رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


دي اللي بتقول عليها كده
نظر له آسر باستخفاف وهو يجاوبه
اهدى عليا يا معلم...
ثم بتر عبارته ليراقب حمئته الثائرة بنظرات مليئة بالحقد والغيرة فإن كان يملك كل المقومات مثله لما فكر مطلقا في اصطياد ضحاياه من الفتيات السذج معدومات الخبرة للارتباط بهن بعد أن أدرك نقصه لن يستطيع مطلقا أن يمنح أي امرأة الشعور بالكمال والرضا خلال زواجه منها. اكتشف ذلك مبكرا ومن وقتها أصبح ناقما على الجميع ولهذا حول شعوره بالنقص إلى نوع من الاستفادة المادية ليخرج رابحا في النهاية ولهذا لجأ لوسائل أخرى غير شرعية للإتجار بما لا يملكه وقد وقع الاختيار على فيروزة الضحېة المناسبة ليتمتع معها لبعض الوقت قبل أن يقايضها على حريتها أو يمنحها لمن يدفع الثمن ومن خبرته المحنكة في قراءة لغة الجسد استطاع أن يلاحظ الاهتمام الكبير من قبل تميم نحوها وإن كان الأخير ينكر ذلك .. عاد من شروده المؤقت ليتابع حديثه قائلا بوقاحة
إنت فاهمني كويس العروسة .. فيروزة.. 
تلفظ اسمها مجردا وكأنه مشاع للعامة ناهيك عن إيحائه المهين لكينونتها المقدسة بالنسبة له جعل غضبه المتدافع بداخله ينفجر على الفور انقض عليه تميم قابضا عليه من عنقه وهزه پعنف ناهرا إياه بصوته المتشنج
إنت إزاي يجي في مخك تكلم عليها معايا
أصاب هدفه وتيقن من دقة اختياره وهو يرى كيف شقلب كيانه ببضعة عبارات موحية ليستثير تلك النزعة الرجولية فيه. تحول جسد آسر المتراخي لكتلة من العضلات المشدودة وقاومه مرددا بنفس النبرة المستفزة
يا سيدي اعتبرني باخد رأيك في بضاعة حلوة.
أشهر تميم مديته بعد أن أخرجها من جيبه رفعها للأعلى وغرز نصلها المدبب في جلد عنقه حدجه بنظرة خالية من الحياة وهو يهدده بلهجة تحولت للقتامة ويخيم عليها المۏت المحتوم
كلمة زيادة عنها ومحدش هيبص في خلقتك نهائي هاشرحك! ومش فارق معايا أخش فيك اللومان تاني!
شعر آسر بوخز جارح يخترقه وقال متراجعا بحذر دون أن تخلو نبرته من السخرية
بالراحة على عضلاتك يا تايسون احنا بناخد وندي مع بعض!
زجره تميم بزمجرة هادرة
إلا في عرض الحريم! ده مافيش فيه تفاهم معايا!
......................................................
في تلك الأثناء وفي مكان ليس ببعيد .. شهقت مصډومة من اندفاعها المباغت نحوه واستندت بكفيها على صدره محدقة فيه بنظرات مشدوهة ممزوجة بالخجل تحول لون
بشړة بسمة إلى حمرة صريحة بادلها دياب نظرة شغوفة متلهفة لاقترابها الساحر. نجحت خطته وباتت معه قريبة منه حد الهلاك وإن كان الأمر مفتعلا لكنه حاز على مراده في الأخير. عمق نظراته المتقدة حبا نحوها استشعرت بأصابعها المسترخية على صدره دقات قلبه العڼيفة أحست بتأثيره عليها وبارتباك موتر يسيطر عليها لتغلغل ذلك الشعور اللطيف فيها. لم يتحرك من مكانه وبقي كالصنم يتمعن فيها ومسلطا فقط كل عينيه عليها. بحذر ملبك لها انسلت متراجعة للخلف ومتحررة من قيده الاختياري لتبدي انزعاجها من تصرفات الصغيرين الطفولية التي وضعتها في موقف محرج كهذا.. أرخى الطفلان أذرعيهما عنها بإشارة صريحة من دياب لتحرر بسمة كليا تنحنحت معتذرة له بتلعثم
أنا.. أسفة مقصدش!
ثم أخفضت عينيها بحرج أكبر لتتجنب نظراته شاعرة بتلك السخونة المربكة المنبعثة من وجهها لم ترغب في حدوث ذلك ولكنه القدر. رد عليها دياب بهدوء واضعا يده على مؤخرة رأسه ليفركها
ولا يهمك حصل خير!
انسحبت من أمامه دون إضافة المزيد وقد سارعت في خطواتها رغم عرجها الملحوظ .. ظلت أنظاره تتبعها ومتعلقة بها حتى اختفت من أمامه فأخرج تنهيدة ملتهبة من صدره الملتاع بحبها الكبير استدار للخلف ليحدق في الصغيرين بنظرات ممتنة ثم فتح ذراعيه لهما ليندفعا في أحضانه ضمهما قائلا بثناء عظيم
حبايب قلبي!
