر أو يهتم بغيظها المتزايد فيها ومع هذا لم يعلم أن المسألة قد اتخذت بالفعل مسارها الخطېر.
..............................................
عاد إليها بعد برهة محملا بأكياس الطعام الشهي رغم فقدانها للشهية لكنه أصر وبشدة على حثها على تناوله وإن كان قدرا بسيطا ليمكنها من استعادة طاقتها المفقودة اعترضت بلطف واكتفت بالغوص في الأريكة الجلدية متنهدة بتنهيدات طويلة راقبها تميم باهتمام وقال بلهجة حازمة
مش هاينفع يا أبلة لازم تاكلي..
ثم قرب الأطباق الشهية منها بعد أن أفرغ ما تحتويه الأكياس على الطاولة المنخفضة الفاصلة بينهما وأضاف بنوع من المداعبة
ده حتى يعتبر عيش وملح بينا.
قالت في سخرية
المفروض عيش وحلاوة.
أكد لها بعينين لم تطرفا
إنتي مش هتطولي هنا.
لم تخفت ابتسامة تميم معها كان يبتسم بتلقائية رغم عدم إدراكه لهذا تطلعت إليه في استغراب وسألته
للدرجادي إنت مصدقني وواثق إني مش هاتسجن
كان أول حوار هادئ بينهما رغم تأزم الموقف وبمزيد من الجدية جاوبها
أيوه .. مع إنك كدبتي عليا في حاجة.
ضاقت عينيها في استرابة فأوضح لها سريعا حتى لا تدور في رأسها الهواجس
الحريقة.
أرجعت فيروزة ظهرها للخلف وقالت وهي ترفع رأسها للأعلى بتعب
إنت لسه فاكر ده موضوع واتقفل.
بقيت عيناه مثبتة عليها وقال بوجه شبه متقلص
عموما مش وقته مدي إيدك وكلي.. 
نظرت إليه مليا دون خجل وكأنها تحلل طبيعة شخصيته كان لطيفا للحد الذي أشعرها بالغرابة والخۏف معا الغرابة من عدم اعتيادها على تصديقه لما قالته هكذا دون تعقيد وبلا دليل قاطع على عدم زيف ادعائها والخۏف من انسياقها غير المتردد وراء مشاعرها الغامضة التي تستحثها وبقوة على الوثوق به.
وعلى الرغم من المواقف الخشنة والمليئة بالمشاحنات التي جمعت بينهما فيما مضى من صڤعة حرجة أمام العامة من إهانة وقحة في منزلها خلال خطبة توأمتها من صدام بالكلمات في المطعم إلا أنه كان وديعا معها على نحو غير مألوف وكأنهما على وفاق دائم ولم يحدث بينهما أي صدام في يوم من الأيام وهذا ما وترها نسبيا!
تميم الوحيد الذي لم يشكك في قولها أبدا صدقها منذ الوهلة الأولى لاتهامها ودون الحاجة لبرهان بين مقارنة واقعية سريعة انعقدت في رأسها بين أقاربها وبينه وكانت النتيجة في صالحه الغريب عنها بدا أحن بكثير عمن تربطهم بها صلة الډم.. انتعش عقلها بذكريات غير سارة خذلان والدتها عڼف خالها إهانات زوجته الحقودة قساوة عمها وۏحشية ابن عمها فاسټنزفت روحها بالتدريج وظل الوحيد الذي طعنته علنا وانتقصت من رجولته أمام العامة هو الدرع الواقي لها بعد فراق والدها المؤلم برحيله شعرت بخواء الحياة وتناقص متعتها حتى بدا الشقاء ملازما لها.
