رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


في صالة منزله والذي يشبه تلفازا صغيرا معتقدا أنه أحد قطع الديكور المهداة ربما من زوجته أو شقيقته خاصة مع تغطية والدته له بقماش مطرز لحمايته من الاتساخ كعادة معظم الأمهات. 
كان المنزل خاليا من والدته وبالتالي كانت المهمة بسيطة لا أسئلة ولا استفسارات فضولية تحتاج لتبرير. جلس الشاب المختص بتركيب الكاميرات وتفريغها على مائدة الطعام موصلا حاسوبه الشخصي بالجهاز الآخر تطلع تميم إلى شاشة الحاسوب المحمول وحملق فيها مراقبا ما يفعله بحيرة ما استطاع أن يفهمه من ثرثرته المملة طوال عمله المتلكع أن الذاكرة المستخدمة في تسجيل ما يدور تمحو تلقائيا ما يوجد عليها بعد وصولها لعدد معين من الساعات وامتلائها لتبدأ عملها من جديد وسعة تلك الذاكرة يجعلها تستغرق ما يقرب من الأسبوع. تنفس الصعداء فهناك احتمالية كبرى لتسجيل الشجار ارتكزت كامل حواسه على تفريغ الأشرطة وكانت المفاجأة من الزاوية العالية الموضوعة بها الكاميرا حين رأى خلود تبعد مسافة خطوتين عن فيروزة ولا تمكن الأخيرة بأي حال من الوصول إليها ودفعها كما أظهرت انزلاق قدم الأخيرة بميلها الزائد للخلف دون أن ټلمسها يد. رفع أنظاره نحو والده وجده اللذين كانا يراقبان الشاشة مثله نطق والده أولا وكأنه يحاول الكشف عن نواياه
هتعمل إيه يا ابني
أجابه تميم مبتسما بثقة وبكلمة موجزة
الصح..
ثم وجه حديثه للشاب بما يشبه الأمر
حطلي الفيديوهات دي على فلاشة.
هز الشاب رأسه طواعية وهو يرد
ماشي يا معلم.
رفع تميم رأسه في اتجاه والده حين طلب منه والده بهدوء جاد
تعالى يا ابني عايزك في كلمة.
انصرف معه بعيدا عن الشاب لكون الموضوع حرجا وخاصا استطرد بدير يحذره بلهجة جادة
خالتك مش هتعدي ده على خير.
وقبل أن يعلق عليه رد سلطان الذي تبعهما بحسم
بنتها السبب تستحمل بقى غلطها.
قال له بدير بتوجس
الموضوع كده هياخد سكة تانية خالص يا حاج بوليس ونيابة وجايز محكمة وبثينة دماغها شيطان.
تنحنح مرددا بتريث
هنحاول نلمه.. وبالعقل.
هتف تميم بنبرة عازمة وعيناه تلمعان بوميض غريب لكنه مشرق وممتلئ بالحماس
هنشوف حكايتها بعدين المهم دلوقتي الغلبانة اللي اتظلمت بسببها وكانت هتضيع من غير ذنب.
...........................................................
ساعات مكثها أمام القسم الشرطي منتظرا قدوم الضابط المسئول عن التحقيق في البلاغ المقدم ضد فيروزة وبصحبة محاميه من أجل تقديم دليل براءتها وإن كان يعني ذلك نشوب مشكلات عائلية لاحقة لتوريطه طليقته السابقة في مسائل قانونية تخص تقديم البلاغ الكاذب وتبعاته وربما لجوء الأولى لرفع قضايا ثأر شخصية لرد الاعتبار. لم يكترث لكل ذلك المهم حاليا أن يوفي بوعده الذي قطعه لها وما إن التقاه الضابط محمود حتى أعطاه الفلاشة على عجالة ليقول له موضحا
دي نسخة يا باشا وتقدر تشوف الأصل من الكاميرات عندنا.
