رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


بنفس الصوت المتوتر 
هي أسلوبها صعب أوي وآ...
قضمت شفتها السفلى وكأنها تستعد نفسيا للبوح بالبقية زفرت الهواء على مهل وعلقت 
وفيروزة مش هاتسكت لو سمعت حاجة معجبتهاش.
فرك هيثم مؤخرة عنقه كانت محقة في ذلك لم يبعد نظراته عنها وهتف مرددا في حيرة وقلق 
مشكلة الصراحة.
سألته بترقب 
هنعمل إيه هنفصل القوات إزاي!
أجابها بأسلوبه المازح 
أقولك على حاجة حلوة..
هزت رأسها في اهتمام فأضاف مبتسما 
احنا نسيبهم يخبطوا في بعض ونقعد نتفرج جايز أمي تطفش في النهاية ونرتاح.
أطلقت ضحكة ساخرة من طرافته التي تهون عليها صعاب الأمور لكن ما لبث أن تلاشت بسماعها لصياح والدته المتذمر 
الحق يا هيثم شوف المصېبة اللي حصلت
حيث قامت الأخيرة بإيقاف دورة الغسيل غير عابئة بالمياه التي أغرقت الأرضية وحشرت زي الصلاة الخاص بها والذي يمتاز بلونه الأحمر القاني ضمن الثياب البيضاء وأعادت تشغيل البرنامج ليتم غسلهم جميعا على تلك الحرارة العالية فجاءت النتيجة البديهية لمزج اللونين معا اكتساب غالبية الملابس للون الوردي واختفاء اللون الأبيض تقريبا عن قطع بأسرها. أمسكت بإحدى القطع في يديها وعلى الفور ألقت بلومها على همسة وهي ترفعها للأعلى لتريه إياها 
بص شوف مراتك وعمايلها!!
نظر لها هيثم متسائلا في اندهاش 
هي عملت إيه
حدجتها بثينة بتلك النظرة الحقود وأجابت وهي تلوح بالثياب الوردية 
الغسيل كله باظ.
انفرجت شفتا همسة عن ذهول وعيناها تتابعان الثياب التي فسدت في حين واصلت حماتها إلقاء التهم عليها 
يعني عامية مش شايفة الغسيل الأبيض من الألوان ارتاحتي كده لما باظوا
نفت تلك التهمة الباطلة عنها وردت بصوت شبه مخټنق 
والله أبدا أنا بصة كويس قبل ما أحطهم في الغسالة..
لمحت تلك البسمة الصغيرة المتشفية فيها على ثغر بثينة فقست تعبيراتها نحوها فطنت للخدعة الدنيئة التي لفقتها وتساءلت ببساطة وكأنها تتحقق من صدق قولها الباطل 
وبعدين أنا مشغلة البرنامج ومتأكدة إن كل حاجة تمام يبقى إزاي ده حصل إلا إن كان حد بقى وقف البرنامج وعدل عليه عشان ينكد علينا.
صاحت بها بثينة 
قصدك إيه إني عملت كده
ردت بجراءة 
الله أعلم! لكن مش أنا.
تدخل هيثم في الحوار ليفض بينهما وقال 
خلاص يامه هلبسهم بامبي أنا مش زعلان..
ثم استدار نحو زوجته وأضاف بابتسامة عريضة كمن يتغزل بها 
وأهوو الحياة تبقى بامبي بيني أنا ومراتي.
زجرته والدته في تهكم مستفز كعادتها 
ياخويا أنا عارفة بتحبها على إيه دي نحس مافيش منها رجا!
حذرتها همسة مشيرة بسبابتها أمام وجهها 
لو سمحتي بلاش الكلام ده أنا مبغلطش في حد فيا ريت متغلطيش فيا!
دعم هيثم حديثها قائلا 
يامه كده عيب وآ...
