رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


أنا رايح عند معلمين السوق.
جاهدت لتبدو مبتسمة أمام إحراجه العلني لها وقالت بابتهاج زائد حفظا لماء وجهها
وماله يا حبيبي ما إنت ابن الكبير..!!!!
الفصل التاسع والأربعون
خرقت مبادئه السامية حول أهمية العائلة بالنسبة له وخربت كل شيء اعتبره مثاليا للتضحية من أجله فقط لترضي نزعتها التملكية في الاستحواذ على شخصه وإن كان في ذلك إيذائه. ترك ما تعهد تجنبه ليغدو شخصية أخرى غير المتعافية ليصبح على ما كان عليه سابقا عل حينها تدرك الخطأ الجسيم الذي فعلته ودفعه بكراهية للتحول للنقيض. شتت خلود تفكيرها عنه وحافظت على بسمتها الزائفة لتسير في اتجاه بعض الشابات حيث استوقفتها إحداهن تسألها 
عاملة إيه دلوقتي
ردت بنفس البسمة المحافظة 
الحمدلله
كانت تعلم في قرارة نفسها أن تلك الشابة تحاول أن تشبع فضولها بتحري المزيد من أخبارها الخاصة جراء الڤضيحة الأخيرة وبكل جراءة سألتها أخرى 
صحيح جوزك عامل معاكي إيه بعد اللي حصل احنا شايفينكم زي السمنة على العسل!
كركرت خلود ضاحكة قبل أن تقضم ضحكتها لترد بخجل مفتعل 
هو في زي المعلم تميم ربنا يخليهولي.
ركزت الشابة أنظارها عليها وتابعت أسئلتها الصريحة 
يعني مش زي ما اتقال عنه أصل في كلام داير في الحتة عن إنه آ.....
قاطعتها خلود مؤكدة بتعابير مرتخية وهي تتدلل بكتفها 
دي كانت ساعة شيطان وراحت لحالها...
ثم أخفضت نبرتها ووضعت يدها أمام فمها لتوحي بأن حديثها يحتوي على عبارات مخجلة قبل أن تكمل 
وبيني وبينكم أنا زودت العيار معاه وادلعت عليه وهو مايستغناش عني.. ما إنتو عارفين الرجالة
افتعلت الضحك وشاركتها الشابات في ذلك بعد أن تحول مجرى الحوار عن أمور شبه جامحة بين الزوجين. بقيت معهن لبعض الوقت تتبادل معهن الحديث الودي العابر وكأنها زوجة محبة تلقي بالنصائح الإرشادية اللازمة لتستحثهن على استرضاء أزواجهن. اختطفت نظرة سريعة نحو زوجها على أمل أن يرمقها بعينيه لكنه بدا مشغولا بالحديث مع اثنين من معارفه لم تدقق النظر فيهما وصرفت مؤقتا انتباهها عنه. 
.............................................................
بابتسامة مبتهجة ونظرات فرحة حقا أقبل تميم على ضيوفه الأعزاء ليرحب بهم واحدا تلو الآخر بحرارة طغت على مشاعره المنزعجة من تصرفات زوجته تبادل مع اثنين منهما الأحضان الرجولية عن الأخرين ليتراجع خطوة عنهما وهو يتابع ترحبيه بهما هاتفا 
حمدلله على السلامة نورتوا المكان.
رد منذر بصوته الأجش وهو يمسح بنظراته المكان برمته 
يا عم المكان منور بأصحابه فين العريس أومال عشان نباركله
أجاب عليه مستخدما يده في الإشارة 
بيجهز للزفة.
علق دياب مازحا وهو يلوح بذراعه 
آه مين أده.
الټفت تميم نحوه ليرد غامزا له بطرف عينه 
يا سيدي احنا فيها انوي إنت بس والتساهيل على الله.
لمعة خفية غطت عينا دياب قبل أن يدمدم بتنهيدة بطيئة 
ربك كريم.
انشغل الاثنان في حوارهما المازح بينما تباعدت نظرات منذر عنهما على ما يبدو كان محدقا بنظرات مطولة بأحدهم زادت نظراته تجهما وقد انعكس الضيق على محياه فبعض الوجوه كانت مألوفة له تربطه بينهم معارك سابقة ومشادات عڼيفة وحتى يقطع الشكوك التي تساوره استدار نحو رفيقه تميم ليربت على كتفه ثم سأله بهدوء وعيناه ترتكزان على وجهي كلا من فتحي واسماعيل 
بأقولك إيه إنت تعرف الناس دي
جال تميم بنظراته على معظم الأوجه المتجمعة في هيئة تكتلات بشړية متسائلا بحيرة 
أنهو ناس
أومأ بعينيه متابعا توضيحه الغامض 
اللي هناك قاعدين نواحي الحاج عوف.
ضاقت عينا تميم بشك وهو محدق بهما سكت للحظات وكأنه يعتصر ذهنه لتذكرهما وللواقع كانت مرته الأولى التي يلاحظ فيه وجودهما لذا رد نافيا 
لأ.
