رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


غير العادة متعللا بحجج واهية لتبدو شاهدة على تواجده إن حدث ما لم يتوقعه وخرجت الأمور عن السيطرة خاصة بعد قټله ل نوح صرف عن ذهنه مشهد مۏته وأصغى باهتمام لها ثم علق معترضا على طيشها
معلش ما هي بردك مش تصرفات ناس عاقلين.
ردت عليه في حدة
وهو المعدول خلى فيها عقل داهية تاخده مطرح ما هو قاعد.
قال مبتسما ببرود
يا رب.
ثم أكمل تناول قهوته السادة في هدوء وكأنه لم يقترف ما يجعل الولدان شيبا انتفاضة دبت في جسده وقد سمع طرقا عڼيفا عليه ترك فنجانه وشيع بنظراته بثينة التي اتجهت
إليه لتفتحه وصوتها اللائم يرن في جنبات الصالة
بالراحة يا اللي بتخبط إيه هتهد الباب على دماغنا!
نظرات السخط والكراهية احتلت وجهها عندما رأت تميم يقف قبالتها في حالة تحفز وڠضب مكتوم وبكل برود سألته
خير
تخلى عن أسلوب الوقار المصحوب باللين في التعامل معها ودفعها ليدخل وصوته المزمجر يسألها
بنتك فين
تعلقت خالته بذراعه لتبطئ من حركته وهدرت به
اقف هنا وكلمني عايز من خلود إيه
رمقها بنظرة لا تبشر بأي خير وقال بوقاحة
كلامي معاها مش معاكي.
هتفت محتجة بشراسة
وأنا أمها يا ادلعدي!
في البداية لم يلمح تميم زوج شقيقته حيث كان متواريا في ظهر الأريكة العريض استجمع الأخير شجاعته ونهض من مكانه ليظهر على مرمى بصره ملطفا بسماجته المعتادة
ما تصلوا على النبي يا جماعة.
ردت بثينة بامتعاض وهي تسد بجسدها الطريق على زوج ابنتها السابق
عليه الصلاة والسلام.
اعتلت الدهشة تعابير وجهه المشدودة لكنها تلاشت سريعا ليسود الوجوم على قسماته وهو يسأله
محرز! بتعمل إيه هنا
عمدت خالته لصرف انتباهه عنه وهتفت فيه بحدة وهي تلوح بيدها
ملكش دعوة بيه.
تركزت عينا تميم بالكامل عليه فنفذت إليه وكأنها تعريه من كافة الأقنعة ثم علق بشك واضح
أصلها غريبة إنك تكون هنا وغايب عن الدكان!!
بلع محرز ريقه وقد شعرت بالتخبط من نظراته المستريبة واستنكر بعبوس مفتعل
هو ممنوع أزور الجماعة ولا إيه
أجابه بوجهه الغائم قاصدا بث الخۏف في نفسه الأمارة بالسوء
لأ مش ممنوع بس أحوالك مش مريحاني فيك حاجة مش فاهمها.
حاول أن يبدو مستقيما في وقفته خلال مجابهته ورد بهدوء لم يكن مقنعا
أنا زي ما أنا يا معلم وبعدين الحاجة كانت قصادني في الخير وأنا الصراحة مقدرش اتأخر عنها.
أضافت عليه بثينة لتشد من أزره فلا يظهر بمظهر الضعف أو التردد قصاده
ربنا يكرمك يا محرز يا ابني ما هو أنا معنديش رجالة يقفوا في ضهري ابني مراته بلفاه في عبها متعرفش تاخد منه لا حق ولا باطل أروح للغريب يعني 
لم يحد تميم بنظراته القاسېة عن وجهه واقتضب معهما مرددا بنبرة غير مبالية
براحتكم!
ضبط محرز طرفي ياقة جلبابه وأطرق رأسه مخاطبا مضيفته
طيب استأذن أنا ولو احتاجتي أيتها حاجة كلمني على طول يا ست الكل.
