رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


على الأريكة بجوارها ليلقي بثقل جسده عليها انحنى نحوها يربت على وجنتها برفق وهو يناديها بلهفة ملتاعة
فيروزة ردي عليا.
لم تتجاوب مع ضرباته الخفيفة بل تراخى جسدها كليا وباتت في حالة من اللا وعي تضاعف خوفه وتراجع عنها مخفضا ركبته ليساعدها على التمدد على الأريكة كان قريبا من وجهها ناداها بأنفاس مضطربة
فيروزة سمعاني
خفق قلبه بقوة حين استجابت لحظيا لندائه والتفتت ناظرة إليه. منحته نظرة حزينة سريعة عكست مدى الألم الذي تعانيه وتخفيه عمن حولها قبل أن تطبق على جفنيها وابتسامة باهتة ظهرت على شفتيها لتختفي مع هروب عقلها المؤقت عما يؤذيه. تركها في مكانه واستدار مهرولا نحو باب الغرفة طالبا للنجدة صاح بنبرة أقرب للصړاخ المڤزوع
يا جدعان حد يلحقنا.
ولج إلى الغرفة على إثر صوته بعض أفراد الأمن وكان على رأسهم أحد الضباط فتساءل في جدية وهو يدنو منها ليتفقدها
حصلها إيه
أجابه بقلق وقد تضرج وجهه بحمرته المنفعلة
دي نوبة بتجيلها كل شوية
سأله الضابط بسذاجة
صرع يعني
نفى ذلك كليا موضحا له بناء على تصريح توأمتها السابق
لأ حاجة نفسية.
هز رأسه في عدم اقتناع وهو يرد
طيب .. هاشوف.
رمقها الضابط بنظرة أخرى مدققة وقد بدا مستخفا بحديثه عن مرضها انتظر تميم أن يتخذ ذلك الضابط الخطوة الملائمة للتعامل مع حالتها لكنه لم يكن مهتما بالقدر الكافي لذا هتف قائلا بحدة ملموسة 
شكلها مايطمنش أنا هطلبلها الإسعاف وآ...
قاطعه الضابط بلهجة رسمية
هي مش سايبة عشان تعمل كده من نفسك ما جايز تمثيلية منها وآ....
رد عليه مقاطعا بصوت شبه قاتم ونظراته الحانقة مسلطة عليه
خلاص هاتلها دكتور يا باشا يشوفها بدل ما ناخد وندي وهي قصادنا كده مفرفرة.
علق بسماجة باردة تناقض طبيعة الموقف
لازم الظابط يشوفها الأول ويقرر.
احتج بعصبية بائنة في نبرته ونظراته وأيضا حركة جسده
وأنا قولت إيه غير كده هات حتى المأمور بس نتصرف!
علق الضابط ساخرا منه
إنت واخد بالك أوي منها تكونش متجوزها
رد بحنق وعروقه تنتفض بغضبه المكبوت
لأ..
بدا
صوته كالهسيس وهو يحادث نفسه
بس يا ريتني كنت متجوزها على الأقل مكونتش سمحت لحد يتعرضلها ولا حتى دخلتها مكان زي ده!
سأله الضابط السخيف بفضول
إنت بتكلم نفسك 
رد بوقاحة
ليه شايفني مچنون
زجره بخشونة
اتكلم عدل ماتنساش نفسك إنت هنا في قسم!
تدخل وجدي مقاطعا الاثنين بجدية بحتة ويتبعه شخص آخر تبدو هيئته رسمية
في إيه بيحصل هنا
أجاب تميم موضحا على الفور
يا حضرت الظابط الأبلة تعبانة جدا.
مد الضابط الأول المتواجد بالغرفة مصافحا زميله وقاصدا تجاهل ما أفصح عنه تميم ليشعره بعدم أهميته
محمود بيه نورت معاليك.
