رواية (الطاووس الأبيض) بقلم منال سالم - الجزء الثاني كامل


المفروض أرد عليك ولا حتى أبررلك إنت أو غيرك تصرفاتي بس أنا مكونتش لوحدي معاه ولا أعدة جمبه صاحبتي كانت موجودة..
واضطريت أركب ارتحت كده
تنحنح مرددا بنبرة موجزة سبقتها تنهيدة سريعة
كويس يا أبلة.
غمغمت في تبرم
يادي كلمة أبلة اللي طالعلي بيها.
سألها والدهشة تعتريه
هي بتضايقك
عقدت حاجبيها في استغراب وهي توجه الحديث لنفسها بنفاذ صبر وبصوت مسموع
أنا وافقة معاك ليه عن إذنك
تجاوزته لتعبر الرصيف وتتجه إلى مدخل بيتها تابعها تميم حتى اختفت عن أنظاره ليتساءل مع نفسه بما يشبه السخرية
يعني أقولك إيه فيروزة حاف!!
التقى بها هيثم أثناء خروجه رمقها بنظرة حذرة وهو يسرع الخطى ليتجنبها تنهد في ارتياح وهو يقول
الحمدلله خلصت مهمتي قبل ما تيجي كان زمانها قفلت كل السكك في وشي ده إن مكانش طردتني.
رد عليه تميم معترضا بأسلوب مازح
دي قلبها طيب.
هتف في استنكار تام
دي يا عم قول كلام تاني...
ضاقت عينا هيثم متسائلا في اهتمام فضولي
هو إنت اتكلمت معاها
أجابه نافيا وقد ظهرت ربكة طفيفة عليه
كلام إيه يا ابني هي بتدي فرصة لحد يبلع ريقه حتى!
وافقه الرأي معلقا عليه
على رأيك.
وكزه تميم بخفة في جانب ذراعه ليحثه على التحرك قائلا
بينا من هنا وخلينا نشوف شغلنا.
طيب.
قالها هيثم وهو يفتح باب السيارة ليستقر في مقعده قبل أن يجلس ابن خالته إلى جواره ونظراته لا تطاوعه ما زالت تبحث عن طيفها لتشبع تلك الرغبة المتأصلة في إدراكه تلك التي يسعى لكبتها قبل أن تتفاقم وتخرج عن السيطرة.
نظرة متأنية ألقتها على المكان بمجرد أن وطأته مع خطيبها الذي أصر على دعوتها لتناول الطعام معه بالخارج بعد استئذان والدتها ثم القيام بنزهة سيرا على الأقدام في منطقة الكورنيش أشار هيثم بيده نحو مائدة منزوية في نهاية المطعم وبالقرب من شاشة التلفاز اتجهت همسة إلى حيث أرشدها وجلست قبالته أمسك الأول بقائمة الطعام وتصفحها بنظرات سريعة وهو يسألها
نفسك تاكلي إيه
أجابته بحيرة ظاهرة عليها
أي حاجة كله كويس.
نحى القائمة جانبا وقال ببساطة
بصي أنا ماليش في الأسماء المكلكعة اللي مكتوبة هنا إيه رأيك ناكل مشكل مشاوي
ابتسمت وهي تومئ برأسها موافقة
ماشي.
استدعى هيثم النادل بإشارة من يده فأتى إليه الأخير وسجل في ورقة صغيرة طلبهما لينصرف بعدها تنهدت همسة مضيفة بحماس
على فكرة فيروزة رجعت تكلم تاني معايا.
لم يظهر على وجهه علامات الرضا وهو يستمع إلى جملتها الأخيرة فرك طرف ذقنه متسائلا بقليل من التجهم
خير وعلى كده هتحضر معاكي السبوع
هزت كتفيها تجيبه
مش عارفة ماما هتقولها وإن شاء الله توافق.
دمدم مع نفسه بصوت خفيض
يكون أحسن إنها ماتجيش مش ناقصة نكد.