صړخت به في حدة 
اخرس إنت هتاخد في صفها كده على طول
وقبل أن توبخ زوجته بعدائية بغيضة انتبه ثلاثتهم لصوت الصړاخ الصادر من الخارج تعرفت بثينة على الفور على صوت ابنتها الغاضب واندفعت لاكزة همسة في جانبها بغيظ لتتجه نحو باب
المنزل لترى ما يحدث مع خلود تبعها هيثم متوقعا حدوث مصېبة ما ولم تتأخر زوجته في اللحاق بهما.
.................................................................
أمسكت بثينة بحافة الدرابزين بكلتا يديها وأحنت رأسها للأسفل لتتطلع إلى خلود المتلاحمة بشراسة شديدة مع فيروزة وكأنها تود الفتك بها ووقفت إلى جوارها همسة المذهولة مما يحدث فليست من طبيعة توأمتها افتعال المشاجرات مع تلك المستفزة في حين هبط هيثم الدرجات سريعا ليتدخل فورا قبل تفاقم الشجار الذي لا يعلم سبب نشوبه. أرخت بثينة إحدى قبضتيها عن الحافة ولوحت بذراعها تحذر ابنتها بصوتها الصادح 
خدي بالك يا بت!
وكأن الأخيرة فاقدة لحاسة السمع لم تتجاوب مع أي أصوات تناديها بالتوقف بدت أكثر عزما على إتمام مخططها للنهاية التفتت برأسها للوراء لتلقي نظرة أخيرة على الثماني درجات من خلفها لن تكون الإصابة جسيمة إن تدحرجت عليه خاصة مع بسطة السلم المربعة ستفترشه بأريحية. رأها هيثم بوضوح من زاويته وهي تتراجع ببطء دافعة نفسها للخلف دون أن تمسها أي يد لتزل قدمها بعمد عن حافة الدرج وتسقط سقوطا مروعا عليه أصاب المتواجدين بالصدمة والارتعاب الشديدين. 
..................................................
غامت الصور في عينيها قبل أن تتحول لإظلام كامل والأصوات الصاړخة تجتاح عقلها الذي يتخلى عن وعيه تدريجيا بعد تلك السقطة العڼيفة التي حتما لن تتعافى منها بسهولة كان آخر ما أبصرته وجه شقيقها المرتاع والذي قفز الدرجات قفزا ليكون إلى جوارها لامها بصوت حزين 
عملتي كده ليه يا خلود
لم تجبه ومنحته تلك النظرة الأخيرة لتطبق على جفنيها مستسلمة للخدر الإجباري الذي تفشى في جسدها ورغم الرجفة المرعبة التي نالت منها لرؤيتها تسقط على الدرج بهذا الشكل الشنيع إلا أنها لحقت بها لتتفقدها جلست فيروزة على ركبتيها أمامها وصاحت تأمره في خوف 
متحركهاش أنا هاطلب الإسعاف.
أومأ هيثم برأسه وهو ينظر إلى شقيقته الفاقدة للوعي جذبة عڼيفة من كتف فيروزة طرحتها أرضا بعيدا عنها وأسقطت الهاتف من يدها تبعها سباب مهين التفتت للمتسببة في ذلك فرأت بثينة وهي تعنفها بنواحها المزعج 
أوعي يا بوز النحس عنها عاوزة إيه تاني من بنتي خلاص ارتاحتي لما جبتي أجلها 
هتفت فيروزة نافية التهمة عنها 
محدش جه جمبها بنتك اللي عملت كده في نفسها وكلكم واقفين وشاهدين.
ردت آمنة مدافعة عن ابنتها بغرابة لم تتوقعها الأخيرة 
أنا كنت ماسكة بنتي وبعداها عنها هي من الأول اللي قاصدة تشتبك معها!