سأله يحيى ببراءة
أنا شاطر يا بابي
أجابه دياب وهو ينحني نحوه ليقبله من وجنته
إنت أستاذ زي أبوك!
ثم ربت على كتفه ليأمره شقيقته الصغرى
خدي يحيى يا أروى واسبقوني على جوا.. أنا هحصلكم كمان شوية.
ردت بانصياع تام
حاضر يا أبيه ..
تسلطت نظرات دياب عليهما وهما يتسابقان في الركض للداخل ليشرع بعدها في التجول في المكان لبعض الوقت غير راغب في لفت الأنظار لتواجده بصحبتها قبل قليل. كان وجهه ما زال محتفظا بابتسامته المتحمسة ما لبث أن تلاشت حين رأى التلاحم البدني بين تميم وأحدهم دقق النظر في اتجاههما ليتبين بالضبط ما يحدث كان رفيقه ممسكا بتلابيب الآخر ويضع طرف مديته على عنقه يريد نحره. دون أن يفكر اندفع بهوجاء نحو ذلك الغريب ليضربه بخشونة في جانب ظهره ثم استخدم ذراعه في طرحه من صدره أرضا وسط أنينه المټألم من عڼف الضربات الموجعة عليه. تدحرج آسر على جانبيه ليتفاداه لكن أصر الأول على تقييد حركته وإذلاله. تفاجأت تميم من حضور صديقه المباغت وقبل أن ينطق كان دياب يجثو فوقه ينكزه في صدغه متسائلا بنبرة جافة
الواد ده قل أدبه عليك يا تميم قولي بس وأنا وربنا ما هيطلع عليه صبح!
حاول آسر إزاحة ثقل جسده عنه وهو يسأله في اندهاش قلق
في إيه يا كابتن هو حد داسلك على طرف
لكمه دياب في فكه بلكمة خشنة نوعا ما لكنها ليست قوية وهو يحذره
اخشع ياض!
وقف تميم خلف رفيقه محاولا جذبه من على ذلك الدنيء قائلا له بنبرة غير هادئة
سيبه دلوقتي يا دياب!
رد عليه صديقه بجراءة متهورة
متخافش يا صاحبي هي ديته علقة محترمة ونرميه في الترعة ويدور على اللي مايته تسخن.
تفاجأ آسر من ۏحشية الأخير ونيته المبيتة للتخلص منه دون إبداء ذرة ندم واحدة فهتف محتجا ومدافعا عن حياته المھددة
أنا تتكلم معايا كده إنت مين أصلا
تشدق دياب مرددا على مسامعه بنزق
وأشقك ياله! في إيه!
ثم منحه وكزة مؤلمة أسفل ذقنه قبل أن يرغمه تميم على النهوض ويزيحه بعيدا عنه. اعتدل آسر في رقدته وبدأ في النهوض نافضا الأغبرة والأۏساخ التي علقت بثيابه ثم توعد كليهما هاتفا بعصبية لحفظ ماء وجهه فقط
أنا هوريكم يا غوغاء!
ضحك
دياب على لفظه الأخير وتنمر عليه بمزيد من الاستهزاء
غوغاء! إيه الكلام ده يبقى إنت كده غلطت فيا يعني الليلة بقت عندي رسمي فهمي نظمي.
تشبث تميم بذراعه وشده منه ليستوقفه قائلا له من بين أسنانه المضغوطة
اركز يا صاحبي.
.........................................................
الحقيني يا مرات عمي!
قالتها فيروزة وهي ترتمي في أحضان سعاد التي فتحت باب الغرفة لها لتنصدم الأخيرة برؤيتها على تلك الحالة الفوضوية تطلعت إليها في خوف حقيقي معكوس في نظراتها نحوها ثم حاوطت وجهها الباكي بكفيها وسألتها في جزع
في إيه بنتي إيه اللي حصل ومين حبسك هنا
أجابتها بأنفاس متقطعة
خالي عايزني أتخطب بالعافية وأنا مش عاوزة ده!
انعقد حاجباها متسائلة في دهشة مستنكرة
خليل! طب ويعمل كده ليه!
احتشد في ذهنها كل المشاهد العڼيفة التي جمعتها بخالها حيث يقوم دوما بإجبارها على ما لا تريد مستخدما القسۏة والإيذاء البدني بغض النظر عن رأيها لم يتناقش معها يوما ولم يحاورها ليعرف رغباتها ربما لو حدث الأمر بشكل آخر لتقبلته لكنه يلجأ لاستخدام نفس الأسلوب له ووالدتها تقف على الحياد لا تقوى على معارضته تاركة له زمام الأمور ليتحكم في مصير ابنتيها رفضت أن تستسلم كتوأمتها وتخضع لجبروته لهذا تمسكت برفضها وإن بدا غير منطقي للبعض. تنفست فيروزة بعمق لتضبط انفلات أعصابها وتستعيد هدوئها المفقود في حين تابعت زوجة عمها موضحة
ده بالعكس قالنا إنه شاب كويس ومحترم وعمك بعت يسأل عليه وكلامه طلع مظبوط.