أحضر النادل أصناف الطعام المطلوبة وشرع كلاهما في تناوله مع تبادل الأحاديث الودية اللطيفة .. طرأ في بال همسة شيء ما لذا تركت شوكتها واستندت بمرفقيها على الطاولة ركزت أنظارها مع خطيبها وقالت
أما جت في دماغي حتة فكرة لو ظبطت معانا هتحسن علاقتك بأختي.
رمقها بنظرة حائرة قبل أن يسألها
فكرة إيه دي
أوضحت له بابتسامتها المتحمسة
دلوقتي فيروزة شغالة في محل بيعمل هدايا وبيجهز حاجات السبوع إيه رأيك لو تخلوها هي اللي تعمل حاجة المولود قريبكم
بدا غير مستوعب لما تقصده من إشراكها في الأمر واستفهم منها
مش فاهم يعني عاوزاها تعمل إيه
لوحت بكف يدها متابعة عن ثقة اكتسبتها وقد تخمرت الفكرة أكثر في رأسها
هاوضحلك أكتر وصدقني ده هيفيدك جدا بس تعمل اللي هاقولك عليه بالظبط. 
هز رأسه موافقا وهو يرد
ماشي.
كان اقتراحها بسيطا للغاية الذهاب لمحل الهدايا الذي تعمل به توأمتها والإصرار على شراء ما يلزم المولود الجديد من أشياء تستخدم خلال حفل السبوع منه مع الإشادة بمجهود فيروزة تفانيها ودقتها في العمل لتشعر بالحرج من الإطراء الذي تتلقاه منه تحديدا وفي نفس
الوقت تمحى أي ضغائن سابقة ليبدأ كلاهما صفحة جديدة .. لم يكن من اليسير عليه أن ينفذ فكرتها بحذافيرها دون اللجوء لمساعدته وبرجاء أقرب للتوسل طلب هيثم مساعدة ابن خالته في تلك المسألة التي اعتبرها مصيرية قبل تميم على مضض الذهاب معه ليس محبة فيه لكن إشباعا لتلك الرغبة الملحة التي تستحثه على رؤيتها تحت أي ظرف استنكر انسياقه وراء نزوة عابرة احتلت لا وعيه وباتت تنغص عليه وعيه نزوة خيالية هو طرفها الوحيد يعيش تفاصيلها بمفرده وبين جوارحه خلسة وفي أحلامه المحظورة .. قاوم تلك المشاعر غير المألوفة عليه مجبرا نفسه على مواجهتها ليثبت أنها من محض خيالاته المحرمة. قبيل العصر اتجه الاثنان إلى المحل .. تطلعا إلى الواجهات المختلفة للمحال التي تتجاور فيما بينها في ذلك الشارع الحيوي تساءل تميم بجدية وإرهاق 
هو ده المكان متأكد منه يعني
حك مؤخرة عنقه قائلا بتردد
مش عارف بس مافيش إلا هو في الحتة...
ثم أشار بيده نحو اللافتة وواصل القول
مكتوب عليه هدايا أهوو.
كان يعلم أنها ضيقة الصدر تميل للتشاجر وربما رؤيته ستجدد تلك النزعات الكارهة نحوه نفخ تميم بزفير طويل قبل أن يرد عليه متسائلا
أنا مش عارف إنت ليه حاشرني معاك!
أجابه بمنطقية بحتة
المرادي لازم تبقى موجود إنت خال المولود يعني الكلام جاي منك على طول مش من حد تاني ...
وضع يده على كتفه وأكمل بوجه بائس
وبعدين اقف جمبي في الخدمة دي خلي الجوازة تكمل.
ضغط تميم على شفتيه قائلا بضيق
إنت بتورطني وأنا مش عاوز كده.
رد عليه هيثم ونظراته مسلطة عليه
اعتبرها بجميلة معايا ومردودالك.
تنفس بعمق ليعلق بعدها بنبرة موجزة
يا مسهل.
