رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


من تبدل نبرته وجود خطب ما خطېر وليس الأمر مجرد حاډثة عابرة تبعه متجها إلى سيارته بعد أن أملى على أحد رجاله أوامره لينفذها جلس والده في المقعد الأمامي واحتل تميم مقعده خلف الموقد ليتجه بعدها إلى عنوان المشفى المعروف وهو يغمغم بتضرع 
عديها على خير يا رب
...............................................................
تناقلت الأخبار سريعا في تلك المنطقة الشعبية وعلم الجميع بالحاډث المأساوي الذي تعرضت له خلود لكن التفاصيل الحقيقية للحاډثة شابها الكثير من الأغلاط والأقاويل غير الصحيحة لإضفاء التشويق على تلك النوعية من الأخبار. وصل محرز إلى المشفى واتجه إلى الاستقبال ليستعلم عن حالة المړيضة دلته إحدى الممرضات على عائلتها الجالسة في ردهة الانتظار المتسعة وهناك اقترب من الجد سلطان ليسأله بلهاث زائف وكأنه جاء ركضا 
ها يا جماعة إيه الأخبار
رمقه الجد بنظرة غريبة قبل أن يشيح بوجهه بعيدا عنه فأجاب هيثم عن جده وهو يدعك بيده وجهه المتعب 
لسه مافيش جديد.
رد عليه بقليل من التفاؤل 
دلوقتي الدكتور يطلع ويطمنكم عليها.
هز رأسه معقبا عليه 
يا رب يا محرز.
تسلطت كافة الأعين على الطبيب الذي خرج لتوه من الداخل مرتديا زيه الأخضر وذلك القناع الطبي يتدلى عن فكه قاصدا الاتجاه ناحيتهم سألهم بنبرته الروتينية وعيناه تتحركان على وجوههم القلقة 
حضراتكم أهل المړيضة
هبت بثينة واقفة بمجرد سماعها لصوته وهرولت نحوه صاړخة به 
أيوه .. أنا أمها يا ضاكتور.
وقام هيثم بالتعريف أيضا بنفسه 
وأنا أخوها.
أشار الطبيب بيده نحو موظفي الاستقبال وكأنه يوجههم للذهاب إلى هناك وهو يتابع قوله 
طيب عايزين توقيع حضراتكم على إجراء العملية.
تساءلت بثينة بصدر ملتاع وملامح واجلة 
عملية إيه ياخويا هي حالتها خطېرة للدرجاي
أطرق رأسه قليلا وأجاب بحذر 
للأسف حصل إجهاض للجنين اللي في بطنها! 
لطمت پعنف على صدغيها لتصيح بعدها في عويل صارخ 
يالهوي! يا لهوي! يا لهوي!
أوقف هيثم والدته عن التصرف بتلك الطريقة المؤلمة وهتف بحزن صادق على شقيقته 
اهدي يامه.. ماينفعش كده.
انضمت إليها ونيسة ورجتها بصوتها الباكي 
حرام عليكي ياختي ده أمر الله!
التفتت بثينة نحو سلطان لتشاركه مصابها وصوتها لم يتوقف عن الصړاخ المزعج 
سمعت بنفسك يا حاج حفيدك ماټ قبل ما يشوف الدنيا!
هز الجد رأسه للجانبين في أسف واضح وردد بصوت خفيض 
لله الأمر من قبل ومن بعد.
بينما أردفت آمنة معلقة على ما تراه ودون أن تتدخل بشكل مباشر لمؤازرة بثينة
جيب العواقب سليمة يا رب.
................................................
جوزك قالك حاجة
وجهت فيروزة سؤالها المهتم لتوأمتها والتي فرغت لتوها من مكالمة عاجلة مع هيثم لتستعلم منه عن آخر المستجدات الخاصة بحالة شقيقته رمت بجسدها المتعب على الأريكة إلى جوارها ورفعت ساقيها عن الأرضية لتضمها إلى صدرها وشبكت ساعديها حول ركبتيها وأجابتها بحزن بائن في نبرتها 
أيوه هيثم قالي الحمل مكملش.
