رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


المفترض أنها تخصه لاحظ وجود نفس الفروق على فترات متزامنة ليست متعاقبة لكنها متكررة بطريقة تدعو للاسترابة ناهيك عن ضياع بعض الفواتير ذات القيم الشرائية العالية. لف يده خلف رأسه ليضعها على عنقه ويفرك بها فقراته المتيبسة مرددا لنفسه
الحكاية دي مش طبيعية مش مرة والسلام!
قلب في الفواتير مجددا وفتش في الدرج السفلي الذي تتواجد به الأظرف باحثا عن فاتورة ضائعة أو أخرى تائهة بين مقتنياته لكن لا شيء مما ضاعف من حيرته توقف عن البحث وأرجع ظهره للخلف ليريحه متابعا حديث نفسه وكأنه توصل لاستنتاج ما
إما إن في حد بيسرقنا يا حد بيعمل شغل من ورانا.
أنهكه البحث عن التفسير المنطقي للتلاعب البائن في الأوراق التي فحصها وبالتالي لم ينتبه لمن يراقبه في الخلف غامت تعابير محرز وتوحشت نظراته بخطوات حثيثة انسحب قبل أن يلحظه وهو يتوعده
هو لو فضل على الحال ده كل حاجة هتتكشف يبقى لازم أتغدى بيك قبل ما تتعشى بيا.
كالمذعور قفز في مكانه حين باغته هيثم متسائلا من خلفه
بتعمل إيه يا محرز
استدار نحوه بوجه مڤزوع وادعى بالكذب وهو يحاول لملمة شتاته
بأراجع الطلبات اللي ورانا في دماغي الشغل اليومين دول كتير والحمدلله.
حك هيثم طرف ذقنه معلقا عليه بطرافة
إيه يا عم هتحسدنا ولا إيه!
رمقه بتلك النظرة الحادة قبل أن يوبخه
أنا عيني شبعانة طول عمرها الدور والباقي عليك يوم هنا
ويوم في أجازة تقولش موظف شغال في الحكومة.
رد عليه بتعصب
هو بمزاجي يا محرز ما إنت عارف المشاكل اللي واقعة اليومين دول ده غير أخت الجماعة هتتجوز.
كان في البداية غير منتبه لجدالهما الصاخب لكن إفصاحه عن قرب زواج فيروزة وتطرقه إلى سيرتها دفعت حواس تميم للتيقظ كليا واشتعلت بروحه المعذبة تلك النيران التي تلتهم صموده الزائف وتزيد من تحطيم فؤاده جاهد بكل ما امتلك من بقايا قوى وعزيمة على تجاهل ما يخصها لكنه فشل دوما تسحبه إلى دوامتها المهلكة وكأنها تعرف من أين تجيد تعذيبه. عض على شفته السفلى كاتما مشاعر الحنين لحب لا أمل فيه وخنق بقساوة دمعة غادرة فرت إلى طرفه ليهب بعدها واقفا ودافعا مقعده الخشبي للخلف قبل أن يلتفت نحوهما ليصيح بهما بخشونة
ما كفاية رغي بقى وكل واحد على شغله البضاعة لسه في سوق الجملة عايزة تتشحن على التلاجات.
نظر محرز في اتجاهه وقال بوجوم
أنا واخد الرجالة وطالع على هناك..
ثم الټفت ناحية هيثم ليسأله
جاي معايا
هز رأسه بالنفي وهو يرد
لأ رايح مع الجماعة مشوار عند الجواهرجي ولو خلصت معاهم بدري هحصلك.
انفلتت أعصاب تميم بعد جملته العفوية تلك بدا في تصرفه المنفعل عليه وكأنه قنبلة نزع فتيلها للتو فامتلأت الأجواء بالبارود الحارق حيث صړخ به
نسيبنا من شغلنا ونركز مع موال جماعتك يا هيثم ده مال ناس ومصالح ولا عايزنا نجيب ضرفها بدري!
رد عليه بأسلوب شبه هازئ
لأ يا معلم مش هتوصل للدرجادي أنا بردك خاېف على المصلحة .. وبعدين هانت .. كلها يومين وتتفض الليلة دي كلها.
طعنه بكلماته الأخيرة دون أن يدري فاحترق أكثر وانكوى بنيران هجر لن يتذوق مرارته سواه بلغ تلك الغصة التي تشكلت في حلقه وقال بجمود منهيا الحوار ومستديرا بظهره ليبتعد عنهما
يكون أحسن.
ركل تميم المقعد بقدمه في عصبية فأسقطه أرضا مما سبب صخبا مزعجا وجمع الدفاتر معا ليعيدها في مكانها بالخزينة قبل أن يغلقها وينصرف. تابعه كلا من محرز وهيثم بنظرات متعجبة فتساءل الأول في استغراب
هو ماله ده
أجاب الأخير بنفس الحيرة
مش عارف!
ربت محرز بيده على ذراعه وأضاف وقد هم بالتحرك
طيب خليك إنت هنا وأنا ماشي.
اكتفى بهز رأسه وظل ماكثا في الدكان يدير حركة العمال بعد ذهاب الجميع.