تفحصها الضابط بأصابعه قبل أن يضعها في المكان المخصص لها ليوصلها بجهازه ثم قام بتشغيل محتوياتها وتابع ما تعرضه التسجيلات باهتمام ليهز بعدها رأسه في استحسان أوقف تشغيل ما يعرض والټفت إلى تميم ليسأله بنوع من الفضول
بس مش غريبة إنك بنفسك جاي تعمل كده والموضوع كله يخص مراتك
صحح له بنظرات نافذة وتلك البسمة الخفيفة تتشكل على زاوية فمه
طليقتي يا باشا وماينفعش أسكت عن الحق.
مط ثغره في إعجاب للحظة ثم قال
تمام.
تساءل تميم في تلهف متحمس ونظراته تتجول على وجه الضابط ومحاميه
إيه اللي هيتعمل بعد كده
هنا أخبره المحامي بهدوء
متقلقش يا معلم تميم ولا تشغل بالك الإجراءات معروفة وأنا هتابع بنفسي كل حاجة وهتأكد إن الأستاذة فيروزة معدتش
طرف في أي حاجة.
تحولت أنظار تميم نحو الضابط محمود الذي أضاف عليه بابتسامة متكلفة وهو يسحب فاتحة الأظرف من غمدها ليعبث بها كلازمة معتادة منه
زي ما المحامي قالك.. اطمن.
نهض واقفا ومد يده لمصافحته وهو يشكره بامتنان
متشكرين يا باشا.
تراجع محمود في مقعده وأراح ظهره معلقا بقليل من السخرية
أنا معملتش حاجة بالعكس إنت اشتغلت شغل الداخلية!
منحه تميم ابتسامة صغيرة صامتة لكن صوته الداخلي انطلق في جنباته وعقله يجسد ملامح وجهها في مخيلته
طالما ليها أنا مستعد أشتغل أي حاجة.
.......................................................................
انتصفت الشمس في كبد السماء ولم تمنع الستائر الخفيفة أشعتها من اختراق الزجاج لتملأ الأرضية بها وطيف وجهه المتلهف خوفا عليها يحتل المساحة الخالية على البلاط اللامع. باعدت فيروزة نظراتها الشاردة عن وهم صورته لتحدق في وجه الضابط محمود الذي جاء إليها خصيصا ليخبرها بالتطور الجديد في البلاغ المقدم ضدها وكيف انتهى بأعجوبة لصالحها. لم ترمش بعينيها رغم صډمتها من تصرف تميم فلم يخطر على بالها مطلقا أن يبذل قصارى جهده وأزيد لأجلها بدا الأمر محيرا وموترا ملبكا إن دق التعبير توقفت عن شرودها محافظة على جمود ملامحها لتسأله بلهجة هادئة
يعني أقدر أمشي من هنا
أجابها ببساطة
أيوه طبعا إنتي حرة تتحركي وكمان الأمن اللي واقف برا خلاص مالوش لازمة.
هزة خفيفة من رأسها صاحبها ردها المختصر
كويس.
وقبل أن ينصرف محمود من الغرفة أشار لها بسببته مرددا
حاجة أخيرة بس محيراني.
نظرت له بحاجبين معقودين وهي ترد
إيه هي
أمسك بقبضته حافة فراشها المعدني وأجاب
إنتي مزعلة مين عشان يوصي عليكي بالشكل الغريب ده رغم إنه محضر عادي لسه قيد التحري!
زادت تعبيراتها تعقيدا وهتفت
مش فاهمة!!
بسط لها سؤاله المحير قائلا
يعني في حد حاطك في دماغه وحد مش سهل كمان!
سكتت للحظات تدير الأمر وتفكر فيه مليا في عقلها بلعت ريقها في حلقها الجاف وسألته بحيرة ملموسة في صوتها
وأنا المفروض أقلق ولا أعمل إيه
رد بدبلوماسية
خدي بالك وخلاص .. 