ربتت على جانب ذراعه تشكره بامتنان متعمدة استفزاز ابن شقيقتها
تسلملي يا ابن الأصول! يا غالي!
لوح بيده وهو يمرق سريعا من أمام تميم هاتفا بأنفاس مضطربة
سلامو عليكم!
أوجز في رده إليه وكأنه لا يستحقه
وعليكم..
ثم استدار برأسه في اتجاه خالته يأمرها بلهجة حاسمة
خشي نادي بنتك من جوا ده لو عايزة اليوم يعدي على خير.
لم يكن بالمازح في تهديده ازدردت ريقها وضمت شفتيها في غيظ مكبوت لم تعقب عليه أو تجادله بل انصرفت هاربة من نظراته الڼارية لتذهب إلى غرفة ابنتها الغافلة حتى تحثها على الاستفاقة وكلها يقين أنها لن تتوانى عن النهوض من أجله.
.........................................................
أمنية حالمة شكلها لا وعيها فغابت في تفاصيلها الوردية وعايشت ما تضمنته من لحظات رومانسية عميقة مليئة بالجموح والرغبة سعادة مزيفة لكنها مزيلة بالآمال والأطماع انتهت فجأة بهزة عڼيفة اجتاحت جسدها وانتشلتها رغما عنها من أحضانه الدافئة لتعيدها إلى واقعها المؤلم أفاقت خلود من غفوتها على صوت والدتها المتكدر كادت أن تفرغ ڠضبها عليها لولا أن أخبرتها بوجوده الفعلي تبددت الانفعالات الثائرة بمشاعر متلهفة مشتاقة تواقة إليه هبت ناهضة من فراشها وشددت على والدتها عدم التدخل بينهما مهما اشتد الجدال تحركت سريعا غير عابئة بمظهرها وركضت نحو الخارج لتلتقيه .. وبنظرات والهة تطلعت إلى وجهه تأملته مطولا وتقدمت نحوه متسائلة بصدر ينهج
تميم! إنت هنا
اقتربت أكثر منه لم
تهتم بأمارات الحنق الظاهرة عليه ورفعت يدها لتتلمس وجهه وهي تقول بابتسامة متسعة في سعادة 
أنا مش مصدقة إنك موجود افتكرت نفسي بأحلم ...
وبكل جراءة ألقت بنفسها في أحضانه محاولة الالتصاق به أغمضت عينيها قائلة بتنهيدة اشتياق
حبيبي إنت رجعتلي أنا بأحبك.
بغلظة أبعدها عن صدره ودفعها للخلف فكادت تطرح على ظهرها لكنها تمالك نفسها كان رافضا اقترابها غير الجائز منه ولو بدافع الشفقة سلط نظراته القاتمة عليها وهدر بخشونة
هو سؤال واحد وعايز أعرف إجابته منك.
لم تنصدم من إقصائه لها أبدت استعدادها التام لتحمل جفائه ظلت ابتسامتها المتسعة مرسومة على محياها وهي ترد
أنا كلي ليك يا حبيبي.
لم يرف له جفن وقست ملامحه أكثر عندما سألها
روحتي عندها ليه
تجاهلت سؤاله ولم تكترث لرنة الڠضب المغلفة لصوته بل تقدمت من جديد نحوه وعاودت الكرة ورفعت يدها متلمسة بأناملها ذقنه النابتة تحسستها وهي تتنهد قائلة ونظراتها تحوم على قسماته
ياه إنت وحشتني أوي
بقسۏة أزاح يدها عنه وتجاهل بوحها بمشاعرها ليرد متسائلا بلهجته الصارمة المليئة بالحنق الشديد
كنتي عند فيروزة ليه
استفزها ترديد لسانه لاسمها فتبدل هدوئها الناعم لعاصفة غاضبة وصړخت في وجهه
برضوه بتنطق باسمها قدامي ليه عايز تعذبني إنت بتتبسط لما بتشوفني كده
رد عليها بنبرته المرتفعة
بطلي أوهامك دي وجاوبي على السؤال ليه روحتيلها
أجابت ببساطة ونظراتها عليه
عشان أرجعك لحضني.