ثم انتقل للترحيب بزميله السابق بمصافحة حارة أيضا
أهلا وجدي بيه..
تساءل محمود في اهتمام وهو يتجول بنظراته على جسد فيروزة المسجي أمام الجميع على الأريكة
هي دي قريبة ماهر بيه اللي مكلمك عشانها
تلك النظرات العادية أو حتى غير المهتمة من بعضهم على جسدها كانت بمثابة السهام القاټلة التي تخترق صدره وتفتك بأعصابه لم يكن راضيا أبدا عما يحدث احټرقت أحشائه وتقطعت وهم يمررون عليها أنظارهم الفضولية وعلى قدر المستطاع حاول حجبها عنهم بجسده يتحرك مع اتجاه أي وجه ينظر إليها ليمنعه من النظر إليها وليحافظ على خصوصيتها انتبه إلى صوت وجدي المتسائل
حصلها إيه
أجابه محذرا بأعصاب شبه تالفة من حنقه الشديد
مش عارف بس لو فضلت كده هيجرالها حاجة.
الټفت وجدي للضابط الأقل رتبة وقال بلهجة آمرة
بعد إذنك يا محمود بيه هتخلي حد من رجالتك يطلب الإسعاف.
رد عليه بإيماءة من رأسه
تمام يا وجدي بيه وفي قوة أمنية هتروح معاها المستشفى...
ضاقت عينا تميم بحدة لكن الضابط تابع كلامه موضحا
بحيث لما تفوق ناخد أقوالها هناك.. 
ثم تركزت نظراته على تميم وهو يكمل باقي حديثه
وبالمرة نتكلم مع الضحېة ونعرف بالظبط تفاصيل الواقعة.
نظرات الاتهام كانت ظاهرة في عيني الضابط محمود وقوبلت بزفير ثقيل من تميم الذي كان يكز على أسنانه مانعا نفسه من التصرف برعونة فقط من أجل الوصول إلى الحقيقة وإثبات براءتها.
...........................................................
أصر على نقلها لأكثر المستشفيات حرصا على تقديم الرعاية الطبية القصوى لمرضاها ولا يدري إن كان ذلك لحسن حظه أم لسوءه فقد تواجدت في نفس المشفى مع طليقته السابقة ولكن كان الفارق في مكوث فيروزة بالطابق الخاص بالشخصيات الهامة على عكس خلود التي مكثت بغرفة أقل تكلفة وانتظر بترقب خروج الطبيب المكلف بفحص حالتها لطمأنته عليها جالت نظراته على القوة الأمنية المتواجدة أمام باب غرفتها وبدا هذا مزعجا له بحد كبير فلم يثبت بعد إدانتها لتعامل بتلك الطريقة لكن نصيحه محاميه الخاص بعدم الاحتكاك بهم حتى لا يتعقد الموقف والانتظار ريثما تنتهي التحريات والإجراءات القانونية المتبعة في مثل تلك الظروف.
مضى ما يزيد عن النصف ساعة وهو ما زال واقفا بالخارج تحركت عيناه مع الطبيب الذي خرج لتوه من الداخل أقبل عليه دون تأخير وعيناه تحاولان التطلع إلى فيروزة من تلك الڤرجة الصغيرة في موضع الباب ليتمكن من رؤية ما يحدث لها ثم سأله في اهتمام واضح
عاملة إيه دلوقتي
أجابه بهدوء ونظرات ثابتة
حالتها مستقرة حاليا.
سأله بتردد وهو يشرأب بعنقه للأعلى ليلمحها بعد أن حجبت الممرضة المتواجدة أمام فراشها الرؤية عنه
طب يعني أقدر أشوفها
جاوبه بالنفي القاطع
لأ..
انخفضت عينا تميم على وجه الطبيب فاستأنف موضحا أسبابه
هي هتفضل نايمة بسبب المهدئات اللي واخدها وده أحسن لها الفترة دي.