أطبق منذر على شفتيه وتبادل نظرات غريبة شبه صارمة مع أخيه الذي بقي صامتا هو الآخر رغم تبدل تعابيره للتجهم أيضا وكأن
بينهما إشارات غير منطوقة. تنحنح تميم قبل أن يتابع مجددا من تلقاء نفسه 
بس شكلهم من قرايب العروسة خالها واقف معاهم.
رد منذر بوجه مقلوب 
طيب.
كان يملك من الفراسة ما يؤكد له حدسه بوجود خطب ما بهما صمتهما المستريب نظراتهما الحذرة وحتى هدوئهما غير الاعتيادي الذي ساد فجأة. لاحظ تميم امتعاض وجهيهما فتساءل باهتمام 
في حاجة قلقاك يا منذر إنت تعرفهم
أجابه بتحفظ بعد زفير بطيء 
بص من الآخر كده الجماعة دول بتوع مشاكل وحوارات كانت معانا من قريب فخد بالك منهم!
قال دياب دون احتراز 
بس احنا علمنا عليهم.
استرعت كلماتهما الجادة كامل انتباه تميم وتساءل مستوضحا 
مشاكل إيه بالظبط
لم يكن الظرف مناسبا للتطرق لمثل تلك المسائل الشائكة وبالتالي رد منذر متهربا منه 
بعدين .. هتقابل معاك ونتكلم على راحتنا.
الټفت تميم برأسه نحو أحد الرجلين وكان يحدق ب منذر بكراهية واضحة بدا ذلك جليا على تقاسيم وجهه ولم يكلف نفسه عناء إخفاء مشاعره توقف عن التحديق به ليلتفت نحو دياب حين هلل مازحا وهو يصفق بيديه 
يا جدعان احنا في فرح خلونا نفرفش ونروق على العريس قبل يرجع يندم ويغني ظلموه.
ضحك تميم على طرفته وأيده غامزا له بطرف عينه 
ده ليلته الكبيرة
هز دياب رأسه مضيفا بعبوس زائف 
مظبوط لأن الغم جاي بعدين إنت ناسي إن النكد أسلوب حياة الحريم عندنا.
............................................................................
في القلب ضغائن ما زال يحملها في طياته لا يقدر الزمن على محوها لكونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالمشاعر الحسية والوجدان. توقفت حمدية بالركن تدعي ابتسامها لمن اجتمع بالقرب من زفة العروسين ومع هذا تشتت أنظارها عن الجميع وشردت تتذكر ماضيها البعيد. كعادة معظم العائلات بالمناطق الريفية يتم تزويج الإناث في سن مبكرة بمجرد بلوغهن وقد لا تصلن أعمارهن لسن الخامسة عشر في بعض الأحيان وبالتالي يلقى على كاهلي تلك الفتاة الصغيرة مسئولية أفراد عائلة بأكملها وتتحمل عبء تأسيس أسرتها بالإنجاب. 
في تلك الفترة الزمنية البعيدة كانت حمدية في الرابعة عشر من عمرها تكبرها سعاد إحدى بنات البلدة بعامين لم يكن الفارق المادي بينهما كبير كلتا الفتاتين من عائلات بسيطة لكن تمتاز الأولى بحرص عائلتها على ذهابها للمدرسة وكلتاهما كانتا مرشحتين لنفس الشخص اسماعيل الابن البكري لعائلة أبو المكارم. وقعت حمدية في حبه منذ اللحظة الأولى وتمنت بشغف أن تكون زوجته لما يمتاز به من سمات جسمانية جيدة بالإضافة لطباع كيسة وشخصيته القوية غير الاتكالية. جاءت الصدمة حينما رفض الارتباط بها وفضل عنها سعاد. نبعت الكراهية نحوها من أعماقها خاصة مع إنجابها لأول أبنائها والذي من المفترض أن تكون هي من تحمله بين أحشائها.
وقبل أن تتعاظم الكراهية بداخلها وتأكلها الغيرة أكثر سعت للموافقة على أول من يطرق بابها حتى لا يطاردها لقب العانس. كان المرشح آنذاك فقيرا شبه معدم وقبلت به. استمرت خطبتها له لبضعة سنوات ريثما يعود من الخارج نهائيا بعد جمع ما يمكنه من أموال لبناء منزل الزوجية وللأسف قټل زوجها المستقبلي في حاډث عرضي يخص الٹأر قبل أسبوع من عرسها. عزفت عن الخطبة لبعض الوقت حدادا على الفقيد رغم عدم وجود أي مشاعر تربطها به ومع هذا جددت سعيها للارتباط بغيره. وبسبب أطماعها وافقت على الزواج من رجل ثري وإن كان يفوقها عمرا نكاية بغريمتها القديمة لتظهر لها ثرائها فقد ظلت سعاد تعاني من عثرات مادية مع زوجها لوقت لا بأس به.