ضغطت فيروزة على شفتيها في أسف توقعت حدوث ذلك بعد سقطتها القوية ثم حركت شفتيها لتنطق بهدوء 
ربنا يصبرها.
ردت عليها همسة بصوت بدا مخټنقا نسبيا وتلك اللمحات الخاطفة عن معاناتها السابقة تدور في عقلها 
يا رب صعب بصراحة على أي واحدة تخسر ابنها وخصوصا لو كانت مستنياه...
ثم انخفضت نبرتها إلى حد ما لتكمل بخفوت وكأنها تحادث نفسها 
ما بالك بقى اللي نفسها في عيل واحتمال ده ما يحصلش.
أرهفت فيروزة السمع لكلامها الأخير وبدت غير راضية عن حزنها الواهي لذا علقت عليها بنبرة موحية 
اللهم لا شماتة شوفي هي عملت فيكي زمان إيه وربنا أراد تجرب نفس الحكاية سبحانه! ليه حكمة في اللي حصل!
تنفست همسة بعمق لتخنق تلك الغصة العالقة في حلقها وتساءلت في حيرة 
الواحد بس مستغرب هي عملت كده ليه في نفسها
أجابت وهي تفرد ذراعها على حافة الأريكة لتغوص أكثر بها 
معرفش بس من الأول يا همسة كانت قاصدة تتخانق معانا كأنها بتقول شكل للبيع أنا وماما كنا طالعين عادي عندك وهي زي ما يكون واقفة مستنيانا وقلت أدبها جامد علينا بصراحة كده أنا حاسة إنها كانت مستقصداني بالحكاية دي.
عقدت همسة حاجبيها في اندهاش واستنكرت تفكير خلود اللئيم لتقول معترضة 
مش للدرجادي ربنا يهديها لنفسها.
أضافت عليها فيروزة بتنهيدة 
ويبعدها عننا..
ساد الصمت للحظات بين الاثنتين قبل أن تقطعه همسة وهي تحل وثاق ساعديها لتسترخي في جلستها 
قوليلي إنتي مالك من ساعة ما رجعتي وأنا حساكي في حاجة بس مش عارفة إيه هي!
ادعت الابتسام لتخفي ما يعتريها من ضيق وانكسار لتقول بفتور 
أنا بخير.. متقلقيش عليا.
غمزت لها متسائلة في إلحاح 
وأخبار قراية الفاتحة إيه أنا عايزة أعرف كل التفاصيل وبعدين العريس جابلك دبلة ولا لأ وآ....
قاطعتها بعبوس غريب 
مافيش نصيب يا همسة.
بهتت ملامحها تقريبا من ردها الصاډم وسألتها وقد اعتدلت على الأريكة لتبدو أكثر قربا منها 
ليه
غطت على ما تريد البوح به بمراوغتها 
بعدين نبقى نتكلم عني .. المهم حماتك عاملة إيه معاكي أنا اتفاجئت إنها لسه موجودة هنا.
نفخت همسة مرددة باستياء شديد 
أعوذو بالله منها دي ماسبتناش للحظة من يوم السبوع زي ما يكون قاصدة تخرب عليا أنا وهيثم.. ولسه قبل ما تيجوا دابة خناقة معايا بوظت الغسيل ومتهماني فيه.
علقت عليها فيروزة بتهكم صريح 
وطبعا بنتها نسخة عنها وجوزك بيعمل إيه بقى
أجابت دون تشكيك في موقفه الداعم لها 
الصراحة هيثم واقف على طول في صفي تقريبا مامته هتتنقط منه.
ردت عليها توأمتها بإيماءة خفيفة من رأسها 
ربنا يبعد شرها عنكم.
يا رب أنا هاكلم ماما أطمن برضوه منها على الوضع.