هز رأسه قائلا بضيق انتشر على تعابيره الواجمة
طيب يا دكتور طالما فيه الفايدة ليها.
الټفت الطبيب برأسه نحو المحقق الشرطي الذي سأله
ها يا دكتور ينفع نتكلم مع الأستاذة ولا ..
تنحنح موضحا من جديد
لا يا فندم هتضطر تنتظر شوية المړيضة
مش في وعيها ونايمة تحت تأثير المهدئ.
حك الضابط محمود ذقنه وكأنه يفكر في حديثه لم يكن راضيا عن رد الطبيب ونظراته لم تفارق وجه تميم أيضا بينما طالعه الأخير بنظرات متشفية لكن الأول عاد ليقول بسماجة رسمية
عموما هنروح نشوف المجني عليها وناخد أقوالها بيتهيألي هاتكون فاقت.
وارتسمت على قسماته ابتسامة باردة مستفزة متوقعا أن يعارضه زوجها الأسبق لكنه خالف توقعاته وقال مرحبا
يا ريت وكمان تاخد أقوال الشهود كلهم اللي كانوا موجودين.
انزعج الضابط من مناطحته الرأس بالرأس وعنفه بلهجة قوية
إنت مش هتعرفني أمشي شغلي إزاي
بهدوء تام علق عليه تميم وهو يشير بيده
وأنا أقدر يا باشا تعالى أما أوديك بنفسي.
حدجه الضابط محمود بنظرة قاسېة تعكس حنقه منه وقبل أن يتكلم مجددا لېعنفه توقف أمامه أحد أفراد القوة الأمنية انتبه إليه عندما نطق برسمية بحتة
سعادت الباشا مكالمة لحضرتك من الباشا المأمور.
تناول الهاتف المحمول منه وهو يرد على مضض
طيب.
تحرك الضابط مبتعدا عن محيط تميم شيعه الأخير بنظراته القاتمة وهو ينصرف ليردد في نفسه بقنوط
اتبسطتي كده لما خربتيها يا خلود
يعني إيه مكونتش عايزيني أعرف
تساءلت همسة بتلك العبارة وبصوتها الحاد وهي تسحب والدتها بخطوات متعصبة في اتجاه المصعد فزوجها هاتفها ليطلعها على آخر المستجدات والتي لم تكن على علم بها لتهرع بعدها إلى أمها وتأتي بها إلى المشفى في حالة انفعالية مفهومة. حاول هيثم إيقافها وتهدئة ثروتها قائلا
ما هو ده اللي كنت خاېف منه تجي وتجيبي أمك على ملى وشها.
رمقته بنظرة ڼارية وهي ترد عليه
مش أختي يا هيثم ولا عايزني أعرف اللي هي فيه وأنام على المخدة ولا كأن في حاجة حصلت
رد بوجه مقلوب وتكشيرة جانبية
ماشي بس الأمور تتاخد بالعقل مش قفش كده!
صاحت بنفاذ صبر وقد فتح بابي المصعد
معدتش في عقل..
ولجت كلتاهما للداخل وظلت همسة تردد بصوتها المنفعل
ده احنا كلنا كنا واقفين وشايفين أختك عملت إيه.
صاحت فيهما آمنة ليكفا عن الجدال
خلاص يا ولاد مش وقت خناق لا ده مكانه ولا حتى وقته وخلوني أطمن على بنتي.
رد هيثم وهو ينضم إليهما بداخل المصعد
اتفضلي يا حماتي.
منحت همسة زوجها نظرة لا تبشر بخير وقد خبت نبرتها حين قالت له مھددة
الكلام بينا لسه مخلصش يا هيثم!
نظر لها بقلة حيرة وهو يردد في نفسه
ده اللي أنا كنت خاېف منه هاتقلب الليلة عليا في الآخر ويتقال أختي وأختك!