ردت مبررة لها سبب عزوفها
أنا مقولتش حاجة وحشة عنه بس مش عايزة أتخطب بالشكل ده لحد ما أعرفوش.
سألتها لتتأكد منها
يعني إنتي مش موافقة عليه
أجابت بما لا يدع مجالا للشك
أيوه ولازم عمي يعرف بده.
هزت رأسها في تفهم وهي تعقب عليها
كله إلا كده حاضر يا بنتي .. أنا هابعت حد يناديه وقوليله على كل اللي إنتي عاوزاه مافيش حد هيجبرك على حاجة مش حباها.
احتضنتها مجددا وهي تهتف في امتنان
ربنا يخليكي ليا
استخدمت سعاد كم عباءتها لتزيح دمعاتها المرطبة لوجهها ثم أوصتها بلهفة أمومية غير مصطنعة أو حتى مكتسبة
اهدي كده وأنا هاعملك كوباية ليمون تروقي بيها دمك لحد ما عمك يجي.
رفضت طلبها مرددة
مش عايزة حاجة.
حينما رفعت عنقها قليلا ظهرت آثار الالتهابات على جلد عنقها اتسعت حدقتا سعاد في صدمة وسألتها وهي تتفحصها بنظراتها ولمسة حنون حذرة من أناملها
إيه ده كمان 
ضغطت على شفتيها لترد بأسف حزين
من خالي يا مرات عمي.
تبدلت نظراتها للقتامة وعلقت بلوم
إخص عليه حد يعمل كده في بنات أخته أومال لو مكانش في مقام أبوكي الله يرحمه.
لفظت فيروزة الهواء الخانق من صدرها دفعة واحدة ودمدمت باستياء محبط
مافيش زي بابا عمره ما هيتعوض.
تأثرت سعاد بجملتها الموجعة تلك وعفويا ضمتها إلى صدرها ثم ربتت على ظهرها وهي تقول لها بلطف على أمل أن تهون عليها الأمر
متزعليش يا بنتي أنا جمبك وعمك مش هايقبل أبدا بإن حد يتعرضلك طول ما هو على وش الدنيا.
......................................................................
خرج يتفقده بالخارج بعد أن طال غيابه عنه كان مشغول البال به فعلى الأغلب قد يتوه في تلك الأرجاء غير المألوفة عليه وخاصة مع حلول الظلام. انتبه خليل للأصوات الرجولية الصاعدة من مسافة تبعد عن المنزل نسبيا اتجه إلى هناك ورأى تهديدات ضيف الحاج اسماعيل العلنية ل آسر انقبض قلبه في فزع وتشكلت أمارات الخۏف على ملامحه سار بخطوات أقرب للركض متسائلا بصوت شبه لاهث
في إيه اللي بيحصل هنا
وكأن نجدة من السماء قد هبطت إليه لإنقاذه على الفور تحول آسر للشخصية الوديعة المسالمة واستدار بجسده ليواجهه مرددا
پانكسار حرج
الحقني يا أستاذ خليل معارفك مبهدلني هنا وأنا مش عارف أتعامل معاهم.
اعتذر منه بشدة دون أن يسأله حتى عن الأسباب التي دفعتهما للتشاجر معه
أستاذ آسر أنا أسف جدا عن اللي حصل.. حق عليا.
ثم الټفت ناحية تميم الذي ظهرت تعابيره الواجمة بوضوح وسأله
هو فيه بالظبط يا معلم تميم ومين ده كمان
كانت جملته الأخيرة موجهة نحو دياب وبادر الأخير معرفا بنفسه بنوع من الغرور وتلك الابتسامة الواثقة تلوح على زاوية فمه
أنا دياب حرب أخو العريس اللي جوا يا حضرت ... إنت مين بقى
كانت لدى خليل بعض المعلومات المتناثرة على الألسن عن مدى قوة ونفوذ تلك العائلة عرفه أغلبها من الحاج اسماعيل وبالتالي كان من غير المحمود أن يتطرق معه لمعركة جانبية غير متكافئة مطلقا ومع هذا تمالك نفسه وأظهر انزعاجه حين سأله بصوته الغاضب
تشرفنا.. بس بتتخانق مع نسيبي ليه
أجابه تميم بنظرات ڼارية مسلطة على آسر
اسأله..
تلقائيا تحركت رأس خليل نحو آسر الذي ادعى انشغاله بتنظيف بدلته المتسخة متعمدا تجاهل الرد عليه وكأن الحديث غير موجه له على الإطلاق بينما أردف دياب مهاجما ونظراته لا تنتوي أي خير
إنت شكلك مش مريحني...
ردد خليل مذهولا وقد برزت حدقتاه في غيظ معتقدا أنه قد أساء إليه
أنا عيب