رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


ظاهرة عليها حاول أن يقول
طب إن كان ينفع آ.....
فسدت جملته قبل أن تكتمل واكتسب وجهه لمحة عابسة حين سمع الصوت الأنثوي المنادي من الأعلى
نادي على خالك يا فيروزة
لو شايفاه عشان احنا ماشيين.
أدارت رأسها للخلف وردت
حاضر يا ماما.
عادت فيروزة لتحدق في وجهه المتجهم بشكل غريب قائلة
عن إذنك عاوزة أروح لخالي.
لم ينتبه تميم لجسده الذي سد الطريق عليها وفهم من نظراتها وحركة يدها أنها تريد المرور عاد عقله ليعمل بكامل إدراكه بعد حالة التخبط المستحوذة عليه ليقول بصرامة ونظراته الجادة توحي بعدم تقبله للرفض
خليكي إنتي.. هو قاعد وسط الرجالة مايصجش تخشي وسط الزحمة.
فاجأته للمرة الثانية بردها الهادئ المغلف بالشكر
اوكي .. شكرا يا معلم
ابتسم قائلا في انتشاء وقلبه يقفز طربا بين ضلوعه وكأن حفلة صاخبة تقام الآن فيه
العفو.
أملى عينيه بتأمل وجهها في تلك الثواني المعدودة قبل أن يستدير خارجا من مدخل البناية وهو يفرك رأسه ومؤخرة عنقه بدا كالمراهق في تصرفاتها الغريبة تلك ومع هذا كان مستمتعا لأقصى الحدود بما يفعله.
.................................................................
ليلة كئيبة محبطة نالتها مرة أخرى بعزوفه عنها وقضائه معظم الوقت بصحبة الحفيد الجديد يدلله ويداعبه كظمت خلود كمدها في صدرها صاغرة لأوامر والدتها بعدم محاولة جذبه إلى أحضانها بالغنج أو بغيره عليها أن تتخذ حذرها حتى تتأكد إن كانت تحمل في أحشائها طفله أم مجرد حالة إعياء عابرة وبأعصاب مشدودة انتظرت وحيدة في فراشها حتى أشرق عليها النهار حينها نهضت وارتدت ثيابها لتقابل والدتها متعللة بحاجة الأخيرة للمساعدة في تنظيف وترتيب المنزل بعد اعتذار الخادمة عن المجيء وفي المكان المتفق عليه التقت بها. توجهت كلتاهما إلى المختبر للقيام بتحليل للحمل لم تفهم إحداهما نوعية التحليل المطلوب فوقع الاختيار على ذلك الذي تظهر نتائجه بعد نصف ساعة .. استلمت بثينة النتائج وقلبها ينبؤها بصدق حملها أطلعتها الموظفة الموجودة بالمكان على إيجابية النتائج فغمرتها فرحة لا توصف ومع ذلك أصرت على التوجه بابنتها التي بلغت عنان السماء بتلقيها مثل تلك الأخبار السارة إلى الطبيب النسائي انتظرت الاثنتان دورهما الذي استغرق المزيد من الوقت وبعد نظرة سريعة من الطبيب على ما في يده من تحليل استطرد يقول بهدوء مريب
المدام فعلا حامل.
أطلقت بثينة زغرودة عالية كتعبير عن اكتمال فرحتها قبل أن تهلل
الله أكبر.
أشار لها الطبيب بيده راجيا
اهدي يا حاجة احنا في عيادة.
بررت له خلود معتذرة وسعادتها تتراقص في عينيها
معلش يا دكتور أمي فرحنالي ودي عوايدنا.
هز رأسه في تفهم قبل أن يضيف بلهجة روتينية
تمام كل ده مفهوم بس أنا عاوزك تعملي التحليل الرقمي.
