رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


مش هارد عليك بس عشانه زي ما قولت صاحبي فأنا عارفه كويس ودي مش مشيته!!
لم يبد تميم مقتنعا بما اعتبره لغوا فارغا بينما أصر هيثم على توضيح مقصده فأردف
ولما قولت إنها طقيته مقصدش إنه هو بس ده واحد غيره لابسها 
زم شفتيه للحظة قبل أن يعقب بتهكم
هنشوف إن كانت بتاعته ولا لأ 
ثم خاطب الشاب قائلا له وقد أخرج من جيبه حفنة من النقود
خد حسابك يا ابني ومحدش يعرف سيرة بده 
أغلق الشاب حاسوبه ورد بهدوء
تمام يا معلم 
استغرقهما الأمر خمس دقائق ليصلا إلى عنوان منزله أوقف تميم سيارته على ناصية الطريق بسبب الزحام الغريب في المنطقة في هذا التوقيت المبكر حشد متداخل يسد الشارع تقريبا وهمهمات صاخبة تتحدث عن حاډثة قتل مروعة تعرض لها أحدهم ترجل الاثنان من السيارة وتحركا في اتجاه هذا التجمع بادر هيثم متسائلا وهو يشق طريقه بين الأجساد البشرية المتلاحمة
في إيه يا جدعان إيه اللي بيحصل هنا
أجاب أحد ساكني البناية بقليل من الأسف
الواد نوح اللي ساكن في السطوح لاقوه مقتول 
تخشب في مكانه مصعوقا وحملق فيه بعينين متسعتين في ارتعاب شل وقع الخبر المفجع تفكيره وأيضا لسانه ففقد قدرته على النطق أو التعليق على عكسه كان تميم أقل تأثرا وأكثر تماسكا فتساءل مستفسرا عن ملابسات مقتله
عرفتوا منين
استرسل الساكن يسرد له
واحدة من إياهم كانت الظاهر طالعة عنده ولاقته مقتول وسايح في دمه صويتها جاب التايهين ولم كل السكان 
تعقدت تعابير تميم في استغراب مليء بالاسترابة والشكوك وسأله في اهتمام آملا أن يعرف منه المزيد
وإزاي ده حصل 
رد الساكن بنبرة عادية
محدش عارف لسه! في ناس بتقول واحد ابن حرام اټخانق معاه عشان بت شمال وناس بتقول ولاد الليل طلعوا عليه إكمنه ليه في الشم والكيف قتلوه لأنه ماسددش اللي عليه 
هز تميم رأسه في تفهم وعلق عليه
الكلام كتير يعني 
أضاف الساكن مؤكدا
أيوه والبوليس والنيابة فوق ويا خبر بفلوس!
اختتم معه حديثه هاتفا
متشكرين يا سيدي 
ثم استدار في اتجاه ابن خالته وجذبه بقليل من القوة بعيدا عن الحشد متراجعا به للخلف وهو شبه يأمره
اتحرك معايا يا هيثم 
كان الأخير متثاقلا في خطواته يجر قدميه تقريبا رافضا التحرك ونطق من بين شفتيه بنبرة مصډومة
نوح اټقتل يا تميم اټقتل 
بدون شفقة ظاهرة عليه غمغم ابن خالته
الله يرحمه 
تساءل هيثم في صدمة وقد بدا غير قادر على استيعاب ذلك
طب قتلوه ليه
لم يشاركه تميم في إظهار عواطفه نحوه كان تفكيره مشغولا بشيء آخر وردد مع نفسه في حسرة انعكست على ملامحه العابسة
مفتاح أول الخيط كان عنده ودلوقتي ضاع!!!!!
