رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


تستطيع قوله حتى بينها وبين نفسها شبهت حالتها المضطربة بالفأر المذعور الذي وضع في متاهة لا خروج منها تدور في نفس الدوائر المغلقة من معاناتها الصامتة حتى تخور قواها على أمل أن ينتهي ذلك العڈاب ومع ذلك تمنت في نفسها أن يظل الماضي حبيس أعماقها فقط لا يعاني سواها من تبعاته المدمرة التفتت كالملسوعة برأسها للجانب حين سمعت صوت تميم الرخيم يسألها
يا أبلة! إنتي كويسة
تفاجأت فيروزة بوجوده خارج المنزل على الدرج تحديدا في مواجهتها تحاشت النظر إليه وأجابته بصوت فشلت أن يكون ثابتا
آ.. أيوه.
صعد إليها ليبدو قريبا منها معترضا طريقها بجسده فلا تتمكن من المرور إلا بدفعه ورغم هذا لم تكن بالجسورة التي تناطحه الند بالند كانت مختلفة كليا تعبيراتها واجمة شاردة ربما متعبة إن صح التعبير مرتاعة قليلا .. تعجب من نظراتها المتوترة التي تتجنبه لم تكن أبدا بالنافرة منه إن تم مقارنتها بالمعتاد منها بدت وكأنها تخشاه تحاول المناص منه بكافة السبل كذلك لاحظ تلك الربكة الخفيفة في طريقة إمساكها بالدرابزين وضغطها عليه بأصابعها بعصبية طفيفة وزاد هذا من فضوله سلط كامل عيناه عليها مستطردا 
هو كان في حاجة عاوز أسأل عنها وآ...
قطعت جملته قبل أن يتمها لتقول متهربة منه عن عمد
معلش.. ورايا شغل عن إذنك.
حتى أنها لم تنظر إليه ليتحرك بل تنحى للجانب من تلقاء نفسه ونظراته تصاحبها خلال ابتعادها المريب تخبط كل ما يدور في رأسه حاليا بشأنها لكن رحيلها بتلك الصورة ترك أثرا عميقا في نفسه انتبه تميم لصوت والدته التي خرجت من منزلها لترفع رأسها نحوه تسأله
خلصتوا يا تميم
ابتسم وهو يجيبها ليخفي حيرته
فاضل حاجة بسيطة.
ردت في تفهم
ربنا يعينكم ولو الجماعة فوق عايزين حاجة قولي أنا جاهزة أطلع أساعدهم.
قال بفتور
كله تمام يامه.
للحظة طرأ بباله أن يتحرى عما يشغله ممن عاصروه لذا بادر متسائلا باهتمام
بأقولك هو جدي صاحي
أجابت والدته بكلمة واحدة
أيوه.
هبط الدرجات متابعا بعزم
طيب أنا داخله.
رحبت به أمه قائلة بوجهها البشوش
تعالى يا ابني إنت بتستأذن في بيتك
خير يا تميم جيتك السعادي مش لله ولا أنا غلطان
تساءل سلطان بتلك العبارة بعد أن استأذن حفيده في المكوث معه لبعض الوقت دون أن يبدي أسبابا واضحة لذلك خاصة في هذا التوقيت المتأخر غير الاعتيادي ولكون جده على دراية بما ينتابه من حالات تخبط يلجأ فيها إليه استهل تميم حديثه معه قائلا بأريحية
إنت صح يا جدي أصل في حاجة
كده شاغلة بالي وكنت عاوز أتأكد منها منك.
رد عليه بنبرته الخشنة
قول عاوز تعرف إيه.
دون مراوغة أو مماطلة سأله على الفور
هو في حريقة حصلت زمان غير بتاعة محل عم غريب
شرد مليا للحظة ليفكر في الجواب المناسب قبل أن يدمدم موضحا له
على حسب علمي مافيش إلا هي.
ضاقت حدقتاه بشدة وهو يلاحقه بسؤاله التالي
ماتفتكرش حصل إيه بالظبط
استراح في رقدته على الفراش بعد أن وضع الوسادة خلف ظهره ليقول بعدها بتنهيدة بطيئة
عمك غريب الله يرحمه كان طماع عاوز يتغنى بسرعة معندوش صبر على حاجة وخالتك زي ما إنت شايف ماتوصتش مش تقوله بلاش ولا كفاية لأ كانت بتشجعه يعمل أي حاجة إن شاءالله بالغش المهم يبقى معاه فلوس كتير.
تحدث من زاوية فمه قائلا
ما كل ده أنا عارفه.
تطلع سلطان إليه في حيرة وسأله
أومال بتسأل عن إيه
تشجع ليبوح له بما يدور في رأسه من أمور تشغله بشأنها
يوم الحاډثة يا جدي كان معايا بت صغيرة مظبوط
ظهرت علامات التفكير العميق على وجهه وهو يرد
تقريبا كانوا لاقوها جمبك ماسكة فيك.