عنفها بغيظ
وتقوليلها كلام محصلش
هزت كتفيها قائلة بأنفاس هادرة
مش فارق معايا أنا مستعدة أسف التراب وأذلل نفسي ليها أو لغيرها المهم تكون ليا في النهاية وترجع لحضني أنا بأحبك يا تميم.
نظر لها بازدراء وصاح بنبرة متصلبة
مهما عملتي يا خلود استحالة نكون سوا اللي بينا انتهى خلاص
ردت عليه بعناد وبصوتها الصارخ
لأ مانتهاش يا تميم إنت جوزي وأبو عيالي.
سدد لها نظرة احتقار قبل أن ينطق بوجهه المتجهم
كنت.. يا بنت خالتي..
ثم أشار بإصبعه يحذرها بلهجة قوية
ولآخر مرة بأقولك إياكي تقربي من فيروزة لأني ساعتها هاخش فيكي اللومان!!!!
تغاضت عن ذكره لاسمها حين رأته يدير ظهره ويستعد للذهاب هرولت ركضا نحوه وحاوطته من الخلف لتحتضنه اختنق صوتها وهي ترجوه
استنى! رايح فين ماتسبنيش أنا مصدقت إنك هنا.
من جديد انتزع قبضتيها عنه وقال في سأم واضح
كلامي معاكي مالوش أي فايدة بأدن في مالطة!!!
رفضت تركه والتصقت كالعلقة بذراعه مما جعله يسحبها خلفه اخترق صوتها المستفز أذنه وهي تردد على مسامعه عباراتها المستهلكة
إنت لسه بتحبني كفاية قساوة عليا. 
استل ذراعه منها ودفعها پعنف بعيدا عنه ولسانه ينطق باستياء
أعقلي بدل ما أحطك بنفسي في السرايا الصفرا!
فتح الباب واندفع خارجا من منزلها ليصفقه بعصبية من ورائه ارتمت خلود على الكتلة الخشبية وهي تنتحب في إحباط حزين اڼهارت جالسة على الأرضية لتجد والدتها تنظر إليها بسخط لم تتأثر ملامحها وهي ترجوها
ماتخليهوش يمشي يامه.
تجمدت بثينة في مكانها تراقبها بعينين حاقدتين تعكسان غلا يتعاظم يوميا بداخلها تجاه تميم بسبب ما يفعله في ابنتها الرافضة لتصديق أنهما ليسا معا.
...........................................................
خلوة جديدة انفرد بها مع نفسه عند تلك الكتل الصخرية حيث تتحطم من أسفلها أمواج البحر العاتية فهناك المتنفس الوحيد لكل ما يعتريه من مشاعر يأبى تحريرها بسهولة خرج من صدره زفيرا بطيئا محملا بالهموم والأثقال وكلام هيثم يصدح في رأسه عن ادعاء شقيقته بحبه الشغوف ب فيروزة لم تكذب حين أخبرتها وسط دوامة ڠضبها الأعمى بمشاعره المقدسة ناحيتها واستثيرت أعصابه لاستباحة ما يخصه علنا ما أزعجه حقا أنه تمنى لو امتلك من الشجاعة القدر الكافي لينطق شخصيا باعترافه وأمامها وليس على لسان غيره بذلك الأسلوب الرخيص ألقى تميم بحصوة
صغيرة ابتلعتها المياه في لمح البصر متخيلا أنه مثلها غارقا في قساوة الحياة وهو يلوم نفسه
يا ترى هاتقول عني إيه بعد ما عرفت منها الحقيقة
توقع ألا تطيق النظر في وجهه مطلقا أن تزدريه وتستحقره وترفض حتى ملاقاته مصادفة في عرض الطريق زفير آخر تعيس لحق بما سبقه قبل أن يدمدم في حزن
ليه كده يا خلود ضيعتي مني حتى حلمي المستحيل!