وقع المفتاح من يده وهو يحاول دسه في القفل ليفتح باب منزله ما زالت أطرافه ترتجف بعد تلك الليلة العصيبة التي خاضها استجمع جأشه وتمكن أخيرا من فتح الباب ولج للداخل وأغلقه خلفه بهدوء حاول محرز أن يضم طرفي سترته
السوداء معا ليخفي آثار اللطخات التي تلوث قميصه الكريمي وطوى في قبضته الأخرى الطاقية التي استعارها توقع أن يجد زوجته غافلة لكنه تفاجأ بها تتجول في صالة المنزل حاملة لرضيعهما بين ذراعيها تهدهده في لطف وحنو حتى يغفو اندهشت هاجر من رؤية زوجها على تلك الحالة الفوضوية وسألته وكأنها تحقق معه
مالك يا محرز جاي مبهدل كده ليه 
ارتبك من حضورها وجاهد ليبدو هادئا فلا تستريب في أمره تشتت نظراتها عنه للحظة حين بكى الرضيع فلاطفته بكلماتها الرقيقة قبل أن تركز عينيها من جديد عليه وهي تلاحق بمزيد من أسئلتها
وبعدين إنت مش كنت قايلي هترجع بالليل إيه اللي أخرك لحد الصبح وقافل تليفونك ليه
ادعى كڈبا بصوت مضطرب
مش أنا قايلك صاحبي عامل عقيقة لابنه وهافضل معاه طول الليل 
زمت شفتيها في امتعاض وأعادت تكرار السؤال عليه بسخط ونظراتها الغاضبة موجهة لشخصه
وموبايلك إيه مكانش عندك وقت تكلمني فيه
استمر في كذبه قائلا
موبايلي فصل شحن وأنا نسيت الشاحن ما كفرتش يعني 
تباعد طرفا سترته عنه فظهرت البقع الملوثة على قميصه شهقت هاجر مرددة في استنكار
إيه اللي حصل للقميص يا محرز
لا إراديا انخفضت نظراته نحوه وجمع طرفي السترة معا ليخفي الآثار الجافة للدماء عنها لعق شفتيه وهتف بصوت متلعثم
ده الخروف أصل بعد ما دبحناه كان لسه فيه الروح وقام جرى فأنا مسكته وبهدلني زي ما إنتي شايفة
كانت على سجيتها فلم ترتاب مطلقا في أمره لهذا اقتنعت بسهولة بكذبته التي بدت منطقية للغاية وصدقتها دون أدنى تشكيك في صحة أقواله وبتلقائية طلبت منه
غير هدومك وسيبهالي على جمب وأنا لما أنيم سلطان هغسلها وآ 
قاطعها بصوت شبه مرتبك
لأ متغسلهاش 
تطلعت إليه باستغراب والحيرة تغلف نظراتها نحوه في حين بلع ريقه وواصل كذبه
أصلها اتبهدلت وريحتها تقرف هرميها وأبقى أجيب جديد غيرها 
ببساطة ردت عليه
ما هي لما هتتغسل هتنضف 
أصر على رأيه مرددا بعناد غريب
مالوش لازمة يا هاجر هي قلة فلوس يعني!!
هزت كتفيها في استسلام وقالت بفم ملتو
براحتك ما أنا اللي كنت هاغسلها إنت كنت هتتعب في إيه
رسم ابتسامة متكلفة على محياه وعلق عليها بنوع من الدعابة
أنا عايز راحتك يا أم سلطان إنتي غاوية شقا ليه
ماشي يا محرز هاروح أحط الواد في سريره
قالتها هاجر وهي تتجه نحو الردهة الطويلة لتضع صغيرها بغرفته بينما أسرع زوجها في خطاه نحو الحمام أوصده من ورائه ووقف في المنتصف ينزع سترته عنه ثم حل أزرار قميصه وخلعه بتعجل امتدت بقع الډماء للفانلة الداخلية فأفسدت لونها الأبيض مما أفزعه بشدة بالكاد سيطر على أعصابه أمامها جمع كل ما ارتداه من ثياب معا في كومة واحدة ليتخلص منها لاحقا ثم تحرك في اتجاه المرآة التي تحتل ظهر باب الحمام وقف مطولا خلفها يتأمل في انعكاسها قسمات وجهه الشاحبة كانت تعابيره توحي بخطب جلل لم ينبس بكلمة وظل جامدا في مكانه مسترجعا في ذاكرته ومضات من مشاهد غير متوقع حدوثها لكنها وللأسف الشديد أفضت للخلاص منه في الأخير ازدرد محرز ريقه وحدث نفسه بهسيس لا يحمل الندم
إنت اللي اخترت نهايتك يا نوح !!!!
الفصل السادس والستون 
قشعريرة قارصة نالت من بدنه المبتل رغم دفء المياه المتدفقة على جسده لكن كان لذكرى مقټل نوح على يده الأثر الكبير في توتر أعصابه وربما خوفه أيضا. أغمض محرز عينيه وشرد بمخيلته لساعات مضت حيث كان قلب ضحيته ما زال ينبض بالحياة كانت التعليمات صريحة ومباشرة التخلص كليا من أي شيء أو شخص له صلة بالمواد المخدرة لقطع كافة الخيوط التي من المحتمل أن تؤدي إليه أو ل آسر ولهذا بذل ما في وسعه وأعمل عقله الداهية من أجل القضاء على كل التهديدات المحتملة .. وقف كلاهما خلف أحد الأكشاك المغلقة ومعهما الجوال الأزرق تساءل نوح في فضول بصوت شبه هامس والقلق يتراقص في نظراته المراقبة لما حوله
هو احنا بنعمل هنا إيه
أجابه محرز مقتضبا وهو يفتح مقدمة الجوال
شغل.
نظر نوح أمامه وسأله مرة أخرى برنة القلق الظاهرة في صوته
بس احنا قريبين من بيت المعلم تميم وآ...
قاطعه الأول متسائلا بتهكم منزعج وقد تضرج وجهه بأمارات الحنق
هو محرم علينا نبقى في الشارع اللي هو فيه
بلع ريقه ثم رد نافيا
لأ.. بس بعد الكلام إياه واتفاق حړق الدكان آ.....