ورغما عنها تسلل إلى عقلها المتكدر ذكرى أخرى تخشاها سرحت فيها بكامل حواسها جسد غريب المشتعل تجسد المشهد من جديد أمامها وكأنه يعرض في شاشة سينمائية ضخمة تحتل الفراغ بأكمله أمامها
حملقت بعينين غائرتين تدوران في دوائر من التيه والتخبط ومتسائلة بقلب مټألم ېنزف في صمت 
لماذا لم تفن روحها في الحريق لو حدث حقا هذا لكانت أراحت الجميع من همها واستراحت من الأعباء القاسېة التي مزقتها في معترك الحياة تزايد إحساسها باليأس وامتزج مع إحباطها الشديد وبدأ ينعكس ذلك ظاهريا عليها حيث أحست بالهواء ينسحب من رئتيها يصعب استعادته بأن صدرها قد بات ثقيلا وقلبها ېصرخ في ألم أدركت فيروزة في تلك اللحظة أنها أصبحت على وشك الدخول في إحدى نوباتها المهلكة وتلك المرة أرادت بشدة أن يكون المۏت رحيما بها وتتمكن من التخلص من حياتها خلال معاناتها ....... !!
الفصل التاسع والخمسون
حول مائدة مستديرة اجتمعت القيادات الأمنية برتبها المختلفة لمناقشة تطورات قضايا التهريب وما يحدث خلالها من تجاوزات تضر المجتمع والمواطنين. رن هاتف وجدي فأوصده على الفور معتذرا عن ضجيجه الذي أزعج الحاضرين وضعه على وضعية الصامت وحرص على تدوين الملحوظات الهامة من قبل رؤسائه المخضرمين للاستعانة بها في تحرياته الدقيقة خاصة بعد انتقاله لمكتب مكافحة المخډرات وما يتطلبه ذلك من يقظة وفطنة شديدة لاكتشاف أساليب المهربين الملتوية لإدخال تلك المواد المخدرة عبر حدود البلاد أو الموانئ المختلفة. 
انفض الاجتماع وخرج منه ليجد عدة مكالمات فائتة من صديقه ماهر أيقن وجود خطب ما فهاتفه على الفور ليأتيه صوته الجاد متسائلا
إنت فين يا باشا
أوضح له بتريث ونبرته يشوبها زفير مرهق
كان عندي اجتماع مهم مع سيادة اللواء والقيادات في مديرية الأمن.
علق في تفهم
عشان كده مردتش عليا.
قال مقتضبا
أيوه ..
سأله ماهر كتمهيد في الحديث
والدنيا تمام معاك!
منحه ردا حياديا حين أجاب
يعني أهوو.. بس إنت عارف شغل المكافحة لازم تحريات دقيقة عن أي بلاغ يجيلنا واحنا اليومين دول شغالين على حاجات من دي.
تنحنح وهو يكمل بنبرة شبه حرجة
الله يعينك معلش يا باشا هاطلب منك خدمة على السريع إنت عارف أنا في أجازة ومش هاينفع أنزل دلوقتي وآ...
قاطعه معترضا على خجله منه
أؤمر يا ماهر .. ومن غير ما تبرر يا باشا.
شكره مجاملا
تسلملي يا غالي..
ثم دخل في صلب الموضوع متسائلا
فاكر البنت اللي جيت أتوسطلها قبل كده في القسم عندك وقت ما كنت شغال هناك
فرك جبينه وكأنه ينشط بذلك ذاكرته قبل أن يرد
مش واخد بالي أوي.
أعطاه إضافة أخرى ليتذكرها بقوله
صاحبة علا كان اسمها فيروزة.
على الفور تذكر مشاجرتها المميزة خلال خدمته في ذلك القسم وقال ببسمة جانبية صغيرة
افتكرتها مش دي بتاعة خناقة عربية الأكل اللي كانت على الكورنيش
أكد عليه صحة جوابه قائلا
أيوه هي دي.
سأله وجدي في سخرية
مالها اتخانقت مع مين تاني
أجابه بحيرة لم يخفها عنه
هي مش خناقة حاجة تانية أهم بس معنديش تفاصيل أوي عنها.
أومأ رفيقه برأسه وقال
خلاص أنا هاطلع على القسم دلوقتي أنا عارف محمود بيه هتواصل معاه وأعرفلك الليلة فيها إيه وأكلمك بعدها.
