رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


الله
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول 
أيوه اتفقت مع المأذون يجي هنا على بعد صلاة العشا وسلمته الورق المطلوب.
تصنع العبوس وزفر الهواء بتمهل ليضيف بعدها وكأنه حقا يشعر بالتعاسة لأجلها 
كان نفسنا نعمل حفلة وهيصة دي بنتنا وفرحتها تهمنا.
تحولت أنظار آسر نحو فيروزة ليتأمل تعابيرها الواجمة بدت غير راضية عن تذمر خالها ومع ذلك استغل الفرصة ليكرر اقتراحه بهدوء واثق 
معنديش مشكلة .. لو فيروزة حابة فأنا جاهز نحجز في أكبر فندق و آ.....
قاطعته حاسمة أمرها بما لا يدع أي مجال للمناقشة 
لأ مش عايزة زي ما اتفقنا من الأول أعدة عائلية على الضيق.
على أعتاب الغرفة وقفت حمدية في سكون حذر تتابع بتلصص ما يدور بالداخل وعلامات الامتعاض تكسو وجهها حدجتها بنظرة ساخطة مزدرية وتمتمت من بين شفتيها بصوت خفيض 
وش فقر!
تنحنحت عاليا بعدها وهي تكمل سيرها نحو الداخل وصينية موضوع بها حلوى الجلي بالموز تحملها بين يديها وضعتها أمام الضيف وقالت مفتعلة الضحك 
بص بقى يا سي الأستاذ دي عمايل إيدي ولا أجدعها شيف فيكي يا جمهورية.
هتف مجاملا ونظرته المشرقة تضيء قسماته 
ما هو باين من شكلها اللي يفتح النفس.
ضحكت مجددا وجلست إلى جوار فيروزة ثم استطردت مضيفة بسماجة سخيفة 
بس أنا زعلانة منك إزاي تهاود عروستنا كده وتعملها فرح سكيتي ده إنت مقامك عالي وهي ..
تعمدت التباطؤ في كلماتها الأخيرة وعيناها مرتكزتان على وجه فيروزة لتراقب ردة فعلها بانتشاء مستفز وكأنها تريد تذكيرها بمذلتها الأخيرة في بيت عمها على يدها ويد غيرها من أجل كسر هامتها 
بنت بنوت وزي الفل.
ببساطة علق عليها آسر 
والله أنا مش ممانع.
نظراتها الوقحة وتعابيرها الشامتة كانتا كفيلتان بإشعال جذوة ڠضبها تلون وجهه فيروزة بحمرة ڼارية وصاحت بها بعصبية
قاصدة إحراجها وربما التشاجر معها 
ممكن ماتدخليش دي حاجة تخصني.
اغتاظت حمدية من هجومها عليها خاصة أنها بدت متحفزة للتشابك اليدوي معها وهيئتها أكدت استعدادها الفعلي للمضي قدما في ذلك لذا التفتت نحو زوجها تشكوها له 
شايف يا خليل بتكلمني إزاي أل وأنا اللي عايزاها تفرح وتتبسط!
على ما يبدو لم يكن زوجها منتبها لها فهاتفه المحمول كان في يده وتركيزه بالكامل تقريبا مع ما تم إرساله إليه عبر رسائل خطه في حين ردت فيروزة بتشنج ونظراتها قد تحولت للقتامة 
وإنتي مالك دي حياتي أنا خليكي في اللي يخصك وبس.
أشار لها آسر بيده راجيا 
اهدي يا فيروزة الموضوع مش مستاهل ده كله.
للمرة الثانية أحرجتها أمام الضيف فشعرت حمدية بمزيد من الاستياء وهتفت في زوجها 
ما تقول حاجة يا خليل!!!
رفع الأخير نظراته المشغولة عن شاشة هاتفه وأدرك أن كافة الأعين متجهة إليه خاصة نظرات حمدية الحانقة أومأت له برأسها في اتجاه ابنة أخته ليقول بصوت رخيم وبجملة اعتراضية محايدة محاولا مجاراة المحادثة التي لا يدرك ماهية تفاصيلها بالضبط 
جرى إيه يا فيروزة ماتزعليش حد منك!
