رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


إن قرر زوجها المبيت هناك وبالتالي لم تجد أي صعوبة في تبديل ملابسها المليئة بالكورسين بأخرى نظيفة مرتبة. انتظرت خلود زوجها بالجلوس في منتصف الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها وتعقد ذراعيها حولهما. أخفت تلك البسمة اللئيمة التي تقاتل للظهور على محياها بعد تمثليتها الهزلية تنفست الصعداء لكونها انطلت عليهم وإلا لاضطرت لحړق جزء من جسدها وتشويهه وحينها لن يرغب حبيبها في التطلع إليها.
اعتقدت أنه سيكون غبيا ليفرط في جنينه المنتظر مهما كان يمقتها وأمام والديه ليبدو مذنبا في أنظار الجميع إن تركها تتصرف برعونة. جفلت بقوة حين فتح الباب فجأة أرجأت أفكارها الشيطانية لوقت لاحق وارتدت قناع الخۏف. نظرت بترقب لزوجها الذي أطل منه تشجعت تناديه بصوت أقرب للهمس
تميم!
احتقرها بنظراته القاسېة وكأنها قمامة لا ترتقي حتى للحديث معها شعرت بازدرائه المهين لها دون أن ينبس بكلمة أغلق الباب من خلفه واستقام واقفا يرمقها بتلك النظرات المليئة بالبغض والحقد .. ورغم هذا جاهدت لتستدعي دموع غير موجودة لتعتذر منه
أنا أسفة...
تجمد في مكانه ينظر لها مليا بغموض لم تسترح له نظرات التوق والتلهف كانت أبعد ما يكون عنه بل بدا النفور والاشمئزاز الأقرب للوصف. تحركت من على الفراش لتهبط عنه وتمهل حذر تقدمت نحوه. لم تتجرأ على لمسه رغم حاجتها إلى الشعور بامتلاكها له اكتفت بالنظر في عينيه وتابعت پانكسار
اللي حصل ده كله مش هايتكرر تاني..
ثم أخفضت يدها لتتلمس بطنها بحركة دائرية وألحت عليه راجية
وحياة ابنك تسامحني أنا مقدرش استغنى عنك...
كان صامتا للحد الذي منحها المزيد من الثقة لن يجرؤ على المساس بها في منزل أهله ليس على تلك الدرجة من الحماقة. تشجعت لتقلص المسافات بينهما بعد أن رأت جموده واعتقدت أنه سيرتضي بالأمر الواقع ولن يتخذ موقفا عدائيا نحوها. أسبلت عينيها نحوه ثم هتفت تعبر له عن حبها المتيم الذي يحرقها
إنت حبيبي وبس.. أنا ماحبتش في حياتي إلا إنت وكنت مستعدية أستناك العمر كله.. ماتبعدش عني يا تميم ارضى عني يا حبيبي.
سألها بوجه جامد غير مقروء التعبيرات
تفتكري بعد اللي عملتيه ده أنا أتصرف إزاي
تخلت كليا عن رهبتها الزائفة أمام سلبيته الواضحة ربما سلاح إغرائه كان ناجحا ليجبره على نسيان ما اقترفته. مدت يدها لتمسك بذراعه ولم يعترض أو ينبذها. ظلت عيناها ترتكز على عينيه الصارمتين وردت بأنفاس شبه لاهثة
أعمل فيا أي حاجة إلا إنك تسيبني..
منحها بسكوته الضوء الأخضر لتتمادى معه لذا شبت على قدميها واشرأبت بعنقها نحو وجهه لتقترب من شفتيه ثم همست له بلوعة وتلهف 
ولو عاوزني أقاطع أمي أنا موافقة المهم عندي إنت وبس.
نظر لها شزرا لم يبدو مقتنعا بأي حرف تتفوه به وإن كانت صادقة فحتى أسرار الزوجين والمتمثلة في نظرة كالمقدسات انتهكتها بوقاحة دون ندم أو خوف واليوم لا مانع لديها في قطع صلة الرحم مع الأقرب إليها فقط لكسب وده واستعادته إلى أحضانه بشكل لا تقبله أي زوجة تمتلك كرامة بعد ما ارتكب في حقها. تلك الطريقة المبتذلة التي تعرض بها نفسها عليه لم يستسغها. أزاح يدها بعيدا عنه ورفضها بشكل مشمئز انعكس على تعبيرات وجهها المصډومة ليقول بعدها بجمود وتلك النظرة الجليدية تعلو وجهه 
أمك ماتخصنيش العيب من الأول عليكي إنتي.
ورغم النظرات المهينة التي يرمقها بها إلا أنها قالت متسولة مشاعره من جديد
أنا غلطانة وصدقني مش هايحصل تاني.
حاولت التودد إليه بشتى الطرق ليتجاوب معها لكنه لم يتأثر مطلقا مما أقلقها وقبل أن تواصل ما تفعله نبذها بالابتعاد عنها .. تطلعت إليه بغرابة كانت دوما تنجح في جره لشباك أنوثتها ومع ذلك بدا كالصنم لا يبالي بما تمنحه له. بلعت ريقها وسألته بقلق واضح عليها
تميم رد عليا إنت ناوي على إيه خلاص سامحتني قولي ماتفضلش ساكت كده.
