رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


تنتهي كلها بتحطيمها فوق رأس ذاك السخيف أحس بشيء مزعج يجثم على صدره ويستحثه على
تنفيذ ما يدور في رأسه ليفرغ تلك الشحنة العدائية المتعاظمة بداخله خرج من تحديقه الغاضب بالبلورة على صوت فيروزة المتسائل
عاوز كام كارت كبير
نظر بتردد لابن خالته مال الأخير عليه يهمس له
إنت عاوز كام تقريبا.
حاول تميم بحسبة سريعة إجرائها في عقله احتساب العدد المطلوب تقريبا ثم تقدم نحوها وتلك الابتسامة العبثية ترتسم على شفتيه ففكرة أخرى ماكرة راودته للتو ونفذها ببساطة وقف قبالتها ولوح بظهر كفه قائلا
تقريبا خمسين كارت..
حينها دفع وعن قصد البلورة لتسقط عن الطاولة ويتهشم زجاجها ليبدو وكأنه لم يفعل ذلك عمدا أحدث صوت تحطيمها ضجة كبيرة ناهيك عن الفوضى التي عاثت في المكان وبابتسامة منتصرة هتف معتذرا
لا مؤاخذة مقصدش.
انتفض هيثم مرددا في صدمة
يا ساتر في إيه
ردت فيروزة عليه بوجه غير غاضب وكأنها استراحت لتخلصها منها
حصل خير.
أضاف تميم بعفوية
يالا أهي خدت الشړ وراحت.
تحرك آسر في اتجاهه ليتفاجئ بتهشيم بلورته تشنجت عروقه واختلج وجهه پغضب مبرر ثم صاح يسأله في حدة حانقة
إنت عملت إيه
رد تميم ببرود استفزه
ولا حاجة
هدر به في غيظ تضاعف بعد نظراته الشامتة الظاهرة عليه
إنت أصلا بتعمل إيه هنا
أجابه تميم بسخط وعيناه تحذراه من غضبته الوشيكة إن استمر في مناطحته الند بالند
هو ممنوع ولا نيجي هنا ولا حاجة يا كابتن 
رد عليه بوقاحة متعمدا ازدرائه بنظراته الاحتقارية
لأ.. بس واضح إن في ناس مابتفهمش في الذوق
لكزه تميم في كتفه بقساوة وهو يرد
نعم ياخويا الكلام ده ليا
تدخلت علا في الحوار قبل أن يتطور لمشادة كلامية
دول زباين يا آسر أنا هاشوف طلباتهم متضايقش نفسك..
والتفتت تنظر إلى فيروزة لتتعامل مع الموقف خاصة أنهما على صلة بها ادعت الأخيرة الابتسام واعتذرت بلطف بدا مصطنعا
خلاص يا أستاذ آسر حصل خير أكيد مايقصدش.
تنفس بعمق ليكبح غضبه وقال وعيناه تقدحان بالشړ ل تميم
مافيش مشكلة هاجيبلك مكانها.
أشارت بكفها رافضة
متكلفش نفسك.
تنحنحت علا بصوت مرتفع وقالت وهي تشير بيده
اتفضل معايا يا أستاذ عشان نعمل الفاتورة.
طيب.
قالها دون أن يبعد نظراته المتشفية عن وجه ذاك السمج وقبل أن يتبعها مال عليه برأسه ليخبره بصوت خفيض وبما يشبه النصيحة
خدها مني كلمة الحاجات اللي زي كده آخرها الژبالة.
اشتعلت عينا آسر على الأخير عقب جملته تلك بينما بدا تميم مستمتعا بتخريب هديته وتعكير مزاجه راقبه بصدر مغلول إلى أن ابتعد عنه ليغمغم بين أسنانه يسبه في حقد ظاهر عليه 
بني آدم مستفز ..!!!