ردت عليه حمدية بتهكم 
ده اللي ربنا قدرك عليه
هنا تدخلت آمنة وزجرتها بصرامة 
خلاص يا حمدية زي ما بنتي تعوز هنعمل.
استغربت الأخيرة من تضامنها مع ابنتها على عكس المعتاد منها وقالت لاوية ثغرها بتأفف 
هو أنا قولت حاجة غلط على رأي المثل العروسة للعريس والجري للمتاعيس.
نهض خليل واقفا ليستأذن بقليل من الربكة البادية عليه 
معلش يا ابني المدير طالبني في الشغل هارد عليه في البلكونة وراجعلك تاني.
أشار له آسر قائلا بتفهم 
اتفضل خد راحتك يا أستاذ خليل.
لعق شفتيه وقال مؤكدا 
دقيقة وجاي.
لم تسترح حمدية للتوتر الملبك الظاهر على تصرفات زوجها كان مرتبكا متلجلجا يبدو وكأن به خطب ما استراب حدسها الأنثوي بشدة وانتظرت خروجه لبضعة لحظات حتى تتبعه وتفتش ورائه .. سارت بخطوات حثيثة استندت بظهرها على الحائط الملاصق لنافذة الشرفة وأرهفت السمع لهسيس صوته وهو يقول 
حاضر يا سماح إديني كام يوم بس وهاقولها أي حجة وأجيلك.
غمامة مظلمة حلت على ملامح حمدية والتي كانت تكتم أنفاس حنقها بصعوبة مجهود يفوقها بذلته لتبدو ساكنة وهي تكتشف حقيقة خيانته لها مع امرأة غيرها وإن كانت زوجته لا يحق لأخرى مشاركتها فيه تصلبت في مكانها ولازمت الهدوء فلا ينتبه لوجودها سمعته يقول لها بلهجة منزعجة رغم خفوتها 
هعمل إيه يعني خدي البت للدكتور يشوفها.
زفيره الطويل وصل إلى مسامعها ليكمل بعدها منهيا مكالمته 
طيب هبعتلك فلوس بكرة في البريد سلام بقى.
على عجالة أخفت تعابير الڠضب وتراجعت بضعة خطوات للخلف لتبدو وكأنها قد جاءت لتوها ادعت اهتمامها الزائف بأمره وسألته 
في حاجة يا خليل
تفاجأ من وجودها فردد بلعثمة متوترة والعرق يغزو جسده 
ح...حمدية!
ببرود متقن سألته وكأنها لا تعرف الحقيقة المخبأة 
وشك قلب كده ليه
لعق شفتيه الجافتين وقال نافيا 
م.. مافيش.
رفعت حاجبها للأعلى وتساءلت بابتسامة ساخطة أخفت ورائها نيران حقدها 
ها المدير كان عايزك في إيه السعادي 
تنفس الصعداء لاعتقاده أنها صدقت بسذاجة كذبته السخيفة وأجابها بعبوس 
ده .. بيقولي إن بنته تعبانة ونقلها المستشفى واتحجزت هناك.
زمت شفتيها في أسف وتساءلت 
يا حرام.. شوف إزاي وده من إيه يا خويا
تنهد على مهل ثم جاوبها مسترسلا في تجميل كذبته بوقائع منطقية علها تنطلي عليها 
مش عارف.. بس باين من كلامه حالتها صعبة واحتمال يغيب كام يوم وبيرتب معانا الشغل هيمشي إزاي.
قطبت جبينها وعلقت باقتناع مفتعل
ده شكل الموضوع كبير.
أكد عليها بثبات بعد أن استعاد كامل هدوئه 
الظاهر كده المړض مالوش كبير.
ضاقت عيناها وقالت 
أيوه.
