رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


طلعنا كلنا نشوف في إيه بس كان حصل اللي حصل بقى وخلود ملحقتش نفسها.
المزيد من التفاصيل الغائبة عادت لتحتل المشهد وتملأ رأسه بالشكوك كان لديه عشرات الأسئلة يريد الاستفهام عنها لكن تعذر عليه فعل ذلك بسبب مجيء الطبيب توقفوا عن الثرثرة ليبادر هيثم متسائلا 
إيه الأخبار يا دكتور
أجاب مبينا طبيعة وضعها الصحي 
الحمدلله الحالة دلوقتي مستقرة لكن العمود الفقري عندها اتعرض لحاجة بنسميها الكسور الانضغاطية وده حصلها نتيجة وقعتها العڼيفة.
تبادلوا نظرات حائرة فيما بينهم لكن كان تميم الأسبق في الاستفسار 
يعني إيه
الټفت الطبيب برأسه نحوه وأوضح له 
يعني مش هاتقدر تمشي بشكل طبيعي في الأول! 
وقبل أن يسيئوا فهمه بادر مستفيضا 
لكن ده مش معناه إنها عاجزة لا سمح الله هي بس هتضطر في البداية تستخدم حزام طبي مع الأدوية المسكنة وأدوية مرخية للعضلات بحيث تقدر الفقرات تقوم بعملها من تاني ولازم الراحة التامة ويكون في متابعة مع دكتور متخصص في العلاج الطبيعي وده عشان يساعدها في تخفيف الآلام اللي عندها وكمان يقوي العضلات بحيث ترجع تمشي وتتحرك عادي جدا.
رد تميم دون تفكير 
هنعمل كده يا دكتور.
تصنع الطبيب الابتسام وقال وهو يمسح بيده على ذراعه 
وربنا يطمنكم عليها.
رد هيثم مجاملا 
متشكرين.
كان من السخيف أن يلح تميم بأسئلته في الوقت الحالي على هيثم نحى فضوله جانبا فهناك أوقات حرجة لا تصلح سوى للصمت تناول الوصفة الطبية من الطبيب ليأتي بالأدوية المطلوبة ليعود بعدها ويجلس بجوار والدته والتي لم تتوقف عن الشكوى وإلقاء اللوم عليه لتقصيره في حق رعاية من كانت في يوم ما زوجته.
...................................................................
نظرة أخيرة ألقتها على هاتفها المحمول وقد أصبح الوقت متأخرا لتعود بمفردها إلى المنزل ومع هذا لم تحبذ آمنة الرحيل مبكرا آملة بتواجدها أن تخفف من وطأة الأمر على أصحابه بدأ جسدها في الأنين
من جلوسها غير المريح فاضطرت أن تنهض من مقعدها وتتجه إلى أفراد العائلة لتستأذنهم في الذهاب تنحنحت لتزيح تلك الحشرجة عن أوتارها ووجهت حديثها للحاج بدير ووالده مرددة بتلعثم 
حمدلله على سلامتها.
رد بإيماءة بسيطة من رأسه 
الله يسلمك يا حاجة.
بينما عقب عليها سلطان بصوته الأجش 
كتر خيرك تاعبة نفسك طول اليوم معانا.
دون أن تبحث عن الإجابة ردت بعفوية 
دي زي بنتي وربنا يتمم شفاها على خير.
شكرها بدير بلطف 
يا رب وتسلمي يا حاجة مرة تانية.
ثم نادى عاليا 
روح يا تميم مع الحاجة وصلها البيت.
نظرت في اتجاه ابنه الذي نهض من جوار والدته على مهل فاستدارت تنظر إلى بدير واعترضت عليه بحرج ظاهر عليها 
مالوش لزوم أنا هاخد تاكسي من هنا وآ....
قاطعها بإصرار 
لا مايصحش ده العربيات كتير عندنا.
تقدم تميم نحوها وأشار لها بالتحرك بيده وهو يدعوها 
اتفضلي.
حاولت أن تبتسم وسط حرجها وقالت وهي تهم بالسير 
كتر خيرك يا ابني.. أنا مش عارفة أقولك إيه!
هز رأسه قائلا بصوت عبر عن حزنه 
الحمدلله ده قضاء ربنا.
.....................................................................
لم تكن بالمسافة الكبيرة التي تحتاج لسيارة أجرة لتقلها إلى منزلها قطعت فيروزة الطريق عائدة إلى هناك سيرا على الأقدام دهشة عجيبة نالت من تعبيراتها الواجمة حين رأت إحدى عربات الشرطة تسد المدخل أسرعت في خطاها وتساءلت بصوت شبه لاهث وعيناها تدوران على أفراد الشرطة المتواجدين من حولها 
إنتو مين بتسألوا على حد معين هنا
اتجهت نظراتها نحو صاحب الصوت الخشن الذي سألها برسمية بحتة 
أيوه .. ده بيت فيروزة أبو المكارم
لم تفكر وهي تجاوبه معرفة بنفسها 
أيوه.. دي أنا.
