رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


استطاعت أن ترى بوضوح مدى بغضه لها ومع ذلك قاتلت لتستجدي عشقه بتسول
أنا بأحبك يا تميم ليه بتعذبني ليه قاصد دايما تجرحني وتقلل من حبي ليك
اكتسبت نبرته المزيد من الخشونة عندما سألها باستنكار
هو اللي إنتي عملتيه ده بتسميه حب
قالت على الفور
أنا بأعشقك.. إنت بس لو تسمعني ه...
قاطعها بحدة رافضا السماح لها بخداعه 
هتفت نافية والدموع تذرف من عينيها
استحالة كنت أذيك.. إنت حياتي.. 
والمفروض أنا أفرح كده 
يا برودك الموضوع عادي بالنسبالك.. 
تطلعت إليه في خوف محسوس وسألته
قصدك إيه
أجاب ملوحا بذراعه
جوازتنا من الأول غلط.
تناست في لحظة ما ارتكبته من إهانة له وحولت الأمر لاتجاه مغاير بالقول بصراحة ملقية اللوم كله على فيروزة
إيه أنا كده فهمت عشان الست هانم بتاعتك!
غامت نظراته وتجهم وجهه أكثر وهو يرد بإنكار
نعم هو أي هبل بتقوليه والسلام هانم مين دي
قالت بضحكة مفتعلة متهكمة وكأنها أصابت بصحة افتراءها
إيه وجعك الكلام فكرك أنا مش واخدة بالي من اللي بيحصل
تدلى فكه السفلي في امتعاض عجيب من قدرتها الرهيبة في قلب الحقائق وتزييف الأمور بدت كما لو كانت قرينة للحرباء المتلونة سألها بصوته المليء بالدهشة
إنتي بتتكلمي عن إيه
بوقاحة فظة أجابته
عن الزفتة اللي اسمها فيروزة بترسم عليك وبتشاغلك وإنت مبسوط بكده عاوز تحس إن في واحدة غيري مهتمة بيك لأن اللي قايدة صوابعها العشرة مش مكفياك ولا مالية عينيك!!
تجدد غضبه أضعافا مضاعفة لم يتحمل أبدا أن تمسها بالسوء أو أن تزج باسمها في أكاذيبها اندفع
تميم نحوها كالمچنون 
إنتي مچنونة إنتي سامعة نفسك
وردت تهاجمه وقد أقنعت عقلها بذلك اقتناعا تاما لتبدو في نظر نفسها كالمجني عليها لا الجانية
وطبعا هتلاقيلها أي مبرر 
رفع سبابته يحذرها بوجه قاتم تحولت فيه نظراته للإظلام
خلود! لحد دلوقتي أنا ماسك أعصابي بالعافية مش عايز أتغابى عليكي!
استفزته بسؤاله
قولي اتجوزتني ليه طالما مش طايقني اتجوزتني ليه رد عليا
اعترف بصدق مزيحا ذلك الثقل الجاثم على صدره
غلطت يا ستي مكانش المفروض أتنيل أعمل كده!
حز بشدة في قلبها ما قاله ومع ذلك رفضت تصديقه موهمة نفسها أنه يفعل ذلك لتعذيب روحها العاشقة له وبكل غيظها تابعت ادعاءاتها
أقولك أنا لأني الغبية اللي مشيت ورا قلبها ورضيت تتجوزك وإنت مش بتحبها.. ما أنا اديتك فرصة وقولتلك سيبني وبلاش تظلمني معاك بس إنت وعدتني تفضل معايا ورضيت بيا على عيوبي ماتجيش دلوقتي تقولي غلطة إنت بتحبني لوحدي.
نظر لها بازدراء بدت في تلك اللحظة كاللعڼة المهلكة وقال بنبرة مفعمة بالندم
مكونتش أعرف إن كل ده هيحصل!
أصرت على تصديق ما رسمه عقلها وأضافت.
لأ .. وإنت عارف كويس إني زي ما أنا بأحبك من زمان وحبي ليك مانقصش حاجة ومستعدية أضحي بنفسي عشانك.
ضاق ذرعا بأسلوبها المذل لاستجداء مشاعره ورد بقساوة
كل الأفلام دي عشان تداري على عملتك السودة 
علقت بمرارة وقهر وقد تجمعت الدموع بكثافة في مقلتيها
أنا عاوزاك ليا غلطت في إيه قولي.
لم يجد ما يعلق به عليها لكن سريعا ما اربدت قسماته بالمزيد من الڠضب الثائر حين بررت 
ماتستفزنيش بكلامك بدل ما رد السجون اللي جوايا يطلع وتشوفي الوش التاني!
نظرت له بعينيها الدامعتين وقد ارتفع نحيبها منحها نظرة باردة قبل أن ينطق بعزم
ولا أقولك أنا سايبلك البيت وهاغور في داهية!
لم تتحمل فكرة ابتعاده واڼفجرت ثائرة فيه بيأس غير مبالية بتبعات لسانها السليط
أيوه عاوز تروح عندها. 