اندهشت فيروزة من موقف والدتها وجالت بنظراتها على الحشد المتجمع من حولهم فبالرغم من الشجار الحاد بينها وبين خلود إلا أنها لم تغفل عن بعض التفاصيل الهامة فحين رفعت رأسها للأعلى على إثر الصوت الحاد القادم من فوقها رأت بثينة وهي تتدلى بنصف جسدها للأسفل لتحذر ابنتها بشكل صريح من الاقتراب من حواف الدرج ووالدتها كانت شبه مقيدة لذراعيها وحين أدارت رأسها للجانب ظهرت ونيسة وهي تندفع خارجة من باب منزلها مع نبرتها المتسائلة عن سبب الجدال فكيف لها أن تدفعها وهي منشغلة عنها ذهنيا وبدنيا في تلك اللحظة المصيرية
انضمت ونيسة لأختها وجلست على الدرجة الأخيرة تبكي وهي تقول 
استرها يا رب دي في بطنها عيل احميها يا رب.
ردت عليها بثينة بصړاخها 
مافيش غيرها إلا عايزة تجيب أجل بنتي واللي في بطنها.
تحولت نظراتها المغلولة نحو فيروزة بادلتها الأخيرة نظرات غريبة مستنكرة ما تقذفه من اټهامات مجحفة وضعت همسة قبضتها على ذراع توأمتها لتنتشلها من تحديقها الڼاري بها شدتها بعيدا عن حماتها الغاضبة والتي من المتوقع أن تتطاول باليد
عليها لتفرغ حنقها الأسود بها وهتفت ترجوها 
تعالي معايا يا فيرو.
ردت عليها توأمتها بإصرار 
مش هامشي .. هو أنا جيت جمبها أصلا
همست لها بصوت مضطرب 
أنا عارفة بس بلاش تبقي في وشها السعادي.
كانت تقصد بحديثها تلك المرأة وبهدوء انسحبت فيروزة لتفسح المجال للجد سلطان الذي هبط عن قمة الدرج ملقيا نظرات مستريبة على خلود قبل أن ينطق بلهجته الصارمة 
كلم الإسعاف بسرعة يا هيثم مش هانستنى لما روحها تطلع عشان نتحرك.
هز رأسه قائلا بحزن 
حاضر يا جدي.
.........................................................................
كلمت عمك بدير
تساءل سلطان بتلك العبارة الجادة وهو يجلس على المقعد المعدني غير المريح في بهو الاستقبال بعد أن تم نقل خلود بواسطة عربة الإسعاف إلى أقرب مشفى ووضعها بقسم الطوارئ للتعامل مع حالتها الحرجة حرك هيثم رأسه بالإيجاب وأضاف 
أيوه يا جدي وهو جاي على طول على هنا وقالي إنه هيعرف تميم باللي حصلها وهيجيبه في سكته.
زم شفتيه قليلا ليعقب بعدها مرددا في هدوء وهو يستند بكفيه على رأس عكازه 
ماشي يا ابني..
صمت للحظة وأمر حفيده وعيناه ترتكزان على بثينة 
روح اطمن على أمك وقولها بلاش تقلبها مندبة.
وجه هيثم نظراته نحو والدته التي كانت تلطم على صدرها وفخذيها في حسرة للفاجعة التي آلمت بشقيقته وصوتها اللائم لم يتوقف عن العويل 
كان مستخبيلك ده كله فين يا بنت بطني رديتي بالهم والهم مرضاش بيكي ياحبة عين أمك!
ربتت ونيسة على حجر أختها وواستها قائلة 
استهدي بالله ياختي إن شاءالله تعدي منها على خير.
هتفت في استنكار ناقم 
خير منين يا ونيسة هنضحك على بعض ده البت كانت متكومة لا حس ولا خبر ولا اللي في بطنها 
تنهدت ترد في رجاء متضرع 
استرها عليه يا رب ارمي حمولك على ربنا وهو هينجيها.
قالت في عدم رضا 
إنتي مش حاسة باللي أنا فيه ياختي.
