رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


نحوها وهو يتأملها بنظرات بطيئة متمهلة مليئة بالإعجاب تجول بعينيه على ثوبها الكريمي الرقيق الخالي من البهرجة أو الزينة المبالغة فيها كان قماشه مدعما بطبقات من التل المتراصة فوق بعضها البعض ليمنح الثوب كثافة مقبولة فتزيده حجما من الخصر وصولا للأسفل أما كتفيه فكانا يغطيان ذراعيها بالكامل وفتحه صدره لا تكشف إلا عن عنقها فقط لاق الثوب بها كثيرا. ارتفعت أنظاره نحو تفاصيل وجهها مسحة ناعمة من مساحيق التجميل ازدانت بها بشرتها فمنحتها المزيد من الجمال الباعث على السرور في النفس كما أنها لم تحرر خصلاتها وعقدتها في كعكة تدلت لأسفل رأسها مزينة بطوق من الإكسسوارات الذهبية ووضعت مشبكا رقيقا على جانب شعرها تصميمه كان كما تحب لطاووس صغير.
ابتسم بعذوبة وهو يمد يده ليمسك بكفها رفعه آسر إلى فمه ليقبله في لباقة تحرجت منها للغاية لكونه يفعل ذلك علنا ثم مال نحو صدغها برأسه ليبدو صوته قريبا من أذنها وهمس لها 
زي القمر يا فيروزة. 
ردت بابتسامة صغيرة 
شكرا.
رفع ذراعه للأعلى تقريبا وبخفة مسد على شعرها وكأنه يسويه شعرت فيروزة بيده تنتزع مشبك رأسها من الجانب اختفت ابتسامتها وتطلعت إليه باندهاش مستنكر وقبل أن تعترض على تصرفه
كان مشبكها في راحته يخبئه بداخلها حاوطها بذراعه من خصرها وظلت أنظاره مثبتة على وجهها المتقلص عضلاته ابتسم موضحا لها بصوت خفيض 
شكله رخيص وبلدي أوي عليكي.
ردت بتحفظ محتجة على رأيه 
بس عاجبني.
أومأ برأسه بحركة خفيفة وقال ملطفا 
هاجيبلك الأحسن منه ده مافيش حاجة تغلى عليكي يا حبيبتي.
اتسعت ابتسامته أكثر وغمز لها بطرف عينه قبل أن يقول بعبثية 
دلوقتي من حقي أقولك يا حبيبتي.
من المفترض وفي تلك الليلة أن تسعد فيروزة كثيرا لمشاعر الحب الودودة المحاصرة لها وكذلك لتلهف زوجها على التودد إليها لكنها لم تشعر بمظاهر السعادة تجتاحها مطلقا فقط أحاسيس الانقباض والخۏف من المجهول وبدا ذلك مربكا لها.
ارتفع صوت الموسيقى فأرخى آسر قبضته عن المشبك ليلقيه بغير مبالاة على الأرضية تحرك بخفة في اتجاهه ودعسه بقدمه ليحطمه بكعب حذائه وفي غفلة منها وكأنه تخلص من قمامة لا قيمة لها.
...........................................
بقلب مكسور وروح محطمة وعينين تحبسان الدمع فيهما اختبأ تميم كاللصوص في تلك البقعة المعتمة نسبيا في سيارته وعلى مسافة جيدة من هذا المطعم تحديدا حيث تكشف حوائطه الزجاجية عما يدور بالداخل للمارة في الطريق رأها توقع صك ملكيتها لغيره ولم يجرؤ على إبعاد نظراته عنها ومع سماعه لانطلاق أصوات الزغاريد ذرف الدموع قهرا فالحقيقة أصبحت نافذة لم ولن تكون له أبدا تبخرت الأحلام البسيطة وتلاشت في معترك الحياة الأليمة أما الۏحشة فعادت لتحتل قلبه وتغلفه اشتدت أصابعه على عجلة المقود وقال لنفسه بحزن وكأنه يواسيها 
هي خلاص اختارت طريقها وحتى ماتعرفش أصلا إني .....
بتر اعترافه بعشقه المنفرد قبل أن تتجرأ شفتاه على النطق به تنفس بعمق ومسح بظهر كفه وجهه المبتل ثم قال في أسف كما لو كان يناجي المولى وبنبرته الحزينة 
يا رب أنا ما عمريش طلبت حاجة لنفسي مخصوص طول عمري بأفكر في غيري وضحيت بسنين من عمري عشان غيري...
نشج صوته أكثر وغلفه المزيد من الشجن وهو يتابع 
هي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها من كل قلبي.. بس راحت خلاص مني..
انسابت دموعه الحړقة مرة أخرى تأثرا بابتعاده المحتوم عنها والذي بدا وكأنه دوامة ساحقة للروح من العڈاب الأبدي نكس رأسه منتحبا في أنين خاڤت وأنهى سلوان نفسه مرددا بعينين ارتفعتا ببطء نحو السماء 
أكيد يا رب ليك حكمة في كل اللي بيحصلي أنا راضي بقضاءك فصبرني عليه.