قالت همسة جملتها تلك وهي تنحني للأمام لتمسك بهاتفها المحمول وتعبث بأزراره في حين هتفت شقيقتها ترد باقتضاب 
ماشي.
........................................................
بنظرات حذرة جالت على الرواق المزدحم انتظر هدوء الحركة من حولها ليتقدم ناحيتها وكأنه يتفقد أحوالها بشكل طبيعي لا يدعو لإثارة الريبة حول تصرفه مال محرز نحو بثينة ليبدو صوته قريبا من أذنها وهو يهمس لها 
عاوزك على جمب في كلمتين يا خالتي.
حملقت فيه بغرابة ولم تجادله تبعته إلى حيث توقف
بالقرب من مدخل المشفى واستطردت تنوح له بشكواها 
شوفت اللي حصلنا يا محرز
رد مواسيا 
أيوه وقلبي عندك يا خالتي.
حركت كامل جسدها في اهتزازة ثابتة للجانبين متابعة ندبها الشاكي 
خسرنا كل حاجة .. كله في ثانية راح!
هز رأسه مؤكدا 
ربنا هيعوضها قريب البطن اللي شالت مرة هتشيل عشرة
هتفت باستنكار جلي 
إزاي والمعدول ابن خالتها رافض يرجعلها والعيل خلاص نزل إيه اللي هيجبروه يرجعلها تاني
برقت عيناه بوهج عجيب وقال عن ثقة واضحة 
أنا عندي الحل..
وكأنه امتلك زمامها في غمضة عين هتفت مستنجدة به 
قولي بسرعة عليه يا محرز إلهي يسترك.
رد مبتسما بغرور 
متقلقيش..
ثم قست عيناها وهي تتابع بغل ونظراتها مثبتة على آمنة 
نفسي أشوف الولية اللي هناك دي متحسرة على بناتها قريب
لاحت بسمة ماكرة على زاوية فمه حين رد بنفس النبرة الواثقة 
هيحصل يا خالتي وبكرة أفكرك...
تحولت نبرته للغموض الجاد وهو يكمل 
بس ده لو سمعتي اللي هاقولهولك ونفذتيه بالحرف!!
لم تجادله وهتفت مبدية استعدادها التام للانصياع له 
قول!
للحظة تلفت محرز حوله ليتأكد من عدم مراقبة أحدهم له قبل أن يرد قائلا 
مش هاينفع نتكلم هنا الحيطان ليها ودان لازم نمشي الأول من المكان ده.
تقلصت تعابير وجهها بشدة وعلقت في استهجان وكأن طلبه لم يروقها 
وأسيب بنتي لوحدها! ده كلام بردك!
أصر عليها بجدية أشد غلفت نبرته وغطت ملامحه 
مش هنتأخر كتير إنتي أصلا محتاجة تجيبلها غيار عشان لازما هتبات في المستشفى مش هيرضوا يطلعوها على طول.
لانت تعابيرها قليلا وردت بزفير مهموم 
أيوه في دي معاك حق منهم لله البعدة.
وضع يده على جانب كتفها ليحثها على التحرك وتابع 
تعالي هوصلك ونتكلم في الطريق.
سارت معه إلى حيث قادها ولسانها يسأله 
ماشي.. بس عايز مني إيه
جاء رده عاديا وهو ينظر في اتجاهها 
دي حاجة عادية أمانة تبع الناس اللي ممشيالنا شغلنا في الدكان التاني هاشيلها عندك كام يوم.
رفعت حاجبها للأعلى في تعجب وسألته بوقاحة 
وماتسيبهاش ليه في بيتك ما إنت عندك خزنة أد كده!
استنشق الهواء بعمق ولفظه مليا ليثبط مشاعر السخط بداخله. برع في رسم تلك الابتسامة السمجة على محياه وهو يحاول إقناعها بالقبول مبررا 
يا أم هيثم! ده كلام بردك وأنا اللي بأقول عليكي مخك نور أسيبها عندي وهاجر تخشلي في سين وجيم
تلمست طرف حجابها الذي استرخى عن كتفها وألقته عليه مجددا وهي ترد 
معاك حق.
