رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


ابتعدت عنها ودفعت جسدها لتهبط عن الفراش لتتابع بصيغة آمرة
يالا بينا..
قټلت فيروزة اختناقة موجعة حاولت الظهور في صوتها حين أكملت
مافيش حاجة يتبكى عليها هنا.
لم تفكر آمنة حتى في مجادلتها وردت في خنوع
حاضر يا بنتي.
...................................................................
قطع محدودة من الثياب قامت بجمعهم في وقت ضئيل بعد إعادة ترتيب الغرفة لتبدو نظيفة منسقة وكأن أحدا لم يطأها من قبل تقدمت آمنة نحو الخارج أولا تاركة ابنتها خلفها لتستعد نفسيا للمغادرة متوقعة إحساسها بالخجل وربما الانكسار مثلما تشعر هي لكنها فاجأتها فيروزة حين تبعتها رافعة أنفها للأعلى في شموخ عجيب كمن لم يتعرض للإساءة أبدا مع فارق عظيم نظراتها تبدلت من المحبة والدفء للقسۏة والعدائية والسبب كان معلوما. تفاجأت سعاد باتجاه الاثنتين نحو باب المنزل فقطعت عليهما الطريق بجسدها وتساءلت في جزع
على فين العزم
بادرت آمنة مجيبة نيابة عن ابنتها
مالناش قعاد هنا.
تعلقت بذراعها ترجوها
استني يا آمنة..
نظرت لها الأخيرة بعتاب قبل أن ينطق لسانها
كتر خيركم على اللي عملتوه.
ردت سعاد مدافعة عن نفسها بحزن يعتصر قلبها
أنا ماليش ذنب يا آمنة...
ثم اتجهت أنظارها نحو تلك المسكينة ذات الملامح الواجمة نظرت لها بإشفاق وهتفت ترجوها بصوت غلفه العطف وهي تمد يدها لتلمس كتفها
فيروزة يا بنتي!
انتفضت الأخيرة من لمستها وتراجعت قبل أن تكرر ذلك كارهة بشدة وبسخط متعاظم للغاية أن يضع أحدهم يدها على جسدها أو أن يدنو منها أيا كانت معزته عندها. اعتذرت منها زوجة عمها پقهر واضح عليها وقد بدت الأكثر تأثرا بما حدث
حقك عليا يا بنتي أنا عمري ما هسامح فضل على اللي عمله فيكي.
سدت فيروزة أذنيها بيديها حتى لا تسمع ما يذكرها بما خاضته من تجربة مهينة لذاتها واستدارت تقول لوالدتها بصوت متشنج
يالا من هنا.
هناك شرخ جسيم غير مرئي نال من كل ما ظنت أنه ثابت لديها ومن تلقاء نفسها تساءلت سعاد ببديهية
مش هتستنوا خليل
ردت آمنة بوجه عابس كمن لا تدين لها بشرح
هو حر مع مراته يرجع وقت ما يحب.
لم تكلف فيروزة نفسها عناء الرد عليها حتى محبتها الصافية لم تشفع لها عندها وضعت حاجزا وهميا بين كل من تورط في أذيتها بينما ألقت عليها سعاد نظرة أخيرة مطولة وكأنها تودعها للأبد وقلبها يبكي حزنا على رحيلها المفروغ منه.
.........................................................
رؤيتها بثوبها الفضفاض بعد كل سنواته العجاف أوقظ به تلك المشاعر الحسية المنسية مع كد الحياة الذي لا ينتهي جعل ما في نفسه يثور ويزأر بقوة تدعوه للتمتع بما حباه المولى من مواهب ذكورية مفرطة طالما أنها تحدث في نطاقها الشرعي خاصة أنه يعشق ترويض أمثالها وامرأته لم تمنحه ذلك الشعور بالسطوة المطلقة لكن هناك ما اعتبره عقبة شائكة تمنعه حاليا من إتمام ذلك لا يوجد ما يعيب زوجته مطلقا فهي تحمل السمات المثالية للزوجة المنشودة الوفاء الطاعة العمياء لا تعانده تكفي يومها بالقليل ولا تطمع أبدا فيما لا يرضيه يقال عنها باختصار بأنها طوع بنانه لذا إن تهور وباح برغبته بالزواج مجددا حتما سيلومه الجميع على هذا. إذا ليتريث لبعض الوقت على أمل أن تصر تلك العنيدة على رفضها ويستغل ذلك لصالحه.
لمح فضل طريدته المشوقة وهي تندفع خارجة من المنزل فتلفت حوله بنظرات خاطفة
سريعة ليتأكد من عدم رؤية أحدهم لهما معا وبلمح البصر تقدم نحوها معترضا طريقها ألقى عليها نظرة بطيئة جالت على تفاصيلها ليستهل حديثه بخشونة نفرت منها
ماشية كده وواخدة في وشك مش معبرة حد فينا ليه يعني
رمقته فيروزة بنظرة ڼارية مغلولة وأشاحت بوجهها بعيدا عنه استوقفها بشدها من ذراعها صائحا بها بغلظة
مش بأكلمك تردي عليا
انتزعت ذراعها من قبضته القوية وحدجته بنفس النظرات الكارهة قبل أن تصرخ به رغم چرح أحبالها الصوتية رافعة سبابتها أمام وجهه
إنت آخر حد تفكر تكلم معايا بعد اللي عملته!