شحذ تميم كامل قواه ليتقدم بعدها في اتجاه باب المحل دفعه بيده وولج للداخل ملقيا التحية
سلامو عليكم.
بحثت عيناه سريعا عنها لكن كان المكان خاليا من حضورها مما أصابه بالإحباط الټفت برأسه للجانب حين ردت عليه علا
وعليكم السلام أي خدمة
يبدو أنها لم تتعرف إلى شخصه بالرغم من تذكره لوجهها تنحنح متسائلا بوجهه الجاد
أومال فين الأبلة
زوت ما بين حاجبيها متسائلة في حيرة
أبلة مين
تدخل هيثم في الحوار ليوضح أكثر
بصي .. أنا خطيبتي همسة أختها شغالة هنا.
ابتسمت علا قائلة لكليهما ونظراتها تتجول عليهما
قصدكم فيروزة هي في مشوار وجاية تحبوا تستنوها أنا ممكن أساعدكم لو في حاجة ضروري.
وقبل أن يكمل هيثم حديثه فتح الباب مجددا لتطل فيروزة بوجهها المشدود شاكية بتذمر
يا ربي على الزحمة مش ممكن الواحد مش عارف الناس دي كلها جاية منين.
رفعت عيناها نحو الاثنين المحدقين بها حلت بها الصدمة ونطقت في دهشة عجيبة
إنتو
لا يدري لماذا تصيبه تلك الربكة في حضورها كانت قادرة على إفساد ترتيباته وكلما أعد نفسه للمواجهة فشل قبل أن يحاول حتى أن تأثيرها قد امتد ليؤثر على جسده شعر بتقلصات في معدته بعدم انتظام أنفاسه .. تركزت أنظار فيروزة معه حدقت فيه مطولا وكأنها تريد النفاذ لداخله انتظرت أن يبادر بتفسير سبب تواجده لكنه استطرد يقول ببلاهة
صباحك فل.
ضغطت على شفتيها تسأله بنبرة عملية بحتة
خير في حاجة
رد عليها هيثم وتعابيره توحي بانزعاجه
احنا جايين في شغل
رفعت حاجبها للأعلى مرددة في استغراب وهي تتجه إلى الطاولة المستطيلة لتسند عليها الحقائب التي تحملها في يديها
شغل!!
هز برأسه مؤكدا وهو يرد
أيوه طبعا..
ثم دفع بيده ابن خالته حين أضاف
ماتقولها يا تميم.
خشي الأخير أن تتبين مدى الارتباك الواضح عليه غالب حالة التخبط المتمكنة منه باحثا عن خيط يبدأ به حديثه وكأن الكلمات قد فرت من على طرف لسانه كفرار الطريدة من الأسد المتربص
بها.. ساعده انشغالها بترتيب الحقائب على تصفية ذهنه استنشق الهواء بعمق ثم قال بلجلجة محسوسة
بصي.. احنا عندنا سبوع و.. كنا عاوزين نشوف إيه المطلوب واللي المفروض يتعمل فيه.
هزت رأسها في تفهم لترد دون أن تنظر إليه
تمام.
أضاف هيثم موضحا أكثر ليظهر جديته في الأمر مثلما أخبرته همسة
السبوع ده بتاع ابن أخته حبيبنا كلنا..
وتابع موجها سؤاله ل تميم
صح ولا إيه يا خال
لعق شفتيه وحرك رأسه قائلا
مظبوط.
ردت باقتضاب تهنئه وقد استدارت كليا لتنظر إليه
مبروك.
وكأن طاقة عظيمة من المشاعر المستثارة قد نفذت إليه لتضاعف من الاضطراب الدائر بداخله اكتفى بإشارة خفيفة من رأسه بينما تساءلت فيروزة باهتمام وهي تدون ما يقوله في مفكرة صغيرة
طيب إنتو عايزين إيه بالظبط
تبادل تميم مع هيثم نظرات حائرة وهمهمات خاڤتة لتعبر عن تخبطهما .. تدخلت علا في الحوار مقترحة
في أوبشنز كتير عندنا ممكن أقولهالكم باختصار لو تحبوا.