تخشب في مكانه مستنفرا ودمائه المغلولة 
انخلع قلبها من نظراتها التي توحشت وتعابيره التي تحولت للشراسة بعد تعامله معها ظنت أنها خرجت من تلك المعركة المؤسفة منتصرة بعد هجران طويل هكذا أقنعت نفسها! رغم كون الحقيقة أنه لم يقدم لها حبا عاصفا وإنما جفاء 
صباح الخير. 
كانت بائسة للحد الذي تتباهى فيه بهذا سدد لها نظرة احتقارية قبل أن ينطق 
حلو.. عشان من هنا ورايح هابقى كده!
ابتلعت ريقها الذي تحول لعلقم مرير ورغم خفقات قلبها المفقهور إلا أنها حافظت على ثبات ابتسامتها الباردة وهي ترد
وماله يا حبيبي . لم يتخيل أن ينتهي بها الحال تخلت خلود عن جمودها الزائف لتتحول تعبيراتها للاحتقان ونظراتها للاشتعال تهدل كتفاها في خزي ونهج صدرها علوا وهبوطا في انكسار أي حياة وضيعة ارتضت بها الآن لتضمن أن يكون لها وحدها 
لم يتخيل مطلقا أن يتصرف هكذا خاصة في طقوس الحب وكأن لخلود تعويذة ممېتة لا تنتهي إلا حينما تزهق الأرواح البريئة بدا الترياق الشافي لنفسه المعذبة هو رؤيتها ودون ندم تواجد منذ الساعات الأولى أمام محل عملها آملا أن يتحدث معها شعر بتلاحق دقاته فجأة قبل أن يلمحها استشعر وجودها بالقرب منه وصوتها الرنان عبر الهاتف داعب أذنيه كنغمة مخصصة لتحفيز الحواس أدار رأسه في اتجاهها وتلك الابتسامة الحزينة قد شقت طريقها في وجهه تعجب فيروزة من وجوده ورددت بدهشة حين وقفت قبالته
إنت!
ارتكزت كامل نظرات تميم على وجهها ليملي عينيه منها متأكدا بنفسه من كونها الصغيرة صاحبة الملامح المبهمة التي كانت تزوره من آن لآخر تجددت بسمته بقليل من الإشراق حين رأى 
حقيبتها مزدانة برسمة الطاووس المميزة وهي تدس بها هاتفها وتخرج المفاتيح منها هزت رأسها في استغراب من تحديقه المطول لم تنكر أن طريقته في التطلع إليها باسترابة قد أقلقها توترت من احتمالية كشف هويتها لامس قلبها تيارا خفيا جعل تلك الرجفة تسري في عروقها من تلك النظرة العميقة التي نفذت إليها من عينيه .. انفرجت شفتاها في صدمة وهو يسألها مباشرة ليبدد شكوكه
إنتي كنتي موجودة في حريقة محل عم غريب أو نقول أبو هيثم الله يرحمه !!!!
الفصل الخامس والأربعون
تقاذفت شارات الفضول المتقد من عينيه وهو يترقب بتلهف تأكيد ما استشعره بكامل لا وعيه قبل إدراكه لكنها لم تهتز قيد أنملة أجادت الحفاظ على ثبات تعبيرات وجهها فبات غير مقروء بالنسبة لها حين صدمها بسؤاله غير المتوقع فقط رجفة خفيفة من رموش عينيها تداركتها سريعا مع خفقة لحظية متوترة عصفت بضلوعها تصلبت فيروزة في وقفتها وبقيت ساكنة للحظة فإن لانت قليلا لربما أدرك أنه أصابها في مقټل وباستغراب مفتعل رددت تسأله وكأنها تسمع عن الحاډثة المريبة للمرة الأولى في حياتها
حريقة إيه
اغتاظ تميم من ادعائها الإنكار وقال مباشرة
إنتي فهماني كويس.
أصرت على إنكارها قائلة
أنا مش عارفة حريقة إيه دي! 
ثم أولته ظهرها لتقوم بفتح باب المحل وهي تتابع دون أن تنظر إليه حتى لا يكشف كذبها المرتب بعناية
شوف يا معلم تميم الموضوع ومافيه إني تعبت شوية...
ولجت للداخل وأشعلت الإنارة لتضيء المكان ريثما تزيح الستائر الحاجبة للضوء استرسلت في حديثها مضيفة بهدوء
يعني زي ما إنت شايف الشغل كله هنا على دماغي مابخدش أجازات ولا بارتاح كل الحكاية إرهاق وبس.. لا أكتر ولا أقل.
انتظر إلى أن استدارت نحوه لينظر في عينيها بتشكك وسألها بنظرات ذات دلالة خاصة
إنتي متأكدة
وللمرة الأولى ركزت عينيها في عينيه لترد مبتسمة بثبات
أيوه.
ربما فشل في الحصول على إجابات لتساؤلاته الحائرة لكنه فاز بنظرة خالية من الكراهية من عينيها مع ابتسامة رقيقة جعلته لوهلة يرتعد من احتمالية أن يكون مفتونا بأي ما يصدر عنها بادرت بسؤاله بطريقة عملية بحتة
لو في حاجة تبع الشغل ممكن تطلبها فأنا تحت أمرك.