لم ينكر أنها لفتت أنظاره بعد تلك الفترة الطويلة من الغربة حيث أنهكته دوامة الحياة والسعي وراء جني المال في أقل وقت ممكن لم يكترث لتواجد زوجته معه ودعمه في تلك المشقة. دقق فضل النظر في تفاصيلها الأنثوية وتخيلها بدون ما يحجب الرؤية عنه تغيرت كثيرا عن آخر مرة رأها فيها وكان ذلك قبل بضعة سنوات بدت مختلفة في الوقت الحالي برزت معالمها وتكورت كانت مفعمة بالنشاط والقوة على عكس شريكته التي أهملت في نفسها وكرست حياتها لخدمته ورعاية الصغار فتناست أنوثتها وباتت روتينا مزعجا خلال متابعته لسير حياته الرتيبة عاد من شروده السريع ليبرر تصرفه البغيض قائلا ببرود استفزها
وأنا عملت إيه ده أنا كنت بأطمن على شرفي.
صړخت توبخه بقوة غير عابئة باحتمالية تكرار بطشه الأهوج عليها
أنا شريفة ڠصب عن عين أي حد!
التوت شفتاه ببسمة خبيثة عابثة وأضاف بغمزة من طرف عينه
ما احنا اتأكدنا يا بنت عمي.. زي الفل!
رمقته بنظرة استحقار نافرة وهي تهمهم بخفوت مولية إياه ظهرها لتشرع بعدها في السير
قذر.
لم يستمع بوضوح لما نعتته به ولم يهتم سار إلى جوارها بخطوات متسعة ليلحق بها هاتفا من خلفها
إيه مش هتقعدي معانا وترحبي بابنك عمك ده أنا غايب بقالي زمن.
توقفت عن الحركة واستدارت نحوه تحدجه بمزيد من النظرات الحانقة خاصة تلك النظرة الاحتقارية التي اشتملته من رأسه لأخمص قدميه قبل أن تهزأ منه
ابن عمي! ده بجد ولا نكتة بايخة..
قست نظراته من ازدرائها الواضح بينما تابعت فيروزة بنفس القوة وكأن أياديهم لم تمسسها بسوء
عارف إنت كنت زمان حاجة كبيرة أوي في نظري.. دلوقتي بقيت ولا حاجة.
إھانتها المتطاولة أغضبته فأشار لها بسبابته يحذرها
احفظي أدبك معايا.
وكأنه لم ينطق بشيء ذو قيمة فأضافت بنفس الثبات والقوة
أنا مغلطتش فيك بس دي الحقيقة.. وأوعى تفكر إن اللي حصل معايا ده هيكسرني بالعكس ده عرفني نوعية الناس اللي من دمي وحقيقتهم.
رد بشدة وبوجه مربد بحنقه الغاضب
أنا مافيش حرمة تعصى عليا عندك سها مراتي لو بس فكرت تعارضني مش هتلاقي غير حزامي.
نظرة أخرى ڼارية نالها منها قبل أن تهتف منهية الحديث معه
ربنا يرحمها ويرحمنا... من اللي زيك.
توقف في مكانه ولم يتبعها وقد أبصر زوجته تطل برأسها من النافذة أراد إخفاء تأثره الواضح بها فاستقام في وقفته ونفخ صدره بالهواء ليصيح بعدها بسخافة
على مهلك وإنتي ماشية يا بنت عمي.. لأحسن الطريق وحش على اللي زيك.
ثم وضع يده على بطنه الجائع ومسح عليه بحركة دائرية متكررة لتنخفض بعدها نبرته هاتفا لنفسه بما يشبه الوعد وتلك النظرة المفترسة تحتل حدقتاه 
ما احنا مسيرنا هنتقابل .. 
.............................................
بتعسف وقسۏة رفضت السماح لها بالتواجد معها طوال فترة إعدادها للطعام وكأنها تعلن لها بشكل ملتو أنها لا تجيد الطهي من الأساس رغم براعتها في تجهيز المأكولات والتي يشهد الجميع عليها بذلك. ظلت همسة باقية في الخارج على مسافة معقولة تمكنها من رؤية حماتها
وهي تعبث بأدوات الطهي مخرجة كافة ما رتبته في الأدراج لتزيد من الفوضى الحاډثة به كتمت ضيقها مرغمة حتى لا تمنحها الفرصة لإفساد ما بينها وبين زوجها فالأخير قد حذرها من لجوء والدته لتلك الأساليب المستفزة لينشب الشجار بينهما. لمسة حنون منه على جانب ذراعها أجبرتها على إبعاد نظراتها المزعوجة عنها التفتت ناحية هيثم الذي سألها
هي لسه مخلصتش
نفخت وهي تجيبه بضيق
معرفش بس قالبة المطبخ كله ومافيش حاجة مطلعتهاش كأنها قاصدة ده.