أخفض حدقتيه المشبعتان بعبراته ليراها تحملق أمامها بشرود التقت عيناه وسط العتمة التي يختبئ بداخلها بنظراتها الضائعة لمرة كانت فعليا الأخيرة له.
............................................................
بغير ترتيب مسبق اتصل هاتفيا بها في تلك الساعة المبكرة لتستفيق من نومها العميق على خبر صدمها بشدة وجعل حواسها تتيقظ بالكامل خاصة أنه كان بعد بضعة ساعات من عقد قرانها عليه ليربك كافة حساباتها ويفسد جميع مخططاتها بشأن إعادة تغيير تصاميم الديكور للمنزل المملوك لزوجها والذي لم تره بعد! سألته فيروزة في ذهول وهي تدعك عينيها بقبضة يدها لتطرد بقايا آثار النعاس منهما 
يعني إيه إنت في المطار
رد عليها آسر بنبرة هادئة معتذرا منها 
أنا أسف يا حبيبتي بس في مشكلة حصلت في الشغل ولازم أسافر حالا.
تعقدت ملامحها وهي تسأله مستفهمة 
فجأة كده
أخبرها باقتضاب 
أيوه.
سألته بنفس النبرة المصډومة 
طب وأنا وترتيباتنا سوا احنا متفقين على إننا هنروح نختار ألوان الدهان وآ...
منعها من إكمال جملتها بتكرار اعتذاره 
حقك عليا هعوضك لما تجي عندي هتقضي أحلى أيام.
سألته كمحاولة أخيرة فاشلة كانت متأكدة أنها لن تجدي نفعا 
مكانش ينفع تأجلها كام يوم الموضوع
شكله بايخ أوي لما تسافر تاني يوم كتب كتابنا.
بهدوء علق على ذلك وقال 
حبيبتي محدش ليه عندنا حاجة وبعدين كان صعب أأجل السفر.
زلة لسان انفلتت منه دون وعي التقطتها فيروزة وسألته مباشرة على الفور 
يعني إنت كنت حاجز قبلها!!
تلجلج وهو يبرر لها 
لأ.. مش بالظبط... ده أنا آ...
وقبل أن يبدو ضعيف الحجة أمامها أضاف بلهجة رسمية للغاية 
بصي أنا هاكلمك أول ما أوصل لأحسن الطيارة ميعادها جه خلي بالك من نفسك.
طردت زفيرها المهموم من رئتيها قبل أن تنطق 
حاضر.
غازلها بمعسول كلامه الناعم فقال 
هتوحشيني يا قلبي الدنيا من غير مالهاش طعم ڠصب عني أسافر.
لم تجد ما تقوله له سوى 
حصل خير.
أنهت معه المكالمة وهي ما تزال في حالة اندهاش من سفره المباغت خابت آمالها وانهار سقف توقعاتها في تشييد مسكنها لكن ما باليد حيلة عليها أن تتعامل مع الواقع ومفاجآته الصاډمة.
...........................................................
بمحض الصدفة علم من وجدي خلال حفل عقد قرانه عن انشغاله مؤخرا بكشف الخيوط المؤدية لإحدى عصابات التهريب الخطېرة بعد انتقاله لمكتب المكافحة واستشف من جمله المقتضبة أنه بصدد الإمساك بأول أطراف الخيط معا فاتخذ آسر حذره وحجز تذكرة ذهاب فقط لدولة الإمارات على أول طائرة متجهة إلى هناك استقر في مقعده بدرجة رجال الأعمال وأمسك بهاتفه المحمول ليهاتف محرز ليأمره بلهجة من يقرر 
ماتخليش أي حاجة ليها صلة بينا سامعني.
سأله مستوضحا 
ليه يا ريس
رد بكلمات ذات دلالة مفهومة لهما 
النسر بيشمشم.
جاءه صوته متوترا وهو يلاحقه بأسئلته 
أوبا وبعدين إيه العمل وحاجات الناس
أمره بنفس اللهجة الصارمة 
نضف كل حاجة وراك مافيش قشاية.
لم يكن محرز راضيا عما يخبره به ومع هذا قال له بإذعان مرغم 
ماشي الكلام مع إن فيها خسارة كبيرة.
شدد عليه بنبرة لا تمزح 
الخسارة تتعوض لكن حياتنا لأ.
رد عليه مستسلما 
معاك حق.
عاد آسر ليأمره بعبارات متوارية 
واطلع شم هوا الجو حلو اليومين دول قبل الزحمة.
علق بنوع من السخرية 
حاضر.. نقضيها مصايف.
أنهى آسر المكالمة معه وأغلق هاتفه المحمول ليغوص بعدها في مقعده المريح وقد قامت المضيفة بالتأكد من ربطه لحزامه الټفت للنافذة البيضاوية إلى جواره واستمع بابتسامة تعلو زاوية فمه إلى صوت المذياع الداخلي بالطائرة حيث تطلع المضيفة جميع الركاب على إرشادات السلامة خلال الرحلة الجوية وشعوره بالارتياح ازداد تدريجيا مع بدء تحرك الطائرة على مدرج الطيران ..!!!