قضى محرز على ابتسامة انتشاء تداعب ثغره وردد صوته الرخيم 
تعالي عشان ما نتأخرش وأقولك هنعمل إيه في سكتنا.
برزت تلك النظرة البغيضة في عينيها وهي تدمدم بإيجاز 
طيب.. أما نشوف أخرتها.
...............................................
ربتة خفيفة من جده تلقاها على كتفه كنوع من المواساة بعد أن أخبره بفاجعة إجهاض طفله الذي لم تكتب له النجاة من تلك الحاډثة العرضية المؤسفة وقاصدا عدم التطرق مؤقتا لتفاصيل سقوطها عن الدرج إلى أن تهدأ مهاجه الحزينة. لم يجد تميم ما ينطق به معبرا عما يشعر به حاليا فواحد غيره لانفطر قلبه لمصابه العظيم وهاج وماج لخسارته أعز ما ينتظره ولكن رغم مشاكله الأخيرة مع طليقته بكل ما فيها من سخط وبغض طغت أحاسيسه المتأثرة عليه وكان تقبل خسارته المؤلمة هو الخيار الوحيد المتاح له استدار برأسه نحو والده الذي عزاه قائلا 
ربنا يعوض عليك يا ابني ده حكمته وقضائه.
لعق شفتيه وهتف بنبرة تعسة وتلك اللمعة الرطبة تتسلل إلى طرفيه 
ما يعزش على اللي خلقه.
علق الجد سلطان بجدية 
مسيرك تتجوز تاني وتجيب العيال اللي نفسك فيهم.
نظر إليه بعينين
مليئتين بالحزن وقال بلمحة متأثرة 
خلينا نطمن الأول على بنت خالتي أيا كان اللي حصل بينا هي بردك كانت مراتي في يوم من الأيام واللي في بطنها كان ابني.
رد والده في امتنان 
طول عمرك بتفهم في الأصول يا ابني.
من المعروف في الشريعة الإسلامية وحين يتم إجهاض أحد الأجنة أن يقوم فرد من الأسرة بډفن البقايا ولهذا كان من البديهي أن يتصرف تميم وفقا لذلك. ابتلع غصة مريرة كالعلقم في جوفه وأضاف بصعوبة محاولا إظهار صلابته وتماسكه 
هاروح أسأل استلمه منين عشان أدفنه.
أنا جاي معاك.
هتف هيثم بتلك العبارة وهو يقترب منهم ثم تبادل بعض الجمل المقتضبة مع ابن خالته كنوع من المواساة وعرف منه بعض التفاصيل المتكررة حيث اختلت قدم خلود عن حافة الدرج خلال تواجدها عليه وغفل الأول عن ذكر المشاحنة المفتعلة التي وقعت ظن أنه لا طائل من تناول الحديث عنها الآن لكن الجد أردف قائلا فجأة ليضع النقاط على الحروف وليكمل المشهد المنقوص 
بس غريبة حكاية خناقة أختك مع جماعة مراتك يا هيثم إيه اللي خلاها تطلع من البيت عندنا وتقفلهم على السلم
برزت عينا تميم على اتساعهما في صدمة وحملق في جده باندهاش ذاهل بينما رد عليه هيثم بعفوية
ولا أعرف يا جدي هي كانت ماسكة في أخت همسة وحلفانة ما تسيبها
تضاعفت دهشة تميم وانتفضت كامل حواسه الكامنة لتعمل بكل طاقتها وجد نفسه يهمس بتلقائية بصوت بالكاد خرج من بين شفتيه مستشعرا تورطها رغما عنها في الأمر 
فيروزة!
تابع هيثم موضحا بنبرة حائرة ومستخدما يده في الإشارة والتوضيح 
احنا سمعنا صوت الخناقة على السلم