.........................................
لسه زي ما إنت
تساءل محرز بتلك الجملة الساخرة وهو يدفع الباب ليلج للسطح ليجد نوح ما زال ېدخن تلك النارجيلة المشبعة بالمواد المخدرة وهو يجلس مستلقيا على الوسائد الأرضية انضم إليه وجذب منه خرطومها ليسحب نفسا عميقا يختبر به مدى جودة المنتج أطلق الدخان في الهواء وقال في مدح
حتة أصلي يا صاحبي.
قال بتفاخر وهو يستعيد خاصته ليستنشق دخانها
إنت عارفني في المزاج أستاذ.
أثنى عليه محرز بهدوء
طبعا.
ثم مد يده ليتناول إحدى زجاجات البيرة نزع غطائها وألقاه على الأرضية ثم تجرع ما بها في جوعه لتتقلص عضلاته مع مذاقها اللاذع أدار رأسه في اتجاه رفيق السوء عندما تساءل بفتور وهو يضبط حجر الفحم المتقد ليزيد من وهجه
ها .. السبوبة إيه المرادي نقلة جديدة
نفى موضحا بغموض مثير
لأ حريقة كبيرة.
بدا من حديثهما المتبادل في اقتضاب أنها لم تكن المرة الأولى التي يتشاركان فيها في أعمال غير مشروعة تساءل نوح بفضول وقد أظهر استعداده للمشاركة
حلو .. فاضي ولا مليان
رد غامزا له بابتسامة منتشية
مليان يا بونط.
حرر نوح أنفاس الدخان من صدره وقال بتلميح متوار
كده الفيزيتا التكلفة هتعلى!
أكد له بثقة ملموسة في صوته وتعابيره المستريحة
متقلقش.. هنتراضى كويس.
تساءل وخرطوم نارجيلته بين شفتيه
زي الفل الكلام على مين بقى
جاوبه بغموض ونظراته تحولت
للقتامة
واحد حبيبك..
سأله مستفسرا قبل أن يسحب نفسا آخرا عميقا حپسه للحظات في صدره المحترق
مين يعني
ثوان لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة صمت خلالها لينطق بعدها مفصحا عن هوية الضحېة الجديدة
تميم ودكانه.
بمجرد الإعلان عنه هبطت الصدمة غير المتوقعة على رأسه لتصيبه بالارتباك والذهول اختنق بدخان نارجيلته وسعل بقوة جارحا أحباله الصوتية بصوت مبوح مختلط ببقايا الدخان والسعال سأله في توجس مندهش
نعم .. تميم بتاعنا ابن الحاج بدير
حرك محرز رأسه بإيماءة بسيطة دون أن يبدو عليه التعاطف معه وقال مؤكدا وبحسم وتلك اللمعة الشيطانية تتراقص في نظراته
أيوه .. هو المغضوب عليه ..!!!
الفصل الرابع والستون
كان من العسير عليه أن يستوعب فكرة التخلص من أحد أهم رجال منطقتهم الشعبية ممن يملكون الصيت القوي والسلطة غير المحدودة ناهيك عن سيرة واسعة النطاق بين أوساط رجال السوق والتجار الثقال. ظل نوح باقيا على حالته المندهشة محدقا في وجه محرز بنظراته المصډومة لعق شفتيه وسأله مجددا ليتأكد من كونه لا يهزئ وأن مفعول المخدر لم يعبث برأسه حقا 
إنت بتكلم عن المعلم تميم بتاعنا مش حد تاني ولا ده المدعوق اللي بأشربه
أجابه ببرود وهو يحرر دفعة أخرى من الدخان من صدره 
أيوه هو!
دعك وجهه بيده المتعرقة وصاح متسائلا في توتر 
طب ليه وعشان إيه
استوى على المقعد الهابط واسترخى أكثر عليه قبل أن يجيبه بغموض وبلهجة شبه آمرة 
من غير ما تسأل وتوجع دماغنا نفذ على طول
ثبت عينيه عليه وأظهر تردده بوضوح عندما أكمل 
بس الحكاية كده ماتطمنش طول عمر المعلم جدع معانا وآ...
قاطعه بجمود وتعابيره القاسېة بائنة للعيان 
ساعته أزفت كفاية عليه كده!
اعترض بنفس الخۏف البائن في نبرته 
بس آ...
تلك المرة قاطعه بحزم ليقطع عليه السبل للتراجع 
بأقولك إيه ماتلوكش كتير واعتبره زي أي مصلحة بنخلصها الفرق هناخد سبوبة زيادة.
ورغم هذا رد نوح بتوجس مڤزوع 
ده احنا هنهيج علينا الدنيا كلها المعلم تميم مش واحد عوأ والسلام ده آ....
توقف عن الكلام ليبتلع ريقه لكن محرز مد ذراعه ناحيته ووكزه برفق فيه ثم غمز بطرف عينه يستحثه 
ماتخافش وخلي قلبك جامد دي زي طلعات زمان.
