رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


الناس اللي بأعزهم يكونوا آخر حد أشوفهم.
فهمت تلميحه المتواري خلف تلك الكلمات المرتبة تقلص وجهها وردت بحدة طفيفة قاصدة إحراجه
أستاذ آسر متزعلش مني لو قولتلك إنه مش فارق معايا اللي بتقوله ده.
بدا ردها فظا ومخالفا لما توقعه حين يبدي اهتمامه بها تنحنح معتذرا منها
احم... أنا أسف لو ضايقتك.
قالت ببرود وكأن اعتذاره لا يعنيها من الأساس
إنت حر في حياتك ده شيء مايخصنيش.
حاولت تبرير اهتمامه وهتف بتلعثم
أنا بس كنت حابب يعني آ....
قاطعته بنبرة جافية ونظراتها الممتعضة مرتكزة عليه
يا أستاذ آسر أنا واحدة دوغري ماليش في أي حوارات فيا ريت توفر على نفسك أي كلام هتقوله.
ابتلع ريقه ونكس رأسه قائلا
أنا.. بأجدد اعتذاري منك.. 
تجاهلت التعليق عليه ورمقته بنظرة جليدية جافة وجد آسر نفسه في موقف حرج تراجع مبتعدا عنها وادعى تطلعه إلى الهدايا المعلقة على الأرفف .. ومع ذلك لا ينكر اهتمامه بتلك الحالة المتفردة والمناقضة للمعهود من الفتيات التي التقى بهن استحوذت على تفكيره بالرغم من أسلوبها الجاف عادت علا من الخارج وهتفت متسائلة بصوت شبه لاهث ووجه مشرق
اتأخرت عليكم
ردت فيروزة نافية وبابتسامة سخيفة للغاية
لأ جيتي في وقتك يا علا الأستاذ آسر كان يدوب هيمشي.
تحولت أنظارها نحوه وسألته بعبوس احتل قسماتها
إزاي إنت لحقت ده أنا قولتلهم يبعتوا الأوردر على هنا تعالى نتكلم شوية.
نظر إلى فيروزة بضيق قبل أن يرد متصنعا الابتسام وكأنه يتحدى بموافقته فظاظتها معه
عشان خاطرك بس يا علا أنا مش هامشي.
رمقته فيروزة بنظرة باردة منزعجة قبل أن تشيح بعينيها بعيدا عنه هزت رأسها في سأم لتغمغم مع نفسها بكلمات متبرمة تعبر عن استيائها
الحكاية مش نقصاك .... !!!
يتبع
الفصل السابع والثلاثون
زحام لا يطاق سيطر على الأزقة الضيقة والطرقات المؤدية إلى الدكان في ساعة الظهيرة مع ارتفاع درجة الحرارة نسبيا كذلك احتلت ناصية الشارع شاحنة ضخمة لتفرغ البضائع التي أتت بها انهمك العمال في حمل الأقفاص ونقل الخضر والفاكهة إلى مكان تخزينها بالدكان بينما تحرك تميم في اتجاه محرز الذي كان يقف على رأس العمال ليتابعهم سأله الأول بصوت مجهد_
دي النقلة الكام كده
أجابه بوجه متعرق_
الخامسة يا تميم.
زفر قائلا في تعب_
كده مش فاضل غير نقلتين كمان ويبقى قفلنا التوريد مظبوط
هز رأسه معقبا_
أيوه.
سأله تميم بجدية ظاهرة على قسماته_
الفواتير استلمتها لو معاك هاتها عاوز أرجعها.
تردد للحظة في إعطائها له فهناك حمولة زائدة تخصه جاءت ضمن المنقول وليست مسجلة في الأوراق وربما إن قام بالمراجعة لاكتشف أمرهم ابتسم محرز ليخفي توتره وقال_
حاضر يا أبو نسب أخلص بس دول وهاشوفهم.
تعقدت تعابيره متسائلا في استغراب_
ليه هما مش معاك
أجاب بنفاذ صبر_
هما موجودين جوا بس إنت شايف الشغل الكتير و..