ثم ابتسم منهيا حديثه معها بقوله
وحمدلله على سلامتك مرة تانية.
قوست شفتيها قليلا لتظهر ابتسامة باهتة عليهما وهي ترد
الله يسلمك.
شيعته بنظراتها إلى أن خرج من الغرفة لتستغرق في أفكارها الحائرة مجددا وبشكل أعمق سؤالا واحدا ظل يلح عليها
مين ده اللي عايز يأذيني!
لكن أفعال تميم وشهامته الزائدة معها عادت لتطفو على السطح وتلهيها عن التفكير مؤقتا في أي شيء .. سواه!
................................................................
لم يمر الكثير بعد على زيارة الضابط محمود لتأتي إليها علا حاملة بطول ذراعها لباقة من الورد الطبيعي الأبيض أسندته على طرف الفراش وجلست إلى جوارها ماسحة بيدها على كفها نظرت نحوها وابتسمت قائلة في لطف
حبيبتي.. قلبي عندك.
وقبل أن تخبرها فيروزة بشيء تجمدت الكلمات على طرف لسانها بسبب رؤيتها ل آسر الذي انضم إليهما وفي يده علبة شيكولاته فاخرة وضعها على الطاولة واستقر في المقعد متسائلا في اهتمام مبالغ فيه
عاملة إيه دلوقتي
أجابت على مضض وبضيق لم تسع لتغطيته
الحمدلله.
أشار بعينيه نحو باب الغرفة المفتوح وعلق متسائلا
بس مش غريبة إننا ملقناش حد من الأمن برا يعني على حسب ما عرفت كانوا مانعين الزيارة وآ...
قاطعته بجدية بحتة وعيناها تحدجاه بنظرة غامضة
ما هو الأخبار الحلوة مابتوصلش زي الۏحشة.
سألتها علا مستفهمة ووجهها يعلوه ذلك التعبير الحائر
يعني إيه
التفتت برأسها نحوها وأجابت على مهل بدون التطرق لأي تفاصيل
المشكلة اتحلت كان في سوء تفاهم..
ثم استدارت في اتجاه آسر وأكملت
ومكانش في داعي تتعبوا نفسكم.
ردت عليها علا بعتاب رقيق
إزاي تقولي كده أنا والله اټجننت لما عرفت من ماهر باللي حصل وبعدين تتصلي بأخويا وماتكلمنيش أنا
تنحنحت بخفوت وابتسمت وهي تجاوبها
محبتش أقلقك على
أساس إن ساعتها مكونتش عارفة أتصرف إزاي وهو بيفهم في الحاجات دي بس الحمدلله كله بقى تمام.
تحركت أنظارهما في اتجاه الباب عندما بادر آسر مرحبا بأحدهم بود شديد
جاي بنفسك يا وجدي إيه الصدف الحلوة دي
تحرجت فيروزة من كثرة الزيارات الذكورية والتي لا طائل منها سوى إرهاقها وتقييد حريتها بالطبع رسمت تلك الابتسامة السخيفة على محياها وهي تشكره على قدومه ولم تسلم من بعض النصائح الوجوبية منه بضرورة تجنب كافة أنواع الشجارات والمشاكل والتي تنتهي بتواجدها في قسم الشرطة. قبل أن ينصرف تساءل وجدي مخاطبا علا
لو خلصتي أخدك في سكتي أنا رايح ناحية بيتكم.
التفتت تلقائيا ناظرة إلى آسر كان التردد واضحا عليها لكن تلك النظرة الغامضة من الأخير منحتها الجواب الحاسم بالذهاب معه وتركه بمفرده مع فيروزة عبثت بحقيبتها وردت بابتسامتها المشرقة
أوكي.. أنا مش عايزة أتعب فيرو هي أكيد محتاجة ترتاح.
ثم نهضت لټحتضنها وودعت آسر قائلة له وكأنها توصيه
خد بالك منها
رد بابتسامة عريضة
في عينيا مټخافيش عليها.