اتجه نحو باب الغرفة ليقول لها بغموض أربكها
كل وقت وليه أدان.
ضاقت عيناها متسائلة في توتر
قصدك إيه
تجاهلها مبتسما ابتسامة جابنية أثارت حفيظتها تبعته
متسائلة في جزع
رد عليا يا تميم.
بإشارة صارمة من سبابته أوقفها آمرا بما يشبه الټهديد
مكانك ماتطلعيش برا الأوضة دي.. ده لو مش عايزة تخسريني!
هزت رأسها في انصياع ودون إعادة التفكير قالت والقلق يعتريها
حاضر..!!!
الفصل الثامن والأربعون
على الرغم من مغيب الشمس وحلول الظلام إلا أن هذا لم يمنعه من القيام بتلك الزيارة الاستثنائية لها ليطرق على الحديد وهو ساخن. لم تتوقع بثينة رؤية ابن أختها واقفا على أعتاب منزلها بالطبع كان من البديهي أن تظن أنه قد جاء لټهديدها وربما الاڼتقام منها لفضحه بوقاحة لكنها كانت أقوى من الشعور بالضعف أو الندم رمقته بنظرة مستخفة به وسدت عليه المدخل متسائلة بفظاظة
جاي ليه يا ابن بدير
رد عليها تميم بنوع من العجرفة وهو يجوب عليها من رأسها لأخمص قدميها بنظرة احتقارية صريحة
كويس إنك عارفة أنا ابن مين وابن بدير لو ليه حق عند حرمة هياخده برضوه!
استشعرت الټهديد من نبرته ونظراته فاتخذت موقفا هجوميا وقالت متعمدة التقليل من شأنه بأسلوب سافر
إنت جاي تهددني في بيتي دي القوالب نامت والأنصاص قامت.
فرد ذراعه ليستند على حافة الباب وانتصب بكتفيه متطلعا إليها بنظرة خالية من أي عطف ثم استطرد يقول بصوت أقرب للفحيح تسلل إلى بدنها وأرعبها
الټهديد دي للهفأ أنا بأجيب حقي بإيدي ومن كل واحد جاب في سيرتي بالغلط.
لن تنكر بثينة أنها شعرت بالخۏف من طريقة تحديقه به لم يظهر عليه المزاح كان ېقتلها بنظراتها على الفور تبدلت تعبيراتها للحزن وادعت النحيب ثم قالت بصوت متقطع
كل ده عشان بأحمي بنتي بقى تهون عليك يا تميم تضربها وعاوزني أسكت حرام والله طب واللي في بطنها عاوزها تسقط ده أنا أم وبأحس بضنايا.
أطلق ضحكة عالية هازئة بها قبل أن يصمت فجأة ليقول ساخرا منها
إيه الحنية دي كلها بس تصدقي مش لايقة عليكي خالص!!
واصلت عويلها قائلة
الله يرحمك يا غريب مۏت وسبتنا آ....
اخشوشنت نبرته على الأخير واشتدت عروقه حين قاطعها بغتة
بلاش جو الصعبنيات ده لأحسن مابياكلش معايا اللي ماټ ماټ خلاص ولو عاوزة الحي يحصله فأنا جاهز!
عفويا تلمست عنقها مرتعدة من فكرة إقدامه على زهق روحها أوحت لها هيئته الغريبة أنه قادر على تنفيذ ذلك دون أن يجفل سألته من تلقاء نفسها آملة ألا تكون هي المنشودة بتهديده الضمني
قصدك عليا أهون عليك عاوز ټموتني يا تميم ده أنا أمك التانية
رد مصححا بوقاحة
أنا ماليش إلا أم واحدة.. 
ثم صمت للحظة قبل أن يكمل وصلة إرهابها
اللي يمسيني أخرته كفن ونعش فاللي يجي في دماغك يا خالتي إنتي بنتك ابنك .. مش فارق معايا لا ډم ولا نسب ولا صلة رحم! أصل في كتير عاوزين الدبح والناس ماهتصدق تترحم عليهم.
شحب وجهها بشكل مخيف خاصة مع إشهاره لمدية صغيرة أمام عينيها فجأة انتفضت لاطمة على صدرها وقد كتمت شهقة مذعورة وحبستها في جوفها. سلك تميم بطرف المدية المدبب أسنانه الجانبية خاتما حديثه بما يشبه النصيحة
أحسنلك تصلحي الليلة بدل ما تردم في الآخر عليكي.