أنجده من افتضاح أمره رنين هاتفه ادعى بحثه عنه وتابع_
هاشوف مين بيتصل.
التوى ثغر تميم في امتعاض من سماجته ومماطلته تلفت حوله ليتابع حركة العمال البطيئة هدر بهم بضيق_
يالا يا رجالة مش هانقضي اليوم كله في الكام قفص دول.
هتف محرز فجأة وقد تبدلت تعابيره للقلق_
جاي على طول يا هاجر هو واقف جمبي إنتي بس متتحركيش.
انتبه له تميم وسأله_
في إيه
أجابه وتلك الربكة قد سيطرت عليه_
هاجر بتولد وأنا رايحلها.
ربت على كتفه قائلا_
الحقها وأنا هاجيب أمي وأحصلكم على المستشفى.
رد عليه مؤكدا_
متتأخرش بالله عليك لأحسن دي موصياني.
علق مبتسما_
يا عم دي أختي هي حد غريب كفاية رغي وروحلها
على طول كملها بالخير معاها يا رب.
هتف محرز بتلك الكلمات وهو يهرول ركضا نحو سيارته ليستقلها بين اتجه تميم عائدا إلى والده ليطلعه بأمر شقيقته وكذلك والدته ليصطحبهما لاحقا إلى المشفى بينما يتابع هو استكمال الأعمال الناقصة.
...................................................................................
زغرودة تبعتها بأخرى أكثر حماسة وسعادة لتملأ جنبات الغرفة بصوتها المهلل تعبيرا عن ابتهاجها بولادة حفيدها الأول اضطرت ونيسة مرغمة أن تتوقف عن ذلك بناء على الاعتراض الجدي من إدارة المشفى لأجل توفير الهدوء للمرضى غطت علامات الفرحة أوجه كل المتواجدين ورغم أنين هاجر الخاڤت إلا أن فرحتها كانت لا توصف فاليوم قد وضعت رضيعها أدارت رأسها للجانب لتحدق في فراش المولود الملاصق لفراشها مسحت والدتها على جبهتها بيدها وانحنت عليها تقول_
حمدلله على سلامتك يا قلب أمك.
تساءلت هاجر بصوت واهن_
وابني
أجابتها بفرحة تغمر صوتها ونظراتها نحوه_
بخير يا حبيبتي أهوو جمبك نايم زي الملاك ربنا يحفظه من العين.
هلل محرز صائحا ببهجة عارمة_
الحمدلله ربنا رزقنا بأول حفيد للعيلة...
ثم دنا من حماه وأضاف بلؤم ماكر_
وبعد إذنك يا حاج بدير أنا ناوي أسميه سلطان عشان تحل البركة علينا.
ربت الأخير على كتفه مرحبا_
وماله يا ابني ونقوط سلطان الصغير جاهزة.
هتفت ونيسة من خلفه معقبة_
ده غير أحلى ليلة وسبوع هيتعمله ده أول فرحتنا بس تقوم أمه بالسلامة إن شاء الله.
اتسعت ابتسامة محرز المنتشية وقال بامتنان_
ده ابنكم قبل ما يكون ابني.
بالطبع كان مترقبا على أحر من الجمر لتلك اللحظات حتى يحصل على جزءا آخرا من تلك الثروة التي لا تنضب يحتاج لملء جيوبه بالمزيد من الأموال وإن كان بالتملق والتدليس المهم ألا يخرج فارغ الأيدي.
.......................................................
لم تترك لها الخيار سوى الذهاب إليها وإجبارها على الحديث معها في مقر عملها فإن كانت ترفض مواجهتها وتتجنبها وكأنها غير موجودة فهي لن تستسلم وترتضي بعزوفها عنها لن تترك الأمور معلقة بينهما هكذا ستدفعها للإصغاء
إليها وتقبل وجهة نظرها تشجعت همسة واتجهت إلى محل الهدايا الذي تعمل به توأمتها سحبت نفسا عميقا لفظته دفعة واحدة قبل أن تلج لداخل المكان ألقت نظرة مترددة على من فيه شعرت بقليل من الارتياح لعدم وجود زبائن فيه ستكون على أريحيتها التفتت برأسها للجانب حين نادتها علا بترحيب ودود_
مش معقول همسة! إيه المفاجأة الحلوة دي!