قاطعه مجددا وكأنه يوبخه
بأقولك إيه أنا مش جايبك معايا عشان ترغي وتصدعني ده شغل اللي بنعمله.
سأله مستوضحا
هتعمل إيه طيب
لم يكن محرز راضيا عن تردده الواضح ومع هذا قال له بهدوء زائف وهو يدس اللفافة بداخل جوال النشارة
هخزن البضاعة فوق السطح لحد ما ألاقي تصريفة ليها.
تساءل بنفس الصوت القلق
واشمعنى هنا بالذات
ثم توقف هنيهة ليضيف بعدها بنزق
ما جايز يكون مغرز منك وبعدها هتبلغ عنه.
فاض به الكيل من خوفه البائن وصاح في ضجر
البيت فيه كاميرات يا أبو مخ ذكي....
بدت نظراته غريبة نحو نوح وكأنه يعيد تقييم موقفه معه لم ينكر أن الهواجس قد بدأت تساوره ناحيته تردده غير المشكوك فيه عزز من ذلك الإحساس لهذا حاول التصرف بعقلانية حتى ينهي ما جاء لأجله فاسترسل موضحا له
شوف يا نوح لو فكرت بشوية عقل هتلاقي إنهم هيعرفوا مين اللي جاب البضاعة كل الحكاية إني هتاويهم كام يوم لحد ما أشوف مكان تاني آمن.
تطلع إليه بنظرات حائرة فأكد عليه محرز بابتسامته السمجة
ماتبقاش خرع كده ده احنا متودكين في الشغلانة بقالنا ياما.
رد عليه بلهجة محذرة
أيوه بس مش مع المعلم تميم!
اغتاظ محرز من إعطائه لكل تلك الأهمية ل تميم ناهيك عن خوفه الزائد منه وكأنه من ذوي السلطة المطلقة لا يجرؤ أحدهم على المساس به أو حتى التفكير في الإساءة إليه ورغم ذلك كظم حقده مرغما وهتف من بين أسنانه المضغوطة بنبرة آمرة
بأقولك إيه.. هات الطاقية بتاعتك.
ضاقت عينا نوح باستغراب وهو يسأله 
ليه
علق ساخرا قبل أن يختطف غطاء رأسه من عليه عنوة
هتغندر بيها..
ارتداها محرز على رأسه ووضع الجوال على ظهره ليقول بلهجة الآمر الناهي
بطل رغي وراقب المكان.
دعك نوح رأسه الذي لفحه الهواء البارد بيده ليعيد إليه دفئه المفقود وقال على مضض
طيب
.....................................................
أنا قلبي وقع في رجلي لما شوفته طالع عندك...
بأنفاس لاهثة ردد نوح تلك العبارة وهو يلج إلى منزله بعد إنهاء محرز لمهمته السريعة ببناية عائلة سلطان تمكن الخۏف منه وشعر بالرهبة من احتمالية كشف أمره وبمجرد أن لمح محرز يخرج حتى قطع الاثنان الطريق عدوا كاللصوص ليهربا قبل اكتشاف أمرهما تسللا عبر الأزقة الضيقة والشوارع الجانبية ليصلا في الأخير إلى منزل الأول ظلت بقايا آثار القلق معكوسة على ملامحه رغم انقضاء المهمة بسلاسة .. استوى نوح على الوسائد التي يفترش بها أرضيته
وتابع إفصاحه عما يعتريه من مخاۏف بنبرته التي جمعت بين الجدل والهزل
أنا خۏفت لتتمسك وساعتها كنت هاقر للمعلم تميم بكل حاجة من طأطأ لسلامو عليكم قبل ما يعلقني.
استشاطت عينا محرز على الأخير بدت تعبيرات وجهه متغيرة للغاية يغلفها الحقد والقساوة وسأله وكأنه يحقق معه
للدرجادي عمله حساب ومش خاېف مني
بنوع من الاستخفاف وعدم الاحتراز أجابه
إنت تمامك معروف لكن هو نابه أزرق.
مع تلك الكلمات بلغ محرز ذروة غيظه لم يتحمل احتقاره المتواري وإن لم يقصد ذلك عمدا فعقب بصوت بالكاد كان مسموعا وبنبرة موحية تحمل في طياتها شړا عظيما
يبقى متعرفنيش كويس.
وقعت أنظاره على شيء بعينه موضوعا في طبق الطعام المتسخ التقطه بيده ونظر إليه ليتأكد من عدم ملاحظته له ثم أخفاه عنه وتقدم نحوه بخطوات ثابتة متسائلا بكذب
الفحم فين خلينا نولع حجرين.
كان سؤالا مخادعا ليلهيه عن عمد عن التركيز معه أو تتبع خطواته وبحسن نية أرشده نوح إليه معتقدا أنه يريد مشاركته المزاج وليس الغدر به .. التف نوح من ورائه وجثا على ركبته ليتخذ موضعه خلفه ثم قام بخطوته الغادرة تجاهه وهو يهمس في أذنه 
إنت اللي