تكشيرة عظيمة احتلت وجه بثينة التي بدت كمن تهاجمه حين سألته
وإيه الفرق هي مش طلعتش حامل
رد موضحا بتمهل حتى تستوعب مقصده
أيوه بس ده بيقول إن كانت حامل ولا لأ لكن التاني بيطلع النسب المئوية بالظبط وبيوضحلنا هرمون الحمل بيزيد ولا لأ.
تعذر عليها تفسير مقصده فعلقت بتوجس
إنت كده قلقتنا يعني البت حامل ولا لأ
سحب شهيقا عميقا لفظه بتريث وهو يخبرها دون أن يظهر الانزعاج على وجهه
يا حاجة التحليل بيقول حامل لكن أنا عاوز أطمن إن الحمل ماشي في مراحله الطبيعية مافيش فيه خلل.
زمت شفتيها لترد
طيب.. أما نشوف أخرتها إيه!!!
الټفت الطبيب برأسه نحو خلود طالبا منها وهو يدون شيء ما في الأوراق الموضوعة قبالته
هتطلعي من عندي تعملي التحليل الرقمي وأنا كاتب اسمه في الروشتة هنا وبعد يومين هتكرري التحليل تاني وترجعيلي بالنتائج كلها.
ثم مد يده بالورقة لتأخذها منه وهي ترد
ربنا يسهل.
تبادلت خلود نظرات حائرة مع والدتها التي انتظرت انتهاء المقابلة لتردد بتزمت
شكل الضاكتور ده مابيفهمش حاجة هي كتر فلوس تحاليل إيه دي اللي طالعلنا فيها
ردت عليها مفسرة الأمر لها
خلينا نطمن يامه المهم إني حامل.
تنهدت
تضيف في سأم وقد تعكر مزاجها
أيوه.
بضعة خطوات سارت بها نحو الأمام قبل أن تتوقف فجأة لتعاود تذكير ابنتها وقد قست نظراتها نحوها بشكل لئيم
بت يا خلود!
تطلعت إليها الأخيرة في اهتمام والهموم المحبطة تنعكس عليها فأوصتها والدتها مؤكدة من جديد بنبرة شديدة اللهجة حتى تلتزم بإبقائه سرا
اوعي تتهفي في عقلك وتحكي عن اللي عملناه النهاردة! زي ما اتفقنا ماتقوليش لحد ما نقطع الشك باليقين وساعتها هتبقي فوق دماغ الكل ..!!!!!
يتبع

الفصل الثاني والأربعون
يبدو أن رفيقتها استغلت الفرصة لتحصل على عطلة طويلة الأجل امتدت لأيام متعاقبة دون أن تكبد نفسها مشقة المجيء لتفقد مالها ووحدها من باتت مسئولة عن كل ما يتعلق بالعمل لم تمانع فيروزة بالقيام بمسئولياتها على أكمل وجه ربما أكسبها ذلك المزيد من الخبرة حين تدير عملها الخاص في المستقبل انتهت من توضيب صندوق آخر مليء بالمطلوب لأحد الزبائن راجعت محتوياته لمرة أخرى حتى تتأكد من عدم إغفالها لما يخص العميل اتجهت بعدها لمكتب علا لتخرج دفتر الفواتير منه انتبهت للفاتورة التي لم تحصل بعد رفعتها لتقرأ الاسم كانت مسجلة باسم تميم سلطان تبدلت تعبيراتها للضيق حكت مقدمة رأسها وهي تتساءل في حيرة 
مش معقول ده فاتورته لسه هنا
اعتصرت ذهنها لتستعيد سبب غفلتها عنها بدت وكأنها تتناقش مع نفسها بصوت مسموع حين تابعت 
أيوه.. من ساعة حاډثة آسر معنى كده إن الفلوس مادفعتش.