تضاعفت خفقات قلبه القلقة وهو يسأله بنبرة بدت إلى حد ما متلهفة
وكانت عايشة ولا مېتة
أجاب منهيا حيرته
إنتو الاتنين بس اللي ربنا نجاكم من الحريقة.
أخرج تميم نفسا عميقا من صدره أزاح به كل التوترات التي أرهقته ثم عاد ليسأل باهتمام وقد أضاءت عيناه بوهج غريب
ماتعرفش هي مين
هز رأسه نافيا
مش فاكرها يا ابني .. السن بقى وأحكامه ودي حاجة عدت عليها سنين.
تقدم تميم نحو جده ليحني رأسه عليه قبله من جبينه وهو يدعو له بتضرع
ربنا يديك طولة العمر يا جدي.
ربت الأخير على كتفه بود قبل أن يكمل مستفيضا بتلقائية
بس على ما أظن أبوها كان راجل في حاله طيب مش بتاع مشاكل كان شغال صياد مراكبي حاجة زي كده واسأل أبوك هو فاكر عني...
اكتفى حفيده بالابتسام لكن تفرس سلطان في ملامحه وهو يسأله بدهشة مبررة
بس إنت إيه اللي فكرك بالحكاية دي دلوقتي
تعلل كاذيا ليخفي ما لا يريد الإفصاح عنه له
يعني كنت بأدردش أنا وهيثم وافتكرنا حكاية مۏت أبوه.
بدت إجابته مقنعة فلم يشك بأمره وقال 
ربنا يرحمه ويحسن ختامنا جميعا.
يا رب.
أضاف سلطان بنبرة عادية
الواد ده نبتته كويسة بس مالوش كبير يحاسبه ده غير أمه كتلة شړ.
ابتسم لصراحته مؤيدا إياه
صدقت يا جدي.
عمق سلطان من نظراته نحوه وهو يقول
وبنتها عاملة إيه معاك كويسة ولا شبه أمها
أجاب بعبوس كسا وجهه
يعني .. ربنا يهديها.
رد عليه في سخرية
هما كل الحريم كده مافيش من وراهم راحة.
وكأنه أظهر المزيد من انزعاجه على تعابيره عندما قال بزفير طويل
على رأيك يا جدي.
مازحه الأول مبتسما ليبدد الۏحشة التي ملأت محياه
ولسه لما تخلف كمان هاتشوف العجب منهم هتطفش يا واد يا تميم وتيجي عندي..
ضحك على طرفته فأكمل سلطان بنوع من التمني
ربنا يمد في عمري وأشوف عيالك.
رد عليه برجاء كبير
إن شاء الله يا جدي ويتربوا تحت طوعك
صدرت إيماءة خفيفة من رأسه حين قال معقبا
يا رب.
انزوى بالشرفة جالسا في كرسيه الخشبي كان عقله مشحونا ومشغولا بالكثير من ناحية رغبته في معرفة هوية الطفلة الصغيرة التي تواجدت معه خلال الحريق المروع وهواجسه نحو واحدة بعينها ومن الناحية الأخرى شكوكه في زوجته كيف يخبر الأخيرة ببساطة أن كذبتها التي برعت في إحكامها عليه قد انكشفت خدعته لتخفي أمرا لئيما حاكته من ورائه إن كان الدواء المنشط لا يخص أخيها فإذا هو لمن إجابة السؤال كانت واضحة كالشمس في كبد السماء بالطبع ليس لها! في البداية تحير كثيرا ورفض تصديق
الأمر إلى أن تجلت الحقائق في عقله كمشاهد متعاقبة ترشده إلى نهاية لا مناص منها كان هو المغفل الذي يتجرعه ليلة بعد أخرى.. ظل السؤال الذي يراوده كيف يتم الأمر ومن أين واتتها الجراءة لتفعل ذلك به لكن عاد عقله لينذره بهاجس مريب لم يستسغه ألا يتسرع في إصدار الحكم عليها لمجرد إنكار هيثم لذلك أليس من المحتمل أن يكون هو الطرف الكاذب ربما أراد تحسين صورته أمامه وهو مقبل على الزواج انتشلته من حيرته المتعبة على صوتها المتدلل
مش هتاكل يا تميم
نظر لها مليا بنظرات غريبة مطولة مليئة بالشك وكأنه يريد النفاذ إلى داخل رأسها الداهية ليكشف عن خباياه تعجبت خلود من تحديقه المطول بها وأعادت تكرار السؤال عليه ليرد بوجوم
لأ.. ماليش نفس.
دققت النظر في ملامحه المكفهرة وهي تتساءل
هو إنت كلت برا
أجاب باقتضاب
لأ..
ألحت عليه بشدة
أومال إيه ده أنا محضرالك الأكل اللي بتحبه يالا عشان تاكل ونقعد سوا تحكيلي عملت إيه.
استاء من ضغطها المستمر عليه خاصة وهو مهموم بشأن كذبتها لذا صاح بها بعصبية
مش عاوز يا خلود.
استغربت من صياحه المنفعل وقالت بتبرم
براحتك.