بدت مهذبة معه أكثر من المعتاد مما أربكه بشكل غير اعتيادي أخفض نظراته وتصنع الجدية معتذرا
لا مؤاخذة عطلتك.
ابتسمت في لطافة وهي ترد
ولا يهمك.
لم يجد تميم ما يعلق وسط ما تمنحه اليوم له من وداعة غير مسبوقة جعلته بشكل أو بآخر لا يتوقف عن التفكير فيها متناسيا ليلة الأمس المشحونة بالكراهية والۏحشية .. انسحب في هدوء خارجا من المحل لكن العواصف الدائرة بداخله لم تخبت للحظة الټفت برأسه ليلقي عليها نظرة أخيرة عبر الزجاج لم يشعر بنفسه وهو يبتسم .. ما أفسد عليه تلك اللحظات القيمة التي لا يجد من الكلمات المناسبة ما يوصفها هو ظهور اللزج آسر منحه الأخير نظرة استعلاء واضحة وهو يمرق بجواره ليدلف من المحل غير عابئ بإلقاء التحية عليه شعر الأول بغليان يستعر في صدره بصعود الډماء المحتقنة إلى رأسه تحثه على افتعال التشاجر معه من العدم لكونه لا يروقه دون سبب معلوم .. أسرع في خطاه محاولا كبح أفكاره العدائية الجامحة آملا في نفسه أن يستمر طاووسه الأبيض في التعامل مع أمثال ذلك السخيف بجفاء وصرامة.
..........................................................
تركت ما في يدها لتتجه بخطوات متعجلة إلى رفيقتها فور أن رأتها تدخل المحل برشاقة وضحكاتها المتحمسة الرنانة تسبقها إلى المكان نادتها بترحيب وهي تقبل عليها لټحتضنها في اشتياق واضح 
علا نورتي مكانك.. أخيرا قررتي تيجي.
تراجعت عنها لتقول بحماس وهي تدير رأسها للجانب
مش هاتصدقي مين جاي معايا ومصمم يشوفك.
تطلعت إليها في حيرة سريعة تلاشت فورا حين رأت آسر يتقدم نحوها وهو يستند على عكازه المعدني اندهاشة طفيفة كست تعبيراتها ما لبث أن تحولت لابتسامة فاترة وهو يقول لها 
صباح الخير يا آنسة فيروزة.
ردت تهنئه بخروجه من المشفى وتعافيه من إصابته
حمدلله على السلامة أستاذ آسر.
تقدم خطوة أخرى نحوها ليقلص فارق المسافات بينهما وتابع بنبرة متعشمة
ولو إني ليا لي عتاب عندك عشان مافيش ولا مرة فكرتي تيجي تشوفيني فيها.
اعتذرت منه بحرج
مكانش ينفع والله أنا .. كنت مشغولة وبعدين علا كانت متواجدة باستمرار مع حضرتك.
علق على كلمتها الأخيرة مرددا باستنكار
حضرتي طب ليه الرسميات دي
غيرت مجرى الحوار معه وسألته بنبرة ادعت فيها اهتمامها به وهي تستدير عائدة لطاولتها المستطيلة لتختبئ خلفها
خرجت امتى
أجابها بعد زفير متعب وقد أحضرت له علا مقعدا ليجلس عليه
النهاردة.
أضافت علا بمرح
ده زي العيال الصغيرة يا فيرو كل يوم يشتكي ويزن عاوز يطلع من المستشفى وإنه زهق من الأعدة وكلام كتير كده.
تجاهل عباراتها السخيفة وثبت نظراتها على فيروزة ليقول بابتسامة ذات دلالة خاصة
كان لازم تكوني أول حد أشوفه.
ضاقت عيناها باسترابة بعد سماعها لتلك الجملة الموحية تجاهلت التعليق عليها لمنع أي فرصة للتودد معها ادعت انشغالها بتغليف أحد صناديق الهدايا لكن صوت علا القريب منها سألها 
بيتهيألي مش فاضل كتير على جوازة همسة يا فيرو صح
أجابت بلهجة جادة محاولة ألا تنظر في اتجاه آسر حيث حرك الأخير مقعده ليدنو قريبا من طاولتها
لأ .. على الأسبوع الجاي وخالي سافر البلد يعزم قرايبنا.
تنحنح آسر مهنئا وتلك الابتسامة المرسومة تحتل شفتاه
ألف مبروك وعقبالك.
ردت فقط على الجزء الأول من مباركته قائلة
الله يبارك فيك..
أراح آسر ذراعه على طاولتها متعمدا أن تلمس يده كفها الذي يغلف الصندوق وهو يقول
وشكرا على مساعدتك.
سرت في جسدها قشعريرة منزعجة بمجرد أن شعرت بملمس يده المباغت على بشرتها سحبت يدها كالملسوعة من أسفل كفه وهي ترمقه بنظرة محذرة ثم أولته ظهرها قائلة بنبرة رسمية
أنا ما عملتش حاجة وأي حد مكاني كان هيتصرف كده.
نقر بأصابعه على السطح الخشبي مصححا لها