ابتسمت برقة وهي تسألها مجاملة_
إزيك يا علا
أجابتها بحيوية وقد امتدت يدها لتصافحها_
أنا تمام ..
ثم أحنت رأسها عليها لتقبلها من وجنتيها قبل أن تتراجع همسة لتقول ونظراتها تتجه ناحية شقيقتها_
مش هاعطلكم كتير أنا كنت جاية ل فيروزة.
هزت علا رأسها في تفهم كانت على علم مسبق بالخلاف بينهما دعتها للبقاء قائلة بلباقة ومن تلقاء نفسها_
تعالي يا هموسة ده محلك كده كده أنا طالعة أسلم أوردرات خدوا راحتكم.
شكرتها بنظراتها الممتنة وترقبت انصرافها لتبادر ممهدة للحديث بينهما_
لسه برضوه زعلانة مني
تجهمت تعابير فيروزة ورمقتها بنظرة حادة قبل أن تدمدم في ضيق_
جاية ليه
ابتلعت ريقها وردت_
عاوزة أتكلم معاكي.
هتفت ببرود وكأنها تطردها_
وده مش مكان للكلام أنا ورايا شغل كتير.
وبالرغم من أسلوبها القاسې المليء بالجفاء إلا أنها تفهمت موقفها نحوها وقالت بإصرار رافضة الاستسلام_ 
مش هامشي يا فيرو!
ضاقت عينا فيروزة بانزعاج واضح بينما تابعت همسة موضحة_
ما هو أنا مش عارفة أتلم عليكي في أي مكان وإنتي مش مدياني فرصة أشرحلك حاجة وآ....
قاطعتها بحدة لتغلق سبل الحوار معها_
إنتي حرة في اختياراتك أنا ماليش دعوة بيكي.
اعتذرت منها همسة برأس منكس قليلا وعينين حزينتين_
أنا أسفة يا فيروزة .. حقك عليا ...
سددت لها نظرات غاضبة وأطبقت على شفتيها مانعة نفسها من الكلام في حين أكملت همسة بنفس الوتيرة الهادئة وتنهيداتها تسبقها_
أنا مقصدش أحرجك قصادهم بس فعلا أنا عاوزة أكمل حياتي مع هيثم واتجوزه.. هو بني آدم كويس وبيحبني.
اڼفجرت صاړخة فيها علها تفيق من الأوهام التي تظن أنها تملأ رأسها الفارغ_
ده مش مناسب ليكي إنتي تستاهلي الأحسن منه إيه اللي يربطك بواحد زي ده عشان كلام اتقال من أمه الحقودة ولا أخته الغلاوية
اعترفت لها بصدق ودون ادعاء_
أنا بأحب هيثم زي ما هو بيحبني دي الحقيقة.
ردت ساخرة منها_
بتحبيه على إيه بالظبط إيه المميز فيه يخليكي تحبيه
أجابتها ببساطة_
متمسك بيا رغم اللي حصل.
يأست فيروزة من محاولاتها الفاشلة لإزالة تلك الغشاوة التي تحجب الحقيقة عنها وهتفت ترد بإحباط ظاهر على ملامحها وأيضا ملموس في نبرتها_
بصي أنا تعبت من الكلام في الحكاية دي اعملي اللي إنتي عاوزاه ميخصنيش.
ثم أولتها ظهرها لتكمل عملها في تغليف علبة الهدايا ورغم الحزن البادي على وجه همسة من جمودها معها إلا أنها تقدمت نحوها وضعت يدها على ذراعها وقالت بما يشبه الرجاء_
أنا عاوزاكي جمبي زي زمان احنا روح واحدة وآ...