أتت الرياح بما لا تشتهي السفن وماټ الزوج قبل موعد الزفاف
ببضعة أيام .. وقتها خشيت معظم العائلات من تكرار نفس المصير الأسود المشؤوم الذي اقترن بها وعزف أغلبهم عن ترشيحها لأي شاب يسعى للزواج إلى أن ابتسم لها الحظ بعد سنوات عجاف وتعرفت إلى خليل صهر عائلة أبو المكارم حيث تزوجت شقيقته آمنة من الشقيق الأصغر ل اسماعيل. بعد فترة وجيزة كانت تزف إليه لتصبح تتبع عائلة حبيبها القديم بشكل غير مباشر.
تبدلت الأحوال ورأت على أرض الواقع ما حظيت به سعاد من ترف ونعيم وأربعة أبناء ذكر وثلاثة إناث بالإضافة للمشاعر المحبة من زوجها نحوها بينما كانت لا تزال قابعة في بؤسها وشقائها مع انعدام مشاعر اللطف بينها وبين خليل أصبحت حياتها چحيما يوميا. لم تتغلب حمدية على مشاعرها الناقمة وركزت أهدافها على تحقيق الثراء بأي وسيلة لتناطح سعاد الرأس بالرأس اعتقدت حين تتباهى في حضورها بأنها أنجبت من الأبناء الذكور ثلاثة فقط لتظهر تفوقها عليها في تلك المسألة أن مشاعر الغيرة ستظهر لديها لكنها ببساطة لم تهتم بل لم تكترث مطلقا وبدت هانئة في حياتها المرفهة. ورغم ابتعادها عنها لسنوات إلا أن مشاعرها الحاقدة لم تخبت يوما وإن كانت لا تظهر ذلك علنا.
أفاقت من شرودها الحانق على صوت إحداهن تهنئها ابتسمت بتكلف وردت عليها 
الله يبارك فيكي.
لمحت سعاد من زاويتها فغمغمت مع نفسها پحقد 
كان زماني مكانك لولا الحظ!
رأت سعاد نظراتها نحوها فتقدمت نحوها متسائلة بابتسامتها الودية 
مالك يا حمدية إيه اللي مضايقك
ردت بتجهم 
مافيش حاجة تقدر تضايقني.
ناكفتها بمزاح 
أصله باين على وشك في حد قالك كلمة كده ولا كده
علقت عليها بسخط وهي تترفع في نظراتها نحوها 
محدش يقدر! ده أنا أعكنن على بلد وما اتعكننش.
ابتسمت وهي ترد 
في دي معاكي حق ربنا يصلح حالك.
نظرت لها بعينين تتقدان غيظا قبل أن تنطق بتبرم 
ما هو متصلح خلي دعوتك لنفسك.
................................................................
الحكاية جت بسرعة.
تعلل خليل بتلك الجملة السخيفة حين لم يتوقف اسماعيل عن معاتبته بين الحين والآخر لعدم التزامه بالقواعد المتبعة عند قيام أحدهم بالتقدم لخطبة إحدى بنات العائلة بدا رده سمجا وغير مراع لضيفه فامتلأ وجهه بأمارات الضيق واستمر يلومه 
مكانش يصح بردك ده أنا عمها الكبير يعني عصبها على طول في مقام أبوها ولا إنت نسيت الأصول يا خليل
نفخ في سأم من مناقشته العقيمة معه وتكرار نفس الجمل السخيفة كلما رأه وكأنه ارتكب جرما لا يغتفر وبتبرم رد عليه 
لا مانستش وأنا خالها .. والخال والد يا حاج اسماعيل وعملت الصح والمناسب معاها.
لم يشاركهما الحوار في البداية كان مشغولا بمراقبة خصمين استفزاه من قبل وأحرجاه علنا أبعد نظراته عنهما ليدير رأسه في اتجاه خليل بدا فتحي متعصبا ومتحيزا ضده ثم لكز بعكازه على الأرضية معبرا عن احتجاجه وحاوره بصوت غلفه التزمت 
بس كان المفروض عريسها يخطبها من عندنا.
استدار نحوه مبتسما ابتسامة باهتة ورد بدبلوماسية 
تتعوض يا حاج فتحي في اللي جاي.
لم يستسغ الأخير رده وأضاف بنبرة حاقدة متعمدا تصعيد الڠضب بين القريبين 
ولا شكلنا مانشرفش نسايبكم
رمقه خليل بنظرة قوية حانقة كان يعلم جيدا أنه من النوع المثير للمتاعب بأسلوبه المستفز والمحفز للحمية الذكورية وكل من تعامل معه يدرك براعته في توغير النفوس وملء الصدور بالغل لذا ببرود شديد رد عليه 
لأ إزاي ده إنتو فوق راسنا.
ولكون اسماعيل يعلم أنها وسيلته المعتادة لإثارة الشغب خاصة فيما يتعلق بقريبته أسيف وما حدث مؤخرا من شجار دموي عڼيف ربما قد يتكرر إن صمت
ولم يوقفه عند حده. تنحنح بخشونة واستطرد يقول له بهدوء 
خلاص يا حاج فتحي مالوش لازمة العتاب دلوقتي اللي حصل حصل.
اضطر على مضض أن يبتلع