الفصل التاسع والثلاثون
سحبت شعرها الذي تناثر أسفل بلوزتها المنزلية لتجمع خصلاته معا وعقدته كعكة أعلى رأسها ثم التفتت نحو الفراش لتلتقط ثيابها الملاقاة عليه ووضعتها في السلة الخاصة بالملابس المتسخة. لمحت فيروزة توأمتها وهي تختلس النظرات من باب الغرفة بالطبع كانت تتشوق لمعرفة نتائج المقابلة المدبرة مع هيثم وابن خالته جلست على طرف الفراش تطالعها بنظراتها المتفرسة فيها تقدمت همسة نحوها وهي تفرك يديها معا في حين استطردت الأولى تفاتحها في الحديث
مكانش ليها لازمة الحركة دي يا همسة باينة أوي على فكرة.
ابتلعت ريقها وعلقت بتباطؤ محاولة البحث عن كڈبة جيدة لتنطلي عليها
هو هيثم كان.. بيسأل.. عن حد بيعمل هدايا السبوع.
قالت بتهكم
على أساس إن مافيش غيرنا في البلد!
عضت على شفتها السفلى في ربكة أكبر وهتفت مبررة
ما هو.. يعني.. إنتي أولى.. والحكاية جت بالصدفة.
لوت ثغرها مرددة بنفس الأسلوب الساخر
بجد صدفة
ابتسمت همسة مضيفة وهي تجلس إلى جوارها
إنتي مكبرة الموضوع ليه يا فيروزة دول زباين زي أي حد.
رمقت توأمتها بنظرة متشككة نفذت إليها وردت عليها بجدية
عموما بلغيه يجي يستلمها بنفسه مش لازم البودي جارد بتاعه.
تطلعت إليها في حيرة وسألتها مستفهمة
قصدك مين
أجابتها بنبرة تعمدت تفخيمها لتسخر منه
هايكون مين غيره سبع الليل المعلم تميم.
دافعت عنه همسة
تعرفي إن هيثم على طول بيشكر فيه وبيقول عليه جدع وابن بلد وآ....
قاطعتها بنبرة ناقمة وقد قست نظراتها
همسة الظاهر إنك بتنسي بسرعة اللي بتقولي عليه جدع ده هو السبب في كل المشاكل اللي وقعنا فيها.
نظرت لها توأمتها في خجل كانت مصېبة في قولها بينما تابعت فيروزة الإفراج عن مكنونات صدرها لتذكرها بما غفلت عنه
عاوزاني أصدق إنه ابن بلد وإنتي شوفتي البلطجية بتوعه عملوا فينا إيه دول حرقوا عربيتنا ومحدش قدر يفتح بؤه مش عشان هو جدع وابن أصول لأ عشانه بلطجي ودي العينة اللي مصاحبها..
غلف صوتها المزيد من المرارة والألم وهي تكمل
حتى حقي مخدتهوش منه ده أنا اتنازلت عنه مجبرة بعد ما خالك عدمني العافية.. 
نكست همسة رأسها في خزي وأضافت فيروزة بصوتها الذي اختنق
وإنتي نفسك خطوبتك مكانتش بالرضا فاكرة حصلت إزاي بالإجبار يا همسة بالإجبار!
انتفضت واقفة لتقول برجاء
كفاية يا فيروزة.
نهضت واقفة هي الأخرى وأمسكت بها من كتفيها لتديرها إليها ثم نظرت في عينيها لتقول بجمود اكتسبته نبرتها
دي الحقيقة اللي إنتي بتحاولي تخليني أنساها وأتعامل معاهم عادي بس للأسف مش نافع.
ورغم إحساس القهر الذي يعتريها إلا أنها ردت
انسي الماضي باللي فيه وجايز اللي جاي يكون أحسن.
تساءلت في استنكار
بأمارة إيه معلش!!!
تبادلت كلتاهما نظرات مطولة متناقضة فالأولى رافضة لمبدأ التسامح مع من تسبب لها في الأڈى والثانية تميل للخنوع والاستكانة .. وقفت والدتهما عند أعتاب الغرفة متسائلة في استغراب حين رأتهما على تلك الحالة
في إيه يا بنات
التفتت همسة برأسها نحوها وأنهت المناقشة قائلة
مافيش يا ماما.