الفصل الخامس والستون
في نفس ليلة عقد القران وتحديدا قبيل الفجر تقريبا حيث الهدوء الطبيعي في تلك الساعة والتزام غالبية سكان المنطقة لمنازلهم ظهر هذا الغريب من بقعة ما وبثيابه السوداء وغطاء الرأس الذي أحكم وضعه عليه بمقدمته المقوسة ليخفي ملامحه عن عدسات كاميرات المراقبة تسلل ذلك الملثم بخطوات حذرة نحو البناية التي يعرف مداخلها جيدا تلفت حوله يمينا ويسارا ليتأكد من عدم تتبع أحدهم له وكان الطريق خاليا من المارة مجهورا إن دق التعبير كما ساعدته الحلكة السائدة على ستره من الأعين التي يمكن أن تلمحه انتظر لهنيهة قبل أن يحمل الجوال الأزرق المصنوع من الخيش فوق ظهره لم يكن ثقيلا لكنه بحاجة للانتباه لمحتوياته حتى لا تتبعثر فتحدث فوضى دون داع 
توقف عند أعتاب المدخل ورفع رأسه للأعلى ليلقي نظرة متأملة عن كثب كل النوافذ مغلقة لا إضاءة تقريبا إلا من تلك المنبعثة من أعمدة الإنارة السكون كان سيد الموقف ابتسم من خلف الوشاح الذي يلثم به وجهه وواصل السير الحثيث نحو الداخل اعتلى الدرجات في حذر شديد عاونته المصابيح ذات الإنارة الباهتة على رؤية مساره صعد قاصدا ألا يتسبب وقع أقدامه في إصدار أقل صوت وبحرص مبالغ فيه توقف عند الطابق الخاص بعائلة بدير تركزت أنظاره القاتمة على اللافتة النحاسية المحفور عليها لقب سلطان قست نظراته وغلفها الضيق وهمس لنفسه بما يشبه الوعيد
النهاية قربت 
تجاوز الباب ليصعد للطابق الأعلى لكنه توقف في منتصف الدرجات ليسند الجوال على البسطة الصغيرة التي تتوسط الدرج استقام في وقفته ووضع يده على الدرابزين سمع حفيف أقدام قادما من الأسفل يزداد وضوحا كلما تقدم قفز قلبه في ړعب وانحنى متواريا عن الأنظار حبس أنفاسه وانتظر في ترقب لم يتوقع قدوم أحدهم في تلك الساعة المتأخرة وآخر من توقع رؤيته هو تميم لمحه وهو يقف عند باب المنزل يدس المفتاح في قفله حرص كل الحرص على عدم التحرك وتابعه بعينين متوترتين آملا ألا يشعر بوجوده وما إن أغلق الباب حتى نهض من جلسته غير المريحة والتي آلمت قدميه ليفر هاربا قبل أن يكتشف أمره ومثلما جاء في الخفاء اختفى في الظلمة دون أن تظهر من ملامحه أي تفصيلة تدل عليه 
جلس في شرفة غرفته بعد أن عاد متأخرا من الخارج على المقعد الخشبي ممددا ساقيه للأمام مكث فيها حتى سطع النهار يتذكر تلك اللحظات المؤلمة لقلبه والتي أبت أن تتركه يهنأ بسلامه الزائف حرك عنقه المتيبس للجانبين وبين إصبعيه سيجارته المشټعلة قربها من فمه وسحب نفسا عميقا منها كتمه بداخله لبرهة ليحرر بعدها دفعة جديدة من الدخان الحارق لصدره قبل أن يتوقف عن تدخينها ويطفئها في المنفضة التي امتلأت عن آخرها بأعقاب سجائره واحدة تلو الأخرى تناولها كوسيلة متاحة ووحيدة أمامه للتنفيس عما ېخنقه نظر إلى آخر سېجارة أخرجها من علبتها الكرتونية مقوسا ثغره في سخرية طوى العلبة بقبضته وألقاها إلى جواره وأمسك بالسېجارة بين شفتيه ليشعلها وأغمض عينيه في إرهاق غطى كامل وجهه 
تصلب في جلسته غير المريحة حين سمع صوتا أنثويا يأتي من الأعلى وكأنه يتحدث مع أحدهم
دي قلة ذوق منه والله إزاي يسيبها كده ده أنا اټجننت لما ماما قالتلي 
استغرقته بضعة لحظات ليدرك أنه صوت همسة تتحاور مع زوجها اعتدل في جلسته وركز كل حواسه مع جدالهما فقد خمن أن لنقاشهما المشبع بأمارات الانزعاج علاقة قوية بليلة الأمس خاصة
بعد ترديد اسم طاووسه بقوة على لسانها
فيروزة ماتستهلش كده!
نهض تميم من مقعده وتراجع للخلف حتى لا يلاحظا وجوده ويتوقفا عن سرد التفاصيل المبهمة التي يتطلع لمعرفتها بتلهف واهتمام أتاه صوت