هزت رأسها بإيماءات متعاقبة تعبر عن قبولها وبإبهامه أعاد النصل الحاد إلى جرابه.. كان على وشك الانصراف لكنه تذكر جملة جده التي أوصاه بترديدها على مسامعها قبل أن يرحل. راقب ردة فعلها عن كثب فعمد لتنفيذ ذلك حرفيا وقال وهو يتجه للدرج
أه صحيح.. لسه بتشيلي الفلوس تحت البلاطة جمب سريرك ولا غيرتي النظام
تلبكت وردت پذعر
إنت.. بتتكلم عن إيه
اكتسب وجهه طابعا غامضا أصابها بمزيد من الخۏف تحدث من زاوية فمه يودعها مشيرا بإصبعيه على جبهته
سلام يا خالتي!
لم ينظر نحوها مستشعرا حالة الذعر البادية على تقاسيمها وهبط الدرجات مدندنا بصافرة بطيئة لاستفزازهاغمره شعورا عظيما بالارتياح افتقده لوقت كبير حان وقت الٹأر ورد الاعتبار!
.........................................................................
عاد تميم إلى أرض الواقع
متأملا من حوله بنظرات عابرة جالت عيناه على الأوجه المتزاحمة والتي ملأت مدخل البناية تقريبا. حرك رأسه للجانبين محاولا الرؤية من بين تلك الرؤوس المتداخلة كان يبحث عنها تحديدا ولمحها من على بعد فتأهب في وقفته نافضا وراء ظهره غضبه الذي اندلع قبل قليل. رفعت فيروزة طرفي ثوبها حتى لا تتعثر في خطواتها خلال سيرها خلف توأمتها العروس فالذيل الذي امتد لما بعد أطرافه شكل عائقا مزعجا لها تابعتها بنظرات مسرورة لفرحتها الظاهرة عليها لمسة جادة من يد علا على كتفها أجبرتها على الالتفاف والنظر نحوها فاقترحت عليها رفيقتها وكأنها تفرض الأمر عليها
تعالي عشان تركبي معانا.
سألتها فيروزة باندهاش غير متوقعة أن يبادر أي أمر آخر لذهنها
أركب فين
ردت ببساطة وتلك الغبطة ظاهرة عليها
معايا أنا وآسر.
على الفور تحولت أنظارها نحو السيارة المصطفة خلف سيارة العروس لتجد ذلك السمج يقف عند مقدمتها عاقدا لذراعيه أمام صدره أبعدت عينيها عنه والتفتت تسألها باستغراب مستنكر
هو مش رجله مکسورة بيسوق إزاي أصلا
ربما لم تنتبه لتعافيه فأجابتها بمنطقية
ما هو فك الجبس من كام يوم أنا كنت معاه يالا بقى قبل ما يتحركوا.
ردت عليها معتذرة بوجه منقلب
مش هاينفع يا لولو أنا وعدت همسة إني هاركب معاها.
وببديهية معروفة كما المعتاد سألتها علا
ليه هي أخت العريس مش هتركب 
نفت بزفير منزعج
لأ.. هي مش موجودة هنا أصلا.
هزت رأسها معقبة عليها
تمام.. فهمت.. عموما احنا وراكو..
ثم احتضنتها دون مقدمات وهنأتها بلطف مرح
ومبروك يا قلبي
ربتت على ظهرها تجاملها
الله يبارك فيكي.
عضت علا على شفتها السفلى وقد حانت منها نظرة سريعة نحو آسر لتقول بعدها بتنهيدة هائمة
هابقى أقرصها في ركبتها .. مش بيقولوا كده برضوه
ابتسمت فيروزة وهي ترد
أيوه.. عشان تحصليها في جمعتها
خرج من جوفها تنهيدة أخرى راجية رددت خلالها بأمل كبير
يا ريت
......................................................
استقرت في المقعد الخلفي بعد ترتيب ثوبها ليكفي المساحة الشاغرة المخصصة لها وتلميحات فيروزة باتخاذ حذرها حتى لا يتجعد ترن في أذنيها بالرغم من عدم تحديقها بها. بدا كل شيء مشوشا مربكا ومتداخلا في عقلها. حاولت همسة السيطرة على كم الأفكار الحائرة التي تسبح في فضاءات خيالها لكنها فشلت ربكتها أقوى من قدرتها على إيقاف الصخب الدائر في رأسها .. كانت الليلة في بدايتها لكن أغلب قواها مستنزفة مرهقة ومتوترة. انتفاضة خفيفة اعترت جسدها حين التصق بها هيثم بدا الأخير متحمسا للغاية على عكسها وبخجل زائد أخفضت نظراتها سريعا عندما مدحها بنظرات نهمة مليئة بالرغبة
زي القمر يا هموسة.
تخضب وجهها بمزيد من الحمرة الدافئة فيكفيها ما ألقي على مسامعها من أمور مخجلة طوال الأيام الماضية من كل امرأة تمتلك خبرة لا مثيل لها كنصائح جادة ومثالية للحصول على حياة زوجية مستقرة تنعم فيها بالجانب الحسي والوجداني مع زوجها أحست بشرارات من الخجل الممتزج بالخۏف وقد تبادر إلى ذهنها تلك التلميحات المتجاوزة أتى صوتها مهتزا وهي ترد عليه بعد برهة