نظر إليها مضيفا بشيء من الرجاء المختلط بالسخرية 
عندك حق. ادعيلها يا حمدية ده إنتي دعوتك مستجابة.
على ثغرها ارتسمت ابتسامة باهتة وهي ترد 
أه طبعا.
وقبل أن يختتم كلامه معها أخبرها بحذر مترقبا لردة فعلها 
مش عارف بقى إن كان هيكلفني أقوم بالشغل مكانه ولا لأ.
أتاه تعليقها حياديا 
هنشوف يا خليل..
ثم ربتت على كتفه تستحثه 
بلاش نشغل بالنا بحاجة لسه مجاش وقتها وتعالى نشوف العريس اللي مستني جوا.
وافقها الرأي وقال في استحسان 
معاكي حق.
تباطأت حمدية في خطواتها وهي تتبعه لكن نظراتها نحوه أكدت أنها ستذيقه من الويلات ما لن يطيق مطلقا.
..............................................................
أزاح المنشفة عن رأسه المبلل بعد تجفيف خصلاته تقريبا وألقى بها بإهمال على فراشه ليقف أمام المرآة ويبدأ في تمشيطه وترتيب المتنافر منه وما إن انتهى تميم من إكمال ارتداء ثيابه حتى خرج من غرفته واتجه إلى غرفة الطعام حيث شرعت شقيقته في رص الأطباق استعدادا لتناول الغذاء ألقى عليها التحية متسائلا 
عاملة إيه يا هاجر وحبيب خالو أخباره إيه
بوجه شبه متجهم أجابته 
الحمدلله.
كان متفهما لجفاء معاملتها معه فتلك وسيلتها المكشوفة للضغط عليه من أجل العودة إلى زوجته السابقة لكنه لم يشتك من جمود تصرفاتها وتقبل ما تفعله برحابة صدر بينما تساءلت ونيسة بصوت شبه عال وهي تضع صينية البطاطس بالفرن الساخنة في المنتصف 
مش ناوي تتغدى معانا
هز رأسه بالنفي وهو يجاوبها 
لأ يامه كلوا إنتو بالهنا والشفا أنا عندي شغل متلتل ورايا.
عقبت في تذمر ساخط 
أهوو كل يوم واجع قلبي كده لا بترضى تاكل ولا بقينا نشوفك ولا كأنك تعرفنا زي ما تكون قاعد في لوكاندة تيجي تبات فيها آخر النهار مش بيت أهلك ولا ...
ثم تطرقت للموضوع الآخر والذي لا يحبذ سماعه مطلقا 
حتى مش عايز ترد خلود الغلبانة تاني لعصمتك ده البت بعد كل اللي حصل فيها لسه شرياك ھتموت نفسها عليك وبتحبك والله ما يرضي حد إنك تظلم مراتك كده! 
حاول إجبار شفتيه على التقوس والابتسام قليلا ثم صحح لها ككل مرة بأسلوب ساخر 
ما بقتش مراتي يامه دي بنت خالتي وبس إنتي على طول كده ناسية!
حدجته بنظرة قوية مستنكرة قبل أن تتنمر عليه 
ده اللي فالح فيه تتنأرز عليا بالكلمتين الخايبين دول.
أصر على قوله مشددا عليها علها تتخلى عن تلك الفكرة الميؤوس من حدوثها 
ماهي دي الحقيقة اللي لحد دلوقتي إنتي مش قادرة تستوعبيها.
اربد وجهها بالضيق من تعنته والتفتت إلى ابنتها تشركها في الحوار 
قوليله حاجة يا هاجر اتكلمي معاه إنتي أنا جبت أخري ومابقاش عندي حاجة أقولها.
وقبل أن تشرع شقيقته في لومه بادر الجد سلطان متدخلا وهو يجلس على رأس المائدة 
ما تسيبوا تميم في حاله بلاش شغل الحريم ده عليه.
ردت عليه هاجر مبررة تصرفها 
يا جدي احنا كلنا عايزين مصلحته نفسنا نشوفه متهني في بيته وآ...