.......................................................
استلت نفسها من أحضان والدتها لتنظر إليها بعينين تلمعان بعبرات كثيفة قاتلت لمنعها من الانسياب لكنها طفت على أهدابها وعلى عكسها انخرطت آمنة في بكاء مؤلم لتوديعها ابنتها عند المطار وتساءلت بنشيج
الوقت أوام كده عدى
خنقت فيروزة غصتها وردت بابتسامة سعت لتكون مشرقة
ڠصب عني والله يا ماما إني أمشي بس متقلقيش أنا راجعة تاني.
جذبتها أمها لحضنها من جديد شددت من ضمھا لها وهي تمسح على ظهرها ثم أردفت قائلة 
هتوحشيني أوي يا فيروزة.
رغبت بشدة أن تظل هكذا تحتويها أحضانها الحانية بدلا من الغربة التي تنتظرها لكنها باتت الخيار الأمثل لتهرب من كل التهديدات المدمرة لبقايا أطلال سلامها النفسي والوجداني تنفست ببطء ثم همست بنبرة أظهرت حبها الغريزي لوالدتها
وإنتي أكتر يا ماما.
ابتعدت عنها والدتها وسألتها بصوتها الباكي
مكانش ينفع تفضلي شوية.
كانت صادقة حين أخبرتها بنبرة ذات مغزى
كده أحسن للكل.
تفهمت توأمتها رغبتها في الابتعاد عن محيط المشاكل المحاصرة بها وآخرها اتهام خلود لها بتورطها في تخريب علاقتها بزوجها السابق لم تجد همسة من الكلمات ما تنطق به دون أن تهطل دموعها فالتزمت الصمت مدعية الابتسام وركزت عينيها مع صوتها القائل
وبعدين ما أنا هاكلمكم كل يوم وكل شوية لحد ما تزهقي مني.
عاتبتها آمنة برقة
وحد يزهق من ضناه
توسلتهما همسة بعبوس
كفاية بقى عشان هاعيط منكم.
وضعت فيروزة يدها على كتف توأمتها وشجعتها بضحكة مبتورة
لأ اجمدوا كده.
مسحت همسة عبراتها المتسللة من طرفيها وتساءلت
هو آسر عارف ميعاد وصولك
أجابتها فيروزة بإيماءة من رأسها.
أيوه وهيقابلني أول ما أنزل من الطيارة.
أكدت عليها والدتها بعينيها التعيستين
كلمينا يا فيروزة عشان نطمن عليكي.
حافظت على ثبات بسمتها المهزوزة وهي ترد
حاضر يا ماما.
ثم مالت عليها واحتضنتها لمرة أخيرة لتقول بعدها بابتسامة أرادت أن تظل آخر ما يلمحاه في وجهها
هاسيبكم بقى عشان يدوب ألحق أخلص الإجراءات جوا.
مسحت والدتها على وجنتها بنعومة ودعت لها بتضرع
ربنا يحفظك يا حبيبتي ويسلمك من كل شړ.
يا رب
ثم أضافت مختتمة حديثها معها
لا إله إلا الله.
ردت والدتها پبكاء مرير
محمد رسول الله!
رجتها فيروزة بصوت متأرجح بين الضعف والجدية
عشان خاطري كفاية.
بررت لها صعوبة تماسكها فقالت
ڠصب عني يا حبيبتي.
داعبتها بكلمات لطيفة قاصدة تهوين الأمر عليها قبل أن تجر حقيبة سفرها خلفها وتختفي بداخل بوابة المطار وضعت همسة ذراعها على كتفي والدتها لټحتضنها وهتفت بابتسامة منقوصة
أنا متفائلة خير يا ماما.
لم تنظر آمنة في اتجاهها وظل بصرها متعلقا بطيفها الذي رحل وهي ترد
أنا لأ قلبي مقبوض.. أول مرة بنتي تبعد عني المسافة دي كلها يا ريتها كانت ساكنة هنا ده بينا