هتفت مقاطعة جملتها المستجدية لمشاعر الأخوة_
همسة أنا ورايا شغل مش فاضية.
لم تجد الأخيرة بدا من النقاش معها ومع ذلك امتدت ذراعاها لټحتضنها من الخلف أسندت همسة رأسها على كتف توأمتها وأخفضت صوتها قائلة لها بصدق_
حقك عليك يا فيرو مسمحاكي مهما زعلتي مني وبأحبك على فكرة أوي.
اقشعر بدنها من كلماتها العفوية كانت تفتقد إلى حضنها كثيرا بالرغم من القساوة التي تدعيها أدارت رأسها نحوها وردت بصوت شبه مهتز محاولة إخفاء تأثرها_
ممكن تسيبني أكمل شغلي.
أرخت ذراعيها عنها وتنهدت قائلة_
حاضر بس هستناكي نتغدى سوا لما ترجعي البيت.. مش هاكل غير وإنتي معايا ماشي
وقبل أن تعلق بالرفض انسحبت همسة من المحل تودعها_
أشوفك على خير.
نظرت فيروزة مطولا وبعينين مشفقتين نحو الباب الذي خرجت منه توأمتها
وقد تهدل كتفاها ثم نفخت مرددة باستياء وكأنها تبوح بمشاعرها المخبأة علنا_
أنا خاېفة عليكي يا همسة وزعلني منك عشان ترجعي عن اللي في راسك.
...............................................................
بنظرات ماكرة ووجه تحتله أمارات الخبث أصغت بثينة التي جاءت لزيارة ابنتها بعد بضعة أيام للتطورات الحاډثة بين ابنتها وزوجها بعد الحاډثة الأخيرة التي كادت تكشف مخططتهما اللئيم في استنزافه .. اشتكت خلود لوالدتها من حالة الجفاء السائدة بينهما وهجر تميم لها بشكل أصابها بالخۏف والحنق لليال متواصلة. احټرقت شوقا لتواجده كما تلهفت پجنون لحبه النابع منه وليس بمفعول الدواء. اغرورقت عيناها بالدمعات الكثيفة وهتفت متسائلة في حيرة والحزن العميق يخيم على قلبها_
يامه ده مش عاوز يقرب مني من ساعة اللي حصل وبينام في الأوضة التانية وأنا هاموت ويرجع معايا زي الأول.
زمت شفتيها قائلة بتعابير جادة_
كله هيتحل وبعدين هو إنتي عملتي حاجة غلط!
أومأت نافية فواصلت والدتها القول موضحة لها_
إنتي اتصرفتي صح وجدعة إنك رستيني على الحوار من أوله...
ثم شددت من نبرتها حين أضافت تنصحها_
واتكي على النقطة دي كتير إنك عملتي ده عشان تخلي أخوكي مايعملش الغلط مع بنات الناس وما تزوديش معاه في الكلام.
ارتفع الكدر في عيني خلود شهقت قائلة بأنفاس متقطعة بسبب بكائها المتزايد_
أنا قلبي واقع في رجليا من اليوم ده يامه خاېفة يكتشف الحقيقة ولا أغلط بكلمة توديني في داهية.
قاطعتها حاسمة الأمر بالنسبة لها لتحثها على السيطرة على خۏفها_
يا بت اجمدي كده وبعدين قولتلك أي مصېبة تحصل لبسيها في أخوكي والبومة اللي اتنيل خطبها أل يعني هي عاوزة تخرب بينكم عشان ټنتقم لأختها وكتر خيرك إنك بتحاولي تجمعي بينهم.
برقت نظراتها بشكل أظهر قبولها بكلماتها الخبيثة .. ابتسمت بثينة مضيفة في مكر_
وأنا هافهم المحروس جوزك كده بالمحسوس إنه يراعي ربنا فيكي إنتي ليكي حقوق عليه والمفروض ما يقصرش معاكي.
هنا هتفت خلود ترجوها وكأن حية