لم يخبت خوفه بل زاد عليه موضحا هواجسه 
ده أنا لازم أخاف وأعمل حسابي مليون مرة ده المعلم تميم هو إنت بتكلمني عن واحد صايع ولا موظف كحيان ده ليه شنة ورنة!
سأم من خذلانه الواضح وهدر به يوبخه 
يخربيت المعلم زفت بتاعك ده فلقت دماغي بيه...
ثم لانت نبرته قليلا حين استخف به 
ده ولا يقدر يعمل أي حاجة صدقني اللي زي تميم ده من بتوع الصيت ولا الغنى.
تساءل نوح ببساطة وقد رأى مدى بغضه له في حدقتيه 
للدرجادي إنت بتكرهه!!
رمقه محرز بتلك النظرة النافرة قبل أن يبعد نظراته عنه وعلق بفتور 
لا كره ولا محبة أنا مع المصلحة مطرح ما تكون!
لم يسترح لرده ولا للمسألة برمتها شعر أنها ستكون بداية النهاية لمسيرتهما غير المشروعة لفظ زفيره ببطء من صدره وهمهم بارتعاب معلوم أسبابه 
استرها علينا يا رب!
.........................................................
تصدع غير مرئي شعرت به في علاقتها معه رغم تلك الابتسامات المنمقة التي تغطي محياها لتشعر من حولها أنها حقا تهتم لأمره أغدق عليها بكل ما تحتاج إليه الفتاة من المحبة الاهتمام والتفاهم ليستحوذ عليها قلبا وقالبا لكن علاقتهما افتقرت إلى الانسجام والتناغم. لم تجد روح فيروزة الضائعة نصفها المكمل في شخصه الهادئ بدا بأسلوبه المنظم والدقيق غريبا عنها وإن كان يسعى بشتى الطرق ليشعرها بقربه وتواجده في محيط حياتها بذلت جهدا مضاعفا لتجبر عقلها وقلبها معا على فكرة تقبله وكان ذلك من الأمور المستعصية عليها مذكرة نفسها أنه لم يفعل ما يسئ لها مطلقا دوما يعاملها بلباقة وتهذيب يمنحها معطيات السرور الأولية لهذا بعقلانية رجحت كفة الميزان المنطقية واستمرت في مسعاها لإتمام زيجتهما.
زيارة شبه يومية كان يقوم بها ليحرص على إنجاز ما تم الاتفاق عليه أولا بأول وفي مرته تلك جلس منفردا بها في غرفة الصالون بمنزلها إحساسا من الرهبة اتخذ طريقه إليها وتسلل أسفل جلدها بعد أن منحها مظروفا مغلفا يحوي الأوراق التي تخص سفرها
رفعت أنظارها لتتطلع إليه وهو يوضح لها بابتسامته الثابتة 
كل حاجة مترتبة يا فيروزة مش ناقص بس غير إنك تنوريني في بيتنا المتواضع في دبي.
بادلته نظرات تائهة لم يكن بالمازح حين أخبرها أنها ستنتقل للإقامة معه بعد عقد قرانهما ببضعة أسابيع قطعت صمتها اللحظي لتسأله 
هو لازم أسافر
رد آسر متسائلا بنوع من العتاب الممتزج باللؤم 
يعني ينفع كل واحد فينا يفضل في بلد 
بدت تعبيراتها غير مسترخية وهي تعقب عليه 
أنا كنت مفكرة هنكتب الكتاب ونقعد فترة عقبال ما نوضب بيتنا هنا ونتجوز فيه وبعد كده نسافر سوا.
أكد لها بابتسامة أكثر اتساعا تناقصت مع استمراره في حديثه 
ده هيحصل وبيتي موجود زي ما قولتلك...
تنهد سريعا وعلل لها ساردا أسبابه 
بس هياخد وقت في التوضيب لأنه قديم فمالوش لازمة التأخير عشان أظبط مع شوية عمال ومقاولين وبتوع نجارة ومش عايز أقولك إن كل يوم يدوني ميعاد شكل ومافيش حد بيلتزم ولا حاجة بتخلص في وقتها ...
ثم تجرأ ليمسك بيدها الموضوعة في حجرها احتضنها بين كفيه وأسبل عينيه نحوها قائلا لها بتنهيدة بطيئة 
وبعدين يا حبيبتي أنا بعد الثواني عشان نكون سوا.
شعرت بقشعريرة مزعجة تجتاحها لمجرد تلمسه لها دون استئذان سحبت يدها سريعا للخلف لتتحرر منه وقالت بوجه شبه عابس كأنه تهذبه 
لو سمحت مش بحب كده.
هز رأسه بإيماءة متفهمة وقال دون أن تخبو بسمته وهو يعيد ظهره للوراء 
براحتك .. وأنا مش حابب إني أضايقك.
وعلى حين غرة ولج خليل للداخل لينضم إليهما مرحبا بضيفه 
منور يا عريس.
استدار آسر برأسه نحوه ورد مجاملا 
البيت منور بأصحابه دايما يا أستاذ خليل.
سأله الأخير مستوضحا 
على ميعادنا الخميس الجاي إن شاء