غمغم بتبرم وهو يفرك مؤخرة عنقه
أنا عارف أمي هتنكد علينا النهاردة.
التفتت في اتجاهه تشير له بسبابته منذرة إياه
يكون في معلومك أنا مش هانضف ده كله لوحدي بجد حرام أوي دي ما سبتس حاجة مطلعتهاش من دواليب المطبخ.
أمسك بيدها ليخفضها وقال مبتسما
هابقى أغسل الأطباق والحلل معاكي مرضية
أومأت برأسها في استحسان قبل أن ترد باقتضاب
ماشي.
سألها هيثم مغيرا حوارهما
أمك رجعت من البلد ولا لسه
أجابت عليه بعد تنهيدة شبه مهمومة
أيوه .. كلمتها قالتلي هي في البيت بس صوتها مش عاجبني شكل في حاجة كده حصلت.
علق عليها بنبرة عادية
تلاقيها تعبانة من مشوار السفر
هزت كتفيها قائلة
جايز.
سألها في فضول
وأختك اتقرت فاتحتها
أجابته بقليل من التردد
باين كده.. الصراحة معنديش تفاصيل.
رد غير مبال بمعرفة الأمر
متستعجليش هنعرف كل حاجة يا خبر بفلوس..
ابتسمت وهي تتم القول الشعبي الدارج
بكرة يبقى ببلاش.
وضع يده على ظهرها ليدفعها برفق للأمام وهو يتابع
تعالي أما نشوف أمي بتعمل إيه جوا.
سارت معه متمتمة
أوكي.
ولج كلاهما لداخل المطبخ حيث أحدثت بثينة فوضى عارمة عن قصد وسوء نية انعكست علامات النفور والضيق على ملامح وجه همسة ولم يستطع هيثم التعليق فالمكان ينطق عن نفسه تقدم نحو والدته الواقفة أمام الموقد سألها في اهتمام
إيه يامه
استدارت نحوه مرحبة به
تعالى يا حبيبي أنا خلاص هحمر البط وأقفل الفرن على صينية البطاطس زمان وشها اتحمر..
مط فمه في إعجاب قبل أن يقول
بط مرة واحدة
وكزته برفق في جانب ذراعه وهي تستكمل موضحة ما أعدته
لأ وحشيتهولك مرتة من اللي بتحبها.
استنشق هيثم بعمق رائحة الطعام الشهية التي عبقت المكان وهز رأسه معقبا عليها
ما هو باين من الريحة.
تساءلت همسة من خلفها وهي تكبح غيظها المتنامي بداخلها
مش عايزة مساعدة يا طنط أنا شاطرة في الطبيخ.
نظرت لها شزرا ثم أبعدت عينيها عنها لترد بتهكم
بأمارة إيه يا ادلعدي
أجابت عليها همسة بثقة مستعيدة في مخيلتها العبارات المشيدة ببراعتها خلال فترة عملها بعربة الطعام 
الناس كلها عارفة ده وتقدري تسألي ماما.
علقت بنقم سافر
من يشهد للعروسة غير أمها.
ورغم نبرة السخرية المحسوسة في صوتها إلا أنها ردت بجأش تحسد عليه
تقدري تدوقي أكلي بنفسك وتحكمي.
على الفور احتجت باشمئزاز
لأ مش عايزة وبصراحة كده أنا مضمنش تحطي لابني حاجة في الأكل.
بدت جملتها مليئة بالاټهامات الغامضة ضاقت نظرات همسة نحوها وسألتها بقلب ينبض في توتر
حاجة
حيلة ماكرة رغبت في نشرها بين الزوجين للتفريق بينهما لهذا ادعت عليها بثينة بأكاذيب ملفقة وهي تضع قناع البراءة على ملامحها
بص يا هيثم أنا مردتش أقولك يا حبيبي وأنا بأدور على التوابل لاقيت علبة البرشام دي مستخبية وراهم..
ثم أظهرت من جيب صدرها علبة دوائية غريبة الشكل دقق هيثم النظر فيها هاتفا بدهشة
برشام!!!!
تابعت كذبها المرتب قائلة
أيوه شكله مريحنيش وصفته للصيدلي اللي بأتعامل معاه في التليفون وقولتله على اسمه فقالي إنه منشطات من إياها.
شهقت ڤاضحة خرجت من جوف همسة على كذبها البين بينما ردد هيثم مصډوما
نعم منشطات!!
حدجت بثينة زوجته بنظرات مقيتة وأضافت بأسلوبها الحاقد
شوفت مراتك بتعمل إيه من وراك
نفت همسة كامل اتهاماتها بصوت بدا مخټنقا بوضوح
والله ما حصل دي أول
مرة أشوف العلبة اللي في إيدك.
على الفور استغلت والدته كلماتها الأخيرة وأعادت صياغتها بشكل ملاوع لتتهمها من جديد
يعني أنا كدابة بقى دي أخرتها سامع مراتك بتشتمني إزاي
اڼفجرت همسة باكية من الظلم المجحف الواقع عليها بينما استنكر زوجها ما تحاول والدته فعله قائلا بتجهم شديد
هي نطقت أصلا
من بين بكائها الحارق هتفت همسة بصوتها