الټفت هيثم نحوها ليعلق
احنا عايزين أحسن حاجة.
أشارت علا بيدها متابعة
أوكي في حاجات ممكن أوريهالك وإنت تقولي رأيك تنفع أو لأ.
قال في استحسان
إن كان كده ماشي.
ثم مال على ابن خالته يسأله
هاتيجي معايا يا تميم.
تنحنح قائلا بصوت متحشرج
أيوه.
منحها نظرة أخيرة مهتمة قبل أن يسير بخطوات متكاسلة نحو الجانب الآخر من المحل حيث المعروضات التي تخص المواليد الذكور ساعدتهما علا كثيرا في مسعاهما وبقيت تلك النظرات الخاطفة عليها من آن لآخر وسيلته المتاحة ليملي عينيه منها وكأن القلب ينتعش بها. أفسد متعته السرية مجددا حضور آسر والذي على ما يبدو اعتاد المجيء إلى المحل اربد وجهه بالضيق الشديد حين هتف بسماجة ليمدح الشابتين
قمرات المكان.
تركت علا ما في يدها بعد أن رأته اعتذرت مبتسمة بتلهف ونظراتها تتجه إليه
آ..خدوا فكرة وأنا رجعالكم عن إذنكم.
استدار هيثم لينظر إلى حيث تحدق وتساءل بصوت خفيض
هو مش ده الرخم إياه
رد عليه هيثم بعبوس غلف كامل تعابيره
أه هو.
وقفت علا أمامه تتغنج في مرح قبل أن تقول
آسر أنا كده هاتغر إنت كل يوم عندي.
ابتسم موضحا بأسلوبه اللبق في الحوار
أصلي حبيت المكان هنا وكمان لما بألاقي نفسي فاضي بأعدي عليكم يعني معرفش غيركم بصراحة.
هتفت بأنفاس منفعلة في سرور
أنا بصراحة مبسوطة أوي إنك بتعمل كده.
انخفضت عيناها نحو يده التي أخرجت بلورة بها ثنائي متحابين يجلسان على فرع شجرة تدور وتنير حين تضغط على زر صغير بأسفلها قدمها لها قائلا
اتفضلي.
عضت على شفتها السفلى في رقة وسألته بوجه متورد
إيه دي
أخرج آسر واحدة أخرى من الحقيبة وثبت عيناه على فيروزة متابعا بهدوء
دول هدايا كنت جيبهالكم من آخر سفرية بس ملحقتش أديهالكم.
ردت علا تشكره بامتنان
ميرسي أوي يا آسر مكانش ليه لزوم.
ابتسم مجاملا لها وسار نحو رفيقتها ليقدم لها هديتها قائلا بتهذيب
اتفضلي يا آنسة فيروزة دي عشانك.
نظرت له بحدة ورفضت بجمود
شكرا مش عاوزة.
ألح عليها بلباقة وقد أسبل عيناه
مش هاقبل تكسفيني ده تذكار بسيط والنبي قبل الهدية.
تابع تميم المشهد من الخلف وذلك الغليان يستعر بداخله كان يتعاظم مع سماجة آسر المتزايدة بدت كالحنط في الجوف همس لنفسه بحنق متوعد وهو يكور قبضته
خديها منه وإديهاله في نافوخه.
أسند آسر البلورة على الطاولة التي تخصها لم تبتسم له وحذرته بلهجة لا تمزح
كتر خيرك بس يا ريت متكررهاش.
حاضر.
قالها وقد تقوست شفتاه عن بسمة صغيرة ثم استدار ليتحدث مع علا التي كانت تستعلم منه عن مسألة ما في حين ارتكزت أنظار تميم على البلورة استحوذ على تفكيره المزيد من الأفكار السوداوية تجاهه