قاطعها معلقا بنبرة هازئة 
ومافيش إلا بنت بثينة عشان تعمل كده!
أطبقت على شفتيها في حرج فتابع ملوحا بذراعه 
ما أكم يوجد في مليون بنت غيرها.
ردت عليه ونيسة 
احنا أولى بيها من الغريب.
أشاح بنظراته الباردة عنها وقال 
خليها للغريب معدتش تنفعه.
كان تميم يراقب جدالهم دون أدنى تدخل منه كان فاقدا للرغبة في النقاش في أمر يستبعد كليا تكراره ابتسم بتلقائية وارتخت ملامحه حين أخبره جده 
اتوكل على الله يا ابني وسيبك من
كلامهم دي صفحة واتقفلت من حياتك.
هز رأسه في استحسان واستطرد بكلمات مقتضبة 
تسلم يا جدي.
ثم ودع والدته التي لم تنبس بكلمة واتجه إلى خارج المنزل ليتساءل بعدها سلطان موجها حديثه إلى حفيدته 
وجوزك عامل معاكي إيه معدناش بنشوفه خالص.
أجابته بتنهيدة متمهلة 
الحمدلله مشغول على طول يا جدي في الدكان.
رفع حاجبه للأعلى وقال بابتسامة ذات مغزى 
يعني زي أخوكي طفحان الډم مش فايق لرغي الحريم ولا مين طلق مين.
تلون وجهها بحمرة حرجة من تلميحه الصريح وتلعثمت وهي تبرر 
أنا عاوزة الخير لأخويا.
أشار لها بعينيه قائلا بصرامة 
أخوكي عارف مصلحة فين وركزي إنتي في حياتك وابعدي عن الوسواس الخناس خالتك!
على مضض ردت 
طيب.
.............................................
زيلت بيدها توقيعها بجوار اسمها في قسيمة الزواج الموضوعة أمامها قبل أن تلطخ إبهامها بالحبر الأزرق لتختم به الأوراق وأصوات الزغاريد تصدح حولها ليتم الإعلان بهذا عن إتمام عقد قرانها. تلقت فيروزة التهنئات الغبطة من همسة أولا مصحوبة بقبلات حارة على جانب وجنتها ثم تبعتها والدتها وزوجة عمها وصديقتها علا بينما وقفت حمدية على الجانب ترمقها بنظراتها الحاقدة. كان التجمع عائليا ومحدودا المقربون فقط هم من حضروا لم يتجاوز عددهم عن العشرين تواجدوا في مطعم شهير تم حجزه مسبقا للاحتفال بالزواج.
التفتت فيروزة برأسها للجانب عندما تحدث إليها عمها 
مبروك يا بنت الغالي بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
وبوجه خال من التعبيرات ردت تجامله 
أمين شكرا يا عمي.
وضع يده على كتفها واعتذر منها 
أنا مش عايزك تزعلي مني يا بنتي بسبب اللي حصل أنا عارف إنك بنت أصول ومتربية بس الشيطان بقى وآ....
أفسد عليها دون قصد منه مزجها المتوتر مسبقا بكلماته المحفزة لذكريات ترفض وبشدة نبشها من جديد لذا قاطعته مدعية كڈبا 
خلاص يا عمي أنا نسيت الموضوع ده.
ربت على كتفها بضربات خفيفة وابتسم يمتدحها 
ربنا يكملك بعقلك..
ثم صمت للحظة ليضيف بعدها 
فضل كان عايز يجي بس مراته تعبانة عقبالك يا رب حامل.
بابتسامة متحفظة ردت 
ربنا معاها.
انتهى من حديثه معها لتتخذ سعاد دورها في إسماعها بعض التوصيات التقليدية من أجل حياة أسرية سعيدة مستقرة وهانئة دقائق أخرى انقضت عليها وهي تجيد تمثيل اهتمامها بالإصغاء للجميع حتى لمحت زوجها مقبلا عليها.
تقدم آسر