قبضته القاسېة انقضت دون إنذار على ذراعها تجذبها بعدائية غريبة وتجرها نحو السيارة وصوته يأمرها 
اتفضلي معانا الظابط عايزك في القسم.
قاومته متسائلة في جزع 
ليه في إيه أنا معملتش حاجة أصلا.
ولحسن حظها ربما كان قد وصل بوالدتها إلى منزلها لمح الأضواء المميزة لسيارتهم فتوقف قلبه عن الخفقان في هلع سد تميم بسيارته الطريق على عربة الشرطة وترجل منها دون أن يوقف محركها ليهجم بلا تفكير على الضابط منتشلا ذراعها من قبضته ومكونا بجسده حائلا بينها وبينه قبل أن يهتف بنبرة كانت أقرب للزئير 
إيه اللي بيحصل هنا وواخدينها على فين
رمقه الضابط بنظرة ڼارية وهو ېعنفه 
إنت إزاي تتجرأ تعمل كده ليلتك سودة
سيطرت عليه رغبة عارمة في حمايتها من الخطړ وإن كان يعني هذا وقوعه في المشاكل مع الجهات الأمنية المسئولة بجهد كبير حافظ على جمود تعابيره وقال بتحفظ ومدافعا عنها بشكل غريب 
يا باشا مقصدش بس في أكيد سوء تفاهم هنا الأبلة طول عمرها ماشية في السليم.
تفاجأت فيروزة من دفاعها عنها رغم عدم معرفته مثلها بملابسات إلقاء القبض عليها في حين احتضنت آمنة ابنتها وحاوطتها بذراعيها وتساءلت في ړعب جلي 
حصل إيه وواخدين بنتي ليه
أجاب الضابط ببسمة ساخطة وبعد نظرة بطيئة فاحصة تجولت على أوجه ثلاثتهم 
ده استدعاء رسمي للقسم في بلاغ متقدم ضدها بمحاولة قتل خلود غريب.
بمجرد أن تلفظ باسم طليقته انفرجت شفتا تميم عن صدمة كبيرة تخطت ما قد يخطر في باله مطلقا وهتف مستنكرا قوله بقلب توقف لحظيا عن النبض ونظراته تلتفت نحو طاووسه 
بتقول مين !!!!!!
الفصل الثامن والخمسون 
قبضة الغريب على ذراعها بدت بالنسبة له كجمرات متقدة ټحرق جلده بقساوة وأشد ألما من طعنه بغتة في صدره لم يتردد للحظة للدفع بنفسه أمام المخاطر المهلكة في سبيل عدم إلحاق الضرر بها. تشوش تفكيره في صدمة وكأنه أصيب بعطب ما حتى استوعب عقله ما صاغه الضابط من اتهام صريح من قبل زوجته السابقة لها الټفت تميم تلقائيا برأسه نحوها ليحدق في وجهها المغطى بعلامات الذهول ثم عاود التحديق في الضابط ونفى التهمة عنها دون الحاجة لسماع أدنى مبرر منها مصدقا إياها بكامل جوارحه
استحالة الأبلة تعمل كده! أكيد في غلط في الحكاية!
نظر له الضابط شزرا قبل أن يوبخه بخشونة
هو أنا جاي أهزر معاكو هنا ده استدعاء رسمي يا حضرت.
لم تخفت الحدة من نبرة تميم وهو يجادله
يا باشا أنا عارفها كويس الأبلة دايما في حالها وعمرها ما أذيت حد ...
استمعت له فيروزة پصدمة أأنكر حقا النزاعات السابقة بينهما وكأنهما على وفاق منذ اللقاء الأول تدلى فكها السفلي في مزيد من الدهشة في حين تلعثم تميم نوعا ما وهو يتابع إعطائه تلك المعلومة المزعجة
دي غير اللي بتتهمها تبقى .. بنت خالتي و..... طليقتي.
رمقه الضابط بنظرة طويلة مهتمة ليضيف بعدها وهو يفرك راحتيه معا
حلو أوي .. هنشوف الكلام ده في القسم لكن دلوقتي لازم الأستاذة تتفضل معايا.
لم يكن حديث الضابط بالمازح مطلقا نظراته وحركته أكدت على احتمالية جره لها بإهانة ما لم تتجاوب معه أدار تميم رأسه نحو فيروزة التي نظرت إليه بملء عينيها وقالت بصوت لاهث مضطرب نافية التهمة مجددا عنها
أنا معملتش حاجة اقسم بالله.
عمق نظراته في عينيها المرتاعتين وكأنه لا يرى سواها حوله ورد بقلبه قبل أن ينطق لسانه
من غير ما تحلفي أنا مصدقك.
لم تشعر فيروزة مطلقا بأنه يخدعها أو يكرر تلك العبارات الروتينية المستهلكة التي توحي بالدعم الزائف بل منحتها نظراته المتلهفة والمليئة بشيء لم تفهمه بالضبط إحساسا مريحا بالطمأنينة والصدق هذا الشعور الذي نزع منها مؤخرا بينما هتفت آمنة مدافعة عنها
بنتي بريئة مظلومة يا حضرت الظابط مراته هي اللي وقفت قصادنا على السلم وآ...