تراجعت فيروزة عن توأمتها لتعاود الجلوس على طرف الفراش وظلت الأخيرة واقفة تستمع إلى والدتها التي استأنفت كلامها
طب تعالوا .. مرات خالكوا برا
وضعت حمدية يدها على كتف شقيقة زوجها وقالت مبتسمة بسماجة
ويجوا ليه هو أنا غريبة دول بناتي.
سلطت أنظارها عليهما قبل أن تلج للغرفة لتلقي نظرات متفحصة على محتوياتها وهتفت في لؤم
سمعت إنكم رايحين السبوع حفيد المعلم بدير وطبعا احنا معاكو.
نفخت فيروزة في سأم وعلقت هامسة بتبرم
يا ربي أنا مش نقصاها.
وضعت حمدية ذراعها على همسة وسألتها بنظرات غريبة غامضة
هموستي حبيبتي هو إنتي هتلبسي شبكتك
لم تفهم المغزى من سؤالها وأجابت وهي تهز كتفيها بالنفي
معتقدش.
برقت عيناها بوهج ماكر وهي تستأذنها بلطف
مبالغ فيه لا يتماشى مع شخصيتها
طب أنا كنت عاوزة أستلف منك السلسلة ألبسها يومها ماشي يا حبيبتي .. 
ثم تصنعت العبوس وأكملت بأسلوبها الناعم الملتوي المراوغ في الحديث لتحصل على مبتغاها
لأحسن معنديش حاجة تليق برضوه لازم نظهر قصاد نسايبنا إننا نملى العينولا إيه رأيك يا آمنة
اندهشت همسة من وقاحتها التي لا يضاهيها شيء ونظرت إلى والدتها منتظرة تدخلها لحسم الأمر حتى لا تختلق مشكلة معها من لا شيء لكن الأخيرة ألقت الكرة في ملعبها حرجا منها واستطردت تقول
مش عارفة يا حمدية دي حاجة همسة هي اللي تقول.
زوت ما بين حاجبيها بقوة وغمغمت محتجة بتأفف
هو أنا هسرقها ده الحاجة معايا تزيد يا آمنة.. جرى إيه
لم تجد فيروزة بدا من إحراجها حين رأت التردد على وجهي كلتيهما فتشدقت متسائلة بما يشبه السخرية
تفتكري يا مرات خالي لما نسايبنا المبجلين يلاقوكي لابسة شبكة همسة هيقولوا إيه!
تجاهلت الرد على سؤالها وصاحت بتذمر
قولوا إنكم مستخسرينها فيا
ردت عليها تواجهها ونظرات الازدراء تعلو حدقتيها
لأ يا مرات خالي بس مش هاينفع فكري فيها كويس.
سددت لها حمدية نظرة ڼارية مغتاظة منها تود خنقها وهتفت بتكشيرة عظيمة
ماشي بشوقكم.
ثم اتجهت للخارج فتبعتها آمنة على الفور لتسألها
رايحة فين يا حمدية ده أنا علقت على الشاي و...
قاطعتها بتجهم كبير ملوحة بذراعها
طالعة بيتي نفسي اتسدت.
ضړبت فيروزة كفها بالآخر مبتسمة في سخط قبل أن تعلق على الموقف برمته
أنا مشوفتش في بجاحتها الصراحة.
شاركتها همسة الابتسام وردت
معاكي حق.
............................................................