اصطحب كلتاهما إلى غرفتها بالطابق المميز ورغم المحاولات المضنية لمنعهما من رؤيتها إلا أن والدتها وتوأمتها نجحتا في الأخير في الدخول لها والبقاء بجوارها بعد اللجوء لوساطات لا طائل لها من مسئولين ذوي مناصب هامة كلمتهم مسموعة ونافذة. انتظر تميم بالخارج مع ابن خالته لم يحاول اقټحام خصوصية العائلة وطلب من هيثم التواجد معه لكن تلك النظرة المختلسة على وجه فيروزة النائمة وهي تدير رأسها للناحية الأخرى أشعرته بالارتياح. انغلق الباب فاستدار تميم في اتجاه شقيق طليقته ليمسك به من ياقته جذبه بعيدا عن أعين أفراد القوة الأمنية المراقبة لهما ليشرع في توبيخه بغلظة وهو يكز على أسنانه
إنت غبي يا ابني كلمتهم ليه لازمتها إيه الشوشرة دي
حاول هيثم انتزاع ياقته من قبضته المحكمة عليه وقال مبررا تصرفه
ما كده كده كانوا هيعرفوا دي أمها ودي أختها يعني مش حد غريب...
ثم بلع ريقه وأضاف بتمهل وكأنه يفصح عن عيب خطېر
وبصراحة كده أنا مابعرفش أمسك لساني مع مراتي!
أرخى تميم أصابعه عنه ومنحه تلك النظرة الحادة قبل أن ينطق بغيظ
ما هو باين!
سأله هيثم وهو يضبط هيئته
ها قالك إيه الدكتور
أجاب على
مضض وبزفير سريع
واخدة مهدئ نفسيتها مش حلوة.
أكمل هيثم مسترسلا في الحديث بتوتر مختلط بالمزاح
آه لو أمي عرفت إنها هنا يا لهوي هتولع الدنيا.. وهي أصلا والعة لواحدها.
نظر له تميم بطرف عينه وقال
ومين هيقولها غيرك!
رفع ابن خالته كفيه معترضا
لأ مش للدرجادي أنا برضوه بأفهم.
ساد الصمت للحظات لم تدم كثيرا ليبوح بعدها هيثم بمناقشته المحتدمة مع والدته
ده أنا مرضتش أشهد زور
الټفت تميم كليا نحوه وسأله بوجه حائر
تشهد زور في إيه
رد بكتفين متهدلين
ما هي عايزاني أخد صف خلود وأقول إن أخت مراتي وقعتها من على السلم.
تحفز ابن خالته في وقفته بعد سماعه لذلك وسأله بقلب يدق بقوة
والأبلة معملتش كده صح
أتاه دليل براءتها واضحا حين جاوبه
أنا شايف أختي وهي قاصدة تحدف نفسها من عليه محدش لمسها ده غير إن كان في مسافة كبيرة بينهم ومراتي شافت ده كمان بس أمي الله يسامحها ضميرها مېت.
سكت تميم لبرهة ليستعرض في عقله ما يدور ويحلله قبل أن يخبره
وطبعا هتجبرك تشهد معاها.
حرك هيثم رأسه موضحا موقفه النهائي
ما أنا قولتلها لأ.. وقلبت بخنافة معها...
ثم لفظ الهواء المحبوس في صدره ليطلب منه بما يشبه النصيحة
حاول إنت تحل الليلة دي كلها يا معلم لأنها لو فضلت على الشكل ده مش هنخلص أبدا والحكاية هتوسع وهتبقى محاكم وجايز يبقى فيها سجن.
غامت عيناه بشكل غريب حاليا لم يلم بعد بالأبعاد القانونية لتلك المسألة العويصة لكن لا يضمن عواقب تركها معلقة فخالته ليست بالشخص الهين الوديع وابنة خالته لا تقل خطۏرة عنها تنفس بعمق وتحدث بعدها بغموض
فعلا لازملها حل ويجيب من الآخر كمان.
وجودهما بغرفتها