أنكرت عدم تقديرها معاتبة إياها برفق 
متقوليش كده ده معزة خلود عندي زي معزة هاجر بنتي وزيادة.
واصلت ندبها المتحسر مضيفة 
آه يا حړقة قلبي عليكي يا ريتني كنتي أنا ولا إني أشوفك كده بين الحياة والمۏت.
رددت ونيسة في أسف 
لا حول ولا قوة إلا بالله.
قست نظرات شقيقتها وكزت على أسنانها مغمغمة بغل 
لأ وشوفي القادرة جاية تقعد هنا عشان تشمت في بنتي.
التفتت ونيسة ناظرة نحو آمنة التي اتخذت مقعدا معزولا عن المحيط المزدحم شتت نظراتها عنها وقالت مدافعة عنها 
بالعكس دي جاية تطمن عليها.
عنفتها بثينة بحدة وقد تلونت عيناها بحمرتها الغاضبة 
إنتي بيخيل عليكي كهن النسوان ده أشوف قلبها محروق على بناتها قريب.
وضعت يدها على فمها تهتف في ارتعاب 
حرام كده.. بلاش الدعوة دي!
ارتفعت نبرتها الساخطة إلى حد ما وهي تقول 
لأ مش حرام مع الأشكال دي هو أنا عندي أغلى من عيالي الاتنين دخلتها كانت شوم علينا هي وبناتها الفقر!
التقطت أذنا هيثم سبابها الأخير فقال راجيا والدته كي تكف عن ازدرائها العلني 
خلاص يامه المستشفى بيتفرجوا علينا.
زجرته بثينة بغيظ 
غور من قدامي يا واد إنت مش طايقاك.. عيلة مراتك جابوا أجل بنتي
كان يعلم كراهيتها ل فيروزة لكنه رأى الحقيقة كاملة فرد ببرود 
بلاش افتراء أنا كنت واقف وشايف اللي حصل بعيني دول خلود اللي حدفت نفسها وآ....
قاطعته بوقاحة رافضة الإصغاء له 
هو إنت بقيت بتشوف أصلا من ساعة ما اتبلينا بالجوازة الشوم دي!
..............................................................
طابق تلك الفواتير التي تحصل عليها بالأخرى المدونة في الدفتر الخاص بتسجيل المعاملات التجارية لاحظ تميم اختلاف بعض الأرقام لفواتير سابقة وإن كانت
النسب طفيفة حك مؤخرة رأسه في حيرة وواصل المراجعة الدقيقة ليعرف سبب ذلك الخلاف لكن قطع تركيزه نداء والده الصارم 
يا تميم! سيب اللي في إيدك وتعالى معايا.
رفع رأسه عن المكتب وتطلع إليه بنظرات حائرة قبل أن يسأله مهتما 
في إيه يا حاج
بدا صوته أكثر حدية وهو يرد 
من غير ليه هتيجي معايا حالا في المشوار ده.
أغلق تميم الدفتر وأعاد وضع الفواتير بعد طيها في الدرج السفلي ثم أغلقه بالمفتاح وعلق عليه معترضا 
ده أنا لسه هاطلع على سوق الجملة في بضاعة هناك وآ....
قاطعه بدير بتجهم لم يخفه 
خلي حد من الرجالة يروح مكانك الموضوع ده مايستناش.
تطلع إليه باسترابة وسأله مباشرة 
وغوشتني يابا حصل إيه
أجاب على مضض ونظراته تتفرس في وجه ابنه ليعرف ردة فعله 
بنت خالتك وقعت من على سلم البيت واتنقلت على المستشفى.
لم تتأثر ملامحه بما سمعه بدت غير مقروءة ومع هذا تساءل في اهتمام 
يا ساتر وده حصل إزاي
أجابه بعد زفير 
مش عارف لسه خلينا نروح نطمن عليها و...
تباطأت نبرته حين أكمل 
وعلى ابنك اللي في بطنها.
أدرك