يومان آخران انقضيا عليها في المحل وقد أكملت كل ما كلفت به من مهام لتصبح كافة الطلبيات جاهزة للتسليم تركتها علا بمفردها في المحل لتبتاع النواقص وتابعت فيروزة ترتيب الرفوف العلوية بالجديد من المعروضات لتلفت أنظار الزبائن حين يزورون المحل لم تنتبه لذاك الذي وطأ المكان في ميعاده المحدد مسبقا لرؤيتها وهي تقف على الكرسي الخشبي توليه ظهرها وكأن تركيزها بالكامل منصب على ما تفعله .. خفقة موترة داعبت قلب تميم حين رأها بجسدها المشدود أمامه بمجرد دخوله وبحث عيناه عنها أخفض نظراته في حرج وتنفس بعمق ليثبط تلك المشاعر التي استيقظت فجأة بداخله وحدها من تفعل به ذلك رغم الجهد العڼيف الذي يبذله لوأد تلك الأحاسيس التي أصبحت ملازمة له في حضورها وكلما قاومها أصرت ألا تستسلم وتعاود الظهور كل مرة بشكل يفوق المرة السابقة ليصبح أكثر انجذابا إليها .. لعق شفتيه وازدرد ريقه في حلقه الجاف متسائلا مع نفسه في تخبط ملحوظ عليه
أناديها يا أبلة زي تملي ولا أقولها يا.. عروسة
التوى ثغره بابتسامة صغيرة متابعا حديث نفسه بمرح
وساعتها هتفتكرني بأعاكسها وتسود عيشتي وأنا واخد كفايتي منها.
تأهب في وقفته وتحفزت حواسه حين هتفت فجأة دون أن تنظر إليه وذراعها ممتد للخلف
امسكي يا علا.
اكتست تعابيره بعلامات التردد تفقه ذهنه لكونها تعتقد أنه رفيقتها في العمل وليس أحد العملاء كان يخشى من ردة فعلها إن أدركت وجوده خلفه ربما سيختل توازنها وتسقط عن المقعد إن صحح خطئها أو ربما ستقذفه بشيء في وجهه لتشتيت انتباهها .. تدارك الموقف ولازم الصمت ثم مد يده ليتناول منها العلبة دون أن ينطق بكلمة واحدة تعبر عن كينونته بينما تابعت فيروزة من تلقاء نفسها
كده عاوزين نجيب صمغ لمسډس الشمع خلص الموجود عندنا.
أطبق على شفتيه وهو يهز رأسه كأنه يشاركها الحوار بلغة الصمت .. هبطت عن المقعد لتستدير كليا نحوه تفاجأت بوجوده على مسافة قريبة منها يفصل بينهما طاولتها المستطيلة .. ضاقت عيناها في انزعاج وكزت على
أسنانها مرددة
إنت
تنحنح مبعدا نظراته عن وجهها المتشنج وقال مرحبا بأسلوب ودود
سلامو عليكم.
استندت ضاربة بكفيها بقوة طفيفة على الطاولة لترد بوجوم
وعليكم السلام .. جاي ليه
تعجب من سؤالها الفظ وكأنه يتسول منها غلف وجهه تعبيرات ضائقة وعلق في استنكار
أفندم أنا جاي زي ما بلغتونا بالميعاد على فكرة.
زمت شفتيها قبل أن تصحح له وقد لاحظت ضيقه
أقصد ما بعتش هيثم قريبك بدل ما تكلف نفسك وتيجي
تقدم نحوها ليقول بنبرة ذات دلالة واضحة
أنا خال النونو....
لكن تحول أسلوبه الجاد للمزاح وهو يتابع
والمثل بيقول جحا أولى بلحم توره.
أخفت ابتسامتها على طرفته وأولتها ظهره لتقول بجدية
أها .. تمام ..
انحنت فيروزة لتحمل العلب الكرتونية الضخمة التي وضعت بها ما تم طلبه من قبل واحدا تلو الآخر لتسنده على الطاولة أمامها وقالت 
اتفضل كل حاجة جاهزة.
ألقى نظرة فاحصة لما تضمنته العلب وهو يسألها
والحساب
أشارت بيدها نحو المكتب الفارغ قبل أن تجيبه
مع علا الفاتورة بتاعتك.
الټفت برأسه للجانب لينظر إلى حيث أشارت عاود التحديق في وجهها متسائلا
وهي فين أنا مش شايفها!
أجابته ببساطة
هي في مشوار وجاية دلوقتي تقدر تستناها عند