هتف في امتنان أكبر
حبيبي مش هنسالك الخدمة دي.
ابتسم معقبا عليه
احنا في الخدمة معاليك النهاردة عندي بكرة عندك وكده.
ضحك ماهر معلقا على كلماته الأخير
بالظبط يا باشا يالا مش هاعطلك بقى وهستنى مكالمتك.
بإذن الله .. سلام.
قالها وجدي وهو يختم اتصاله معه قبل أن يبحث في هاتفه عن رقم الضابط محمود ليطلبه وهو يتابع سيره خارج المبني الأمني حيث تتواجد سيارته.
الجلوس معها بمفردهما كان يعد حلما مستبعدا غير قابل للتحقيق على أرض الواقع مطلقا خاصة بعد معرفته بمسألة خطبتها بذاك البغيض الذي فهمه بمجرد التطلع إليه ولكن لقائه بها حدث وإن كانت الظروف غير مناسبة فماذا عن مشاركتها لقيمات معدودة من الطعام شعور لا يوصف بالسعادة العارمة تخلل تحت جلده تسبب له في تأثيرات حسية ظاهرية عليه جعلته في حالة من الانتشاء والطرب حتى دقات قلبه خفقت بقوة من حماسه المتلهف كقرع عڼيف على طبول أفريقية في احتفال قبائلي عظيم وياله من إحساس رهيب يخوضه الآن! لم يعشه من قبل أبدا ورغب بشدة ألا ينتهي شعوره به. اختلس تميم النظرات الحذرة نحوها كان مفتونا بابتسامتها الهادئة وإن كان يشوبها الحزن ورغم هذا كانت تمنحها جمالا ناعما غير متكلف وحين لجأت فيروزة للصمت تولى زمام الحوار عنها وأخبرها بهدوء ليواصل سلاسة حديثهما
متقلقيش على الحاجة والدتك أنا وصلتها البيت...
تنحنح بخفوت
وتابع بحرج طفيف
يعني ما يصحش ست محترمة زيها تفضل هنا وتتبهدل من الأعدة في المكان ده فاطمني عليها..
كان حذرا في اختيار كلماته حتى لا يتسبب في إزعاجها بدا مترددا بعض الشيء وهو يكمل
وأنا وعدتها هفضل معاكي..
رفع عينيه نحوها ليراقب ردة فعلها كانت محدقة به بغرابة فأبعد نظراته معتقدا أنها أساءت فهمه وبادر بالتوضيح بلجلجة خفيفة
قصدي يعني إني موجود لحد ما تطلعي من هنا كل حاجة هتتحل .. مش عايزك تشيلي هم يا أبلة.
لم يجرؤ على النظر إليها خشية أن يرى علامات الضيق في عينيها بعد أن كانت مليئة بشيء مختلف ظل مطرقا لرأسه وهو يختم حديثه معها في ذلك الموضوع الشائك
هو الغلط من عندنا احنا .. وبنت خالتي مكانش ينفع تعمل كده..
بلع ريقه واعتذر موجزا
فحقك عليا.
انتظر أن يأتيه الرد منها ولو كان على سبيل المجاملة لكنها بقيت صامتة رفع رأسه نحوها وتطلع إليها بنظرات حذرة لم تكن تنظر ناحيته بل كانت محدقة أمامها في الفراغ وذلك الوجوم المريب يغطي وجهها ناداها باهتمام قلق 
يا أبلة!
لم تعقب عليه وبقيت جامدة في مكانها لم تهتز لها عضلة أو يتحرك لديها طرف من أطرافها تحفز في جلسته وضاقت عيناه بشك ثم سألها بتوجس ظاهر في صوته
مالك إنتي كويسة في حاجة تعباكي
نهض من مكانه ليتأملها عن كثب وكانت المفاجأة التي انخلع فيها قلبه رؤيتها على نفس الحالة االمرضية التي عايشتها من قبل مع فارق تأثيرها الأقوى أزاح بيديه الطاولة التي تعوقه عن الوصول إليها ثم وضع ركبته