ضړبت جبينها وهي تتابع بنبرة لائمة 
ده الموضوع راح من بالي خالص العمل إيه دلوقتي
أسندت الفاتورة على سطح المكتب ونقرت بأصابعها عليه في لزمة متكررة لتفكر مليا في حل ملائم لتلك المعضلة خاصة بعد أن مر على انقضاء حفل السبوع ما يقرب من ثلاثة أيام رددت مع نفسها في ضيق حرج 
ما هي لو كانت فلوسي كنت عديت الموضوع ودفعت الفرق حتى من جيبي بس الفلوس اللي معايا ماتكفيش ربع المبلغ ده .. المفروض اتصرف إزاي
أراحت ظهرها للخلف وقد ظهرت عليها أمارات الحيرة أكثر نفخت في استياء قبل أن تقول لنفسها 
بيتهيألي مافيهاش حاجة لما أفكره بده أكيد هو زيي ناسي..
ثم ابتسمت لنفسها وهي تعلق بتهكم 
ما هو كان معايا أصلا!
طوت فيروزة الفاتورة ووضعتها في حقيبتها وقد باتت شبه حاسمة لأمرها بعد تفكير عميق ستذهب إليه خلال فترة استراحتها عند دكانه في زيارة ودية قصيرة وسريعة تطالبه فيها بسداد ثمن البضائع دون حرج .. هكذا أقنعت نفسها ببساطة!
....................................................
قدمت خطوة وأخرت الثانية وهي تسير في اتجاهها نحو الدكان نظرة مدققة ألقتها على من يمرون أمامه علها تجده بينهم لم تتمكن من إيجاده فتابعت تقدمها نحو المكان وهي تعيد ترتيب أفكارها كانت متحرجة من الموقف برمته فليس من المفترض أن تطالبه بسداد شيء ما وهي في الأصل تدين له بمال المشفى وإن كان ينكر ذلك لكنها متيقنة من كونه الوحيد الذي راوغها خلسة وخدعها بطريقة ما لا تعلمها ليعيد بها المال المال أفاقت فيروزة من سرحانها السريع في أفكارها على صوت أحد العمال المنادي لزميله تنبهت لوجودها أمام المدخل استعادت زمام أمرها والتفتت برأسها للجانب لتجد الحاج بدير يتطلع إليها بوجهه البشوش هتف الأخير مرحبا بها 
صباح الخير يا بنتي.
بادلته ابتسامة ودودة وهي ترد 
صباح الخير يا حاج..
ثم ألقت نظرة عابرة على من بالداخل وهي تواصل القول 
هو المعلم تميم موجود
أجابها نافيا 
لأ .. في مشوار.. خير في حاجة.
مطت شفتيها في حيرة فأصر عليها بدير بنظراته الجادة المسلطة عليها 
قولي ماتتكسفيش.
تشجعت لتقول بحذر 
أصل الحكاية ومافيها إنه كان اشترى حاجات من المحل اللي أنا شغالة فيه عشان سبوع حفيدك والفاتورة.. لسه مادفعتش.
سألها مباشرة 
هي فين
أخرجتها من حقيبتها لتعطيه إياها نظر لها بإمعان بعد أن تناولها منها شعرت فيروزة بمزيد من الحرج مع تدقيقه الواضح فيها وقالت 
أنا مكسوفة من حضرتك أوي.
رد عليه بابتسامة عادية 
حقك يا بنتي أنا بس بأراجع الحسبة عشان لو في غلطة ولا حاجة متأخذنيش
اتعودت على كده.
علقت عليه بتوتر طفيف مستخدمة يدها في الإشارة 
المشكلة دي فلوس ناس ومش بتاعتي وأنا المفروض كنت أخد بالي.
قال ببساطة 
الاتفاق اتفاق.. هو كلام عيال ولا إيه
نهض من جلسته مستندا على عكازه ثم دعاها بترحابه الودي 
اشربي حاجة عقبال ما أجيبلك الفلوس.
ردت بتهذيب وهي تجاهد لتحافظ على بسمتها العملية قبالته 
مالوش لازمة.