قاطعها الضابط بلهجته الرسمية ونظرته الحادة مسلطة عليها
هناخد أقوالكم كلكم كده هناك...
ثم أشار بكفه موجها حديثه الصارم ل فيروزة
بس الأستاذة لازم هتيجي معانا الأول يالا مش هنقضي الليل واقفين هنا!
على الفور صاح تميم وهو يفرد ذراعيه في الهواء محافظا على بقاء جسده كحائل بشړي يمنع أي فرد من الاقتراب بها 
هي هتركب من غير ما حد يتعرضلها.
بدا الضابط على وشك فقدان صبره من تلك المماطلات السخيفة ومع هذا تقبل بصعوبة محاولة تميم إقناع فيروزة بالامتثال للأوامر والصعود لعربة الشرطة سار إلى جوارها وكامل عيناه عليها حتى أنها لم تبعد نظراتها عنه بل بدت أكثر إصرارا على التحديق به وهي تكرر على مسامعه
أنا مجتش جمبها والكل كان موجود وشاهد.
رد بكلمة واحدة عنت لها الكثير
عارف..
ثم أشار لها لتصعد بالسيارة وتابع بصوته القلق
اطمني أنا وراكي بالعربية مش هاسيبك لوحدك.
هتفت بنبرته التي مالت للاختناق
ماعملتلهاش حاجة.
هز رأسه بإيماءات متعاقبة وهو يخبرها بتوتر خائڤ عليها حاول أن يخفيه عنها
أنا متأكد من غير ما أسمع.
حاولت آمنة اختراق أفراد الأمن لتصعد إلى السيارة مع ابنتها لكن أبعدها أحدهم فواصلت صړاخها الملتاع وهي ترجوهم بشدة
سيبو بنتي هي مظلومة والله ما عملت حاجة.
وضع تميم يده على كتفها ليلفت انتباهها إليه وقال على عجل مشيرا بعينيه نحو سيارته
تعالي معايا يا حاجة احنا رايحين وراها
بالعربية.
ردت بامتنان عظيم وعيناها تبكيان بشدة
الله يكرمك يا ابني ماتسيبناش لوحدنا ده احنا غلابة وآ...
قاطعها مرددا بنبرة عازمة
أنا معاها للآخر.
ثم هرول ركضا نحو سيارته التي تسد الطريق على عربة الشرطة استقلها وانتظر للحظة حتى ركبت آمنة إلى جوارها تتبع سيارة الشرطة والهاتف على أذنه بعد أن هاتف محامي العائلة انتظر أن يأتيه رده على أحر من الجمر ليهتف بمجرد سماعه لنبرته
ألوو.. أيوه يا أستاذ عايزك تيجلي على قسم ... حالا هافهمك لما أشوفك هناك.
وفي تلك الأثناء أخرجت فيروزة هاتفها المحمول من جيبها بمجرد أن استقرت في العربة لتطلب بأنامل مرتعشة رقما احتفظت به ولا تحبذ حتى استخدامه عند الطوارئ لكنها باتت مرغمة على اللجوء لصاحبه لتعرف أبعاد الکاړثة الجديدة التي تخوضها ارتجف صوتها بوضوح وهي تنطق بنبرتها التي ظهرت للطرف الآخر متوسلة
أيوه يا ماهر بيه أنا أسفة إني بأطلب حضرتك بس في مشكلة كبيرة حصلتلي ومافيش غير سعادتك يقدر يقف جمبي.
..........................................................
لم تكن عيناه على الطريق أبدا طوال سيره الملازم لعربة الشرطة وهو يقود من خلفها ارتكزت نظراته القلقة على مراقبة ما يحدث معها آملا ألا تتعرض لأي نوع من المضايقات السخيفة من قبل أحدهم أبعد حدقتيه عنهت مضطرا حين توقفت السيارة أمام القسم الشرطي ففتش بصبر مفقود عن بقعة خالية ليصف سيارته عندها وهذا ما أدى لتعطيله لدقائق تعد على أصابع اليد الواحدة مضت عليه كأنها سنوات أما قلبه فكان في جزع يفتك به. 
ركض تميم في اتجاه المدخل الرئيسي سابقا بخطواته والدتها انحرف نحو الرواق الضيق حيث يتواجد مكتب الضابط النبطشي كان أحد العساكر قد وضع في يدها الأصفاد المعدنية وكأنها محكوم عليها استشاطت نظراته لرؤيتها في وضع المدانة وهي أبعد ما يكون عن ذلك تصلب جسده وبصعوبة بدت على ملامحه قاټل ما يعتريه من مشاعر غاضبة ودنا من الضابط الذي ألقى القبض عليها وهو يعطي أوامره لآخر 
هنحطها في الحجز لحد ما يجي الباشا محمود.
مجرد تخيلها وسط تلك الحفنة من النساء الغليظات والتي لن تسلم من تعليقاتهن المتهكمة وربما بعد المناوشات المسيئة معها أصابه بالڠضب المحموم اكتسبت نبرة تميم حدة