كانت حيلة مكشوفة ومفهومة لها ظلت محافظة على هدوئها ورفيقتها تلوح لها بيدها لتنسحب مع وجدي حاولت فيروزة ألا تحدق في اتجاه زائرها الأخير ضغطت على أصابعها في توتر حيث أن تواجده معها في الغرفة بمفردهما لم يكن من الصواب اختفت ابتسامتها الباهتة وطلبت منه بتحفظ
تقدر تمشي يا أستاذ آسر أنا بقيت كويسة وكمان عشان معطلكش.
ارتبكت وكسا وجهها الشاحب القليل من الحمرة حين وجدته ينهض من مكانه ليقرب مقعده من فراشه تقريبا ألصقه به ورد في عتاب محب ورأسه ينحني في اتجاهها
أستاذ وتعطليني ينفع كده يا فيروزة
رمقته بنظرة صارمة وهي تطلب منه
لو سمحت ممكن تبعد شوية كده أي حد ممكن يفكر إن بينا حاجة وأنا مش عايزة شوشرة
بامتعاض منزعج قال لها
حاضر.. طالما ده اللي عايزاه.
تراجع بمقعده خطوتين للخلف لكنه أبقى انحناءة ظهره نحوها واستأنف حديثه معها قائلا بأسلوبه الناعم
أنا مش فاهم إزاي يعملوا كده مع واحدة محترمة زيك
كانت غير رائقة المزاج لتبادله الحديث يكفيها ما مرت به ليعيد تذكيرها بالتفاصيل البغيضة إلى نفسها اشتدت تعبيراتها وحملقت ناحيته باستغراب وقد هتف عاليا
أنا استحالة أسكت عن المهزلة دي هو كل حد يقول كلمتين خلاص يصدقوه ويجرجروه على الأقسام البلد دي فيها قانون وإجراءات رسمية لازم تتعمل قبل ما حتى يفكروا يقبضوا عليكي.
علقت في هدوء
الموضوع اتحل فمالوش لازمة نتكلم فيه.
أسبل عينيه نحوها يخبرها بكلمات بطيئة
لأ ليه لازمة إنتي غالية عندي أوي حتى لو مافيش نصيب بينا ..
أحنت رأسها على صدرها حرجا منه لم تحبذ تطرقه لتلك الجزئية المصحوبة بذكريات مڈلة تزيد من إحساسها بالخذلان ابتسم آسر وهو يعاتبها
وبعدين ينفع أعرف من برا ومش منك ده لولا علا كلمتني تستنجد بيا مكونتش هعرف باللي حصلك!
ضغطت على شفتيها قبل أن تحررها لتعلق عليه
أستاذ آسر أنا آ....
امتدت يده لتمسك بكفها انتفضت في ارتباك حرج ورمقته بنظرة حادة كانت على وشك جذب يدها من أصابعه القابضة عليها لكنه رفض تركها تتملص منه واعترف لها وعيناه تسبحان في نظرات عينيها
أنا بأحبك يا فيروزة!
لم تتوقع بوحه بمشاعره رغم صدها له بكل الطرق الممكنة ولكن هز الغرفة صوتا رجوليا غاضبا يتهمها بوقاحة عرفت صاحبه الفظ على الفور دون الحاجة للنظر في وجهه المقيت
إيه جو الغراميات ده إنتي عاملة فيها عيانة ولا مقضيها مسخرة وقلة أدب هنا!!!
استعادت فيروزة يدها وهتفت محتجة على اتهام فضل المسيء لها
ماسمحلكش
في حين انتفض آسر من مكانه ليحدجه بنظرات معادية وحذره بشدة
إنت مين
يا كابتن وإزاي تدخل علينا الأوضة كده
قست ملامح فضل وزجره بسباب حاد قاصدا التشاجر معه وبكراهية واضحة اندفعت