ألح عليها بجدية 
لأ إزاي.. مايصحش تبقي عندي وتتعاملي زي الغريب.. 
هزت رأسها بإيماءة موافقة فأضاف في حماس 
وبعدين أكون وصيتهم يجهزوا كام حاجة يبعتوها على البيت.
شعرت بحرج أكبر من كرمه الزائد واعتذرت منه بلباقة 
خيرك سابق يا حاج مافيش داعي و...
قاطعها بدير بإصرار مشيرا لها بنظراته 
ده واجب عليا ده إنتو من العيلة..
ثم رفع من نبرته ليأمر أحد عماله 
كرسي بسرعة يا وله.
أحضر لها العامل مقعدا خشبيا بعد تلميعه لتجلس عليه ابتسمت وهي ترد 
شكرا يا حاج بدير .
غاب في الداخل لبضعة دقائق وانتظرت فيروزة بترقب تتابع في فتور حركة المارة العابرين من أمامها استرعى انتباهها أصوات الشاحنات التي تنقل البضائع من وإلى الدكان وكأن العمل لا يتوقف للحظة عاد إليها بدير يمد يده ناحيتها أولا بمفتاح معلق به ميدالية فضية موضحا 
دي نسخة من مفتاح الشقة عشان أما تروحوها في أي وقت.
ضاقت عيناها مرددة في استغراب 
شقة!
تعجب من الحيرة الظاهرة عليها وقال بمزيد من الإيضاح 
بتاعة أختك.
الآن تفقه ذهنها للأمر ووضعته في حقيبتها لتقول متصنعة الابتسام 
أيوه.. تمام.
استرسل في الحديث ليضيف من تلقاء نفسه 
كانت الحاجة قالتلي إنكم عاوزين نسخة تبقى معاكو وأنا كنت مستني قرب ما العمال تخلص شغل فيها عشان اخلي النجار يغير طبلة الباب وتبقوا معاكو النسخ الجديدة.
ورغم دهشتها من ذلك الطلب إلا أنها ردت مادحة إياه فإذ ربما دار الحوار بينهما في عدم وجودها 
مش مشكلة كفاية اللي حضرتك عامله عشانا.
.........................................................
على الجانب الآخر هبطت كلتاهما الدرجات الرخامية من تلك البناية حديثة الطراز في تصميمها بعد انتهائها من الكشف النسائي بعيادة الطبيب الذي قررت المتابعة معه تأكدت خلود من سير حملها في مراحله الأولى بشكل طبيعي من خلال نتائج التحاليل الرقمية التي أجرتها حينها فقط قررت الإفصاح عما تحمله أحشائها اتجهت مع والدتها التي لازمتها إلى الطريق الرئيسي حيث ستنحرف منه عند الناصية للزقاق الجانبي لتصل منه إلى الدكان بدا الوجوم بائنا على ملامح بثينة التي عاتبتها بضيق 
بردك مصممة تعملي اللي في دماغك يا خلود خلينا نرجع البيت وابقي قوليله هناك.
أصرت عليها بحماس والسعادة تتراقص في حدقتيها 
فرصة يامه واحنا خلاص بقينا قريبين من الدكان عاوزة أطل عليه وبالمرة أفرح حمايا ويعرف إن حفيده الحقيقي جاي.
ضاقت نظرات والدتها بشك نحوها وكأنها تنفذ إليها لتكشف عن أغوارها تنهدت تسألها في مكر 
حماكي بردك ولا عاوزة تفتشي ورا جوزك
ثم مصمصت شفتيها لتدافع عنه بصدق 
مع إنه مالوش في اللف ولا الدوران.
تطلعت إليها ابنتها بنظرة غامضة فوالدتها الوحيدة التي تقرأها بوضوح وتعرف نواياها حاولت التهرب من إجابتها بصراحة وقالت.
أنا عارفة بس هوديني وخلاص مش هنخسر حاجة.
زفرت ترد