لم يعلق عليها وظل يرمقها بتلك النظرات الغامضة التي لم تسترح لها جلست خلود على الكرسي المقابل له تسأله بفضول وكأنها تشك في أمر ما
هيثم كان قال لأمي إنك كنت معاه لما نقلتوا حاجته النهاردة.
انحنى للأمام ليطفئ سېجارة أخرى وهو يرد موجزا في الحديث
أيوه.
برقت نظراتها حين سألته في خبث
على كده خطيبته وأمها كانوا هناك
قال بهدوء
أيوه
احتدت نظراتها حين انتقلت للسؤال التالي
والبت فيروزة
تحفز في جلسته وبادلها بنظرة شبه مزعوجة وهو يرد
مالها
أجابت متسائلة وقد بدت متأهبة لسماع رده
كانت معاهم
لم يمنحها ما تريد وراوغها بالقول
بتسألي ليه
حاولت الابتسام وهي ترد
عادي يعني عاوزة أعرف.
وكأنه يعيد اكتشاف طباع زوجته الحقيقة لأول مرة دون زيف أو تجميل لم تكن نظراتها مريحة ولم تكن تعبيراتها مسترخية قناع الغيرة الذي ترتديه لم يستلذه مطلقا نفخ في الهواء قبل أن يجيبها بسأم واضح عليه 
أكيد.. طالما أختها هناك هتبقى معاهم.
ركزت عينيها عليه عندما سألته مباشرة
وإنت شوفتها أعدت معاها
ضاقت نظراته هاتفا في استنكار
خلود هو ده تحقيق وأنا مش عارف
تصنعت الضحك وهي تبرر أسئلتها المتعاقبة
لا يا حبيبي أنا بس بأدردش معاك وبعدين مافيهاش حاجة لما أطمن على جوزي حبيبي.
هب واقفا قبل أن ينطق بتزمت
وأنا مش شايف أي دردشة ولو عاوزة تعرفي حاجة كلميني دوغري بلاش شغل التلت ورقات ده.
نهضت هي الأخرى لتقول بتأفف
أصل أنا مابستريحش للبت دي سهونة كده وخبث الدنيا فيها وجواها إسود كده ربنا يحفظنا من اللي زيها.
وكأنها تحرضه على وغر مشاعره ضدها أكثر نظرة استحقار استطاعت أن تراها في عينيه وهو يحدق بها ليعقب بعدها
أنا رايح أنام تصبحي على خير.
لاحقته بنظراتها الفضولية المتعجبة قبل أن تسأل نفسها في حيرة
هو ماله ده !!!!!
الفصل الرابع والأربعون
بدافع من الحب الغريزي نحو شقيقتها قررت إبقاء الأمر طي الكتمان حرصا على سعادتها البادية عليها وحتى لا يقال أنها أفسدت عليها فرحتها قبل اكتمالها خاصة في مثل هذا التوقيت الحرج .. دفنت ما عرفته ضمن صفحات الماضي لا داعي لإثارة الجدل بعد ما اكتشفته مصادفة لتكن وحدها من يحمل السر إلى القپر .. تلقت أيضا توبيخا تستحقه لهروبها خلسة قبل أن تراها والدتها وتطمئن عليها وكأنها ارتكبت ما تخجل منه لم تلق بالا لحدة أمها معها أرادت فقط تخطي تلك الليلة بما احتوته من ذكريات مؤلمة. طوقت همسة توأمتها بذراعيها من كتفيها لټحتضنها وهي تتنهد قائلة
مش عاوزاكي تزعلي يا فيرو والله ماما بتحبك وأنا حاولت أفهمها إنك بقيتي كويسة.
ردت بتفهم قبل أن تحرر من حضنها الدافئ
عادي يا هموسة ماتحطيش في بالك.
أمعنت الأخيرة النظر في تعبيراتها الساكنة متابعة تبريرها لشدة والدتها معها
هي مكانتش حابة إنك تبقي لوحدك بعد اللي حصل طبيعي تخاف عليكي وتقلق.
كانت فيروزة متفهمة لأبعد الحدود بل بدت مسترخية أكثر من اللازم بما يدعو للشك استلقت على الفراش وعلقت
الموضوع مش مستاهل.
طيب.
عادت فيروزة لتسألها لمرة أخيرة
قوليلي إنتي فعلا بتحبي هيثم ده يعني واثقة إنه هيسعدك يستاهل حبك ليه
لاحت بسمة ناعمة على ثغرها وهي تجيبها بتأكيد
أيوه.. أنا بأحس معاه إني واحدة تانية وهي بيعمل كل حاجة عشان يفرحني.
كان ردها كفيلا بإعلانها الرسمي بالتزامها بما عاهدت عليه نفسها تحركت شفتاها لتظهر ابتسامة لطيفة حين عقبت عليها
ربنا يفرحك يا هموس إن شاء الله تبقي أحلى عروسة. 
من تطلع إليه في تلك اللحظة ودقق النظر في تعبيرات وجهه المتقلصة لأدرك أنه يخوص الآن حلما يعايشه بكل طاقاته اللا شعورية سحبته آلة الزمن المتحكمة في